السّبسي وتصريحات لطفي زيتون.. عيش بالمنى يا كمّون.. (بقلم الجمعي العليمي)

لقد قرأت، كغيري من المتابعين للشأن العامّ، التصريحات الأخيرة للسيّد لطفي زيتون على أعمدة احدى الصحف اليوميّة التونسيّة و تابعت ما أثارته تلك التصريحات من ردود أفعال و لغط هنا و هناك بين مستغرب و مندّد و مشكّك..
إنّها ظاهرة صحّية في تفاعل النّاس مع ما يصدر عمّن يتصدّرون المشهد السياسي في البلاد ؛و من الطبيعيّ جدّا أن يختلف الناس في قراءة مواقف السياسيين و تصريحاتهم.. فقد ولّى ذلك الزّمن الذي كان فيه الزّعيم يوجّه عقول النّاس و يسوقهم كالأنعام بتصريحاته / توجيهاته التي تنزل عليهم بردا و سلاما فيتقبّلونها بقضّها و قضيضها كلاما منزّلا منزّها ….
لست ممّن يتضايقون بتعدّد القراءات و التأويلات و التخريجات …بل إنّني أدعو إلى ذلك و أعتبره ثراء في الرؤى و علامة صحّية ؛فتدوير الزوايا هوايتي و مهنتي و اختراعي …
و لكن ما يثيرني في المسألة هو هذا التناول السّطحي الفجّ لمواقف بعض السياسيين من طرف بعض المحلّلين، إن لم نقل كلّهم، دون سبر أغوارها و فهم خلفياتها و منطلقاتها و استكناه أهدافها ….
إذ كثيرا ما تناول بعض المحلّلين أو لنقل المتابعين للشأن السياسي هذه التصريحات تناولا سطحيّا عابرا فيحلّلونها تحليلا عاطفيّا انفعاليّا شعبويّا …و لست أدري إن كان ذلك عملا مقصودا يراد منه تعميّة النّاس عن حقائق الأمور و توجيههم وجهة مظلّلة ؛أم هو تصرّف عفويّ ناتج عن قصور منهجيّ في القدرة على فهم العمل السياسي برمّته ؛فتصبح تحاليلهم أشبه ما يكون بتعلّم الحجامة في رؤوس اليتامى ؟؟؟

لقد ثار الجميع، أنصار النّهضة و مناوئيها على حدّ السواء، على السيد لطفي زيتون اثر تصريحاته الأخيرة و اعتبروه خائنا للثورة و مرتدّا عن نهج الثوّار …و من الدّاخلين الجدد لبيت الطّاعة .
فما الذي قاله السيد ” زيتون ” حتّى تندلع هذه الزوبعة من ردود الأفعال ؟؟
لست هنا في معرض الدّفاع عن السيّد “زيتون” ؛ فهذه ليست مهمّتي و لن تكون أبدا… و لكنّني أحاول قراءة المشهد قراءة موضوعيّة و أحفر في أعماق التصريح بعيدا عن السّّطحيّة و الاستسهال و إصدار الأحكام العاطفيّة المتسرّعة …
لقد اعتبر السيّد لطفي زيتون “السبسي” شخصيّة وطنيّة لها اعتبارها و وزنها في المشهد السياسي ؛ له خبرة و دراية مكّنته من التموقع في السّاحة و المساهمة في إدارة الأحداث خلال السنوات الثلاث الأخيرة من عمر الثّورة ؛ و قد تمكّنه من الوصول إلى رئاسة البلاد إن ترشّح و فاز في الانتخابات القادمة ….
ما الغريب في هذا الموقف ؟؟
بعيدا عن التمترس الأيديولوجي.. بعيدا عن الاصطفاف الحزبي.. بعيدا عن العواطف و المشاعر الجيّاشة.. هل في هذا الموقف ما يثير حفيظة كل عاقل مدرك لحقيقة الوضع الحالي للبلاد ؟؟؟
هل أتى” زيتون ” بالجديد ؟ أ لم يصدر مثل هذا الموقف عن جميع قيادات الأحزاب السياسية و بدون استثناء قبل انتخابات 23 أكتوبر 2011؟؟ أ لم يهلّل الجميع للسبسي عندما تولّى إدارة شؤون البلاد في المرحلة الانتقاليّة الأولى بعد تنحّى محمّد الغنّوشي ؟؟؟
أعتبر أنّ السيّد ” زيتون ” لم يخترع العجلة في تصريحاته الأخيرة ؛فقد قال ما قاله الجميع عندما كان يقول في السّبسي و جماعته ما لم يقله ملك في الخمر ….ربّما عيب السيد زيتون أنّه فكّر هذه المرّة بصوت مرتفع.. فأغضب أنصاره و قواعد حرمته كثيرا.. و لكنّني على يقين أنّه قد أغضب مناوئيه و منافسيه في الجهة المقابلة أكثر.
إنّ أسئلة مركزيّة الذي يجب علينا طرحها كمحلّلين أمام تصريحات بهذا الحجم ومن طرف قيادي بارز في حركة صُنِّف ذات يوم كصقر من صقور حركة النّهضة و أُعْتُبِرَ من أشدّ أعداء التجمّعيين و الأزلام و تصدّى للسبسي و حزبه مبكّرا جدّا …
السؤال المركزي الذي يجب طرحه في هذا السياق.. هل تغيّر موقف ” زيتون ” ( ومن خلاله موقف حركة النّهضة ) من حزب ” نداء تونس” و زعيمه تغيّرا عميقا و جوهريّا إلى حدّ القبول به رئيسا للبلاد بعد الانتخابات القادمة ؟؟؟
هل هناك فعلا عمليّة تطبيع شامل مع المنظومة البائدة و العائدة قد تفضي إلى تحالف بين حركة النّهضة و حزب السبسي سواء قبل الانتخابات أو بعدها ؟؟؟
هل تنازلت حركة النّهضة عن شعارات الثّورة و أهدافها و تعامت عن مطالب أنصارها و المتعاطفين معها لصالح تثبيت موقعها و تأمين مصالحها حتّى لو أدّى الأمر إلى التحالف مع ” الدساترة ” و ” التجمّعيين ” ممّن قامت عليهم الثّورة ؟؟
هل تأتي تصريحات السيد زيتون في إطار ما أصبح يسمّى بمسلسل التنازلات التي ” دأبت ” عليها حركة النّهضة منذ جلوسها إلى طاولة ” الحوار الوطني ” و قبولها بخارطة الطريق المتمخّضة عنه؟
إنّ الإجابة عن هذه الأسئلة، كما أراها، تقتضي وعيا بحقيقة المرحلة و دقّة استحقاقاتها و دراية بأصول إدارة المعارك و فنونها…بعيدا عن العنتريات و المزايدات و العواطف ….
إذ لا يمكن المزايدة على نضال السيد زيتون و مواقفه من ” المحاربين القدامى ” للنظام البائد بنسختيه ؛و لا يمكننا كذلك التشكيك في نضاليّة الأحزاب الثورية التي آمنت بالثورة و دفعت قياداتها و زعاماتها و قواعدها ثمنا باهظا لذلك …فالثورة على الاستبداد و الفساد لم تقم يوم 15 جانفي 2014 بعد فرار المخلوع و اختباء أذنابه في جحورهم ح و لكنّها كانت مستعرة في القلوب و النّفوس منذ ستّينات القرن العشرين …و هذا ما لا يعرفه الكثيرون أو ربّما يتعامون عنه و يتجاهلونه لغاية في نفوسهم المريضة …
ما يجب أن يعرفه الناس عامّة و المحلّلون للشأن السياسي خاصّة هو أنّ العمل السياسي رمال متحرّكة …عمل يقوم على الحركة و التغيّر و التغيير …فكلّ خطاب سياسي متحجّر ثابت صلب ؛ يحمل بذور فنائه في ذاته و مصيره الزوال و الذوبان و الاندثار إن آجلا أو عاجلا ….
إنّ السياسي الفذّ هو من يتسلّح بحزمة بدائل يدير بها معركته في سبيل تحقيق أهدافه … فلا يمكن الوصول إلى الهدف بوسيلة واحدة دائما …المهمّ هو الوصول إلى روما …و ليس مهمّا الطريق إلى ذلك …فكلّ الطرق توصل إلى روما .
أعتقد أنّ حركة النّهضة من الأحزاب التي يتقن قادتها فنّ السياسة و إدارة المعارك …
إنّني أقرا تصريح السيّد ” زيتون ” في هذا الإطار …إطار إدارة المعركة مع المنظومة القديمة …فلكلّ مرحلة متطلّباتها و أدواتها ….أمّا الغاية فلم تتغيّر و لن تتغيّر .
أرى أنّ معركة المخلصين للثورة و المؤتمنين على تحقيق أهدافها و الأوفياء لدماء الشهداء مع المنظومة القديمة و الحالمة بالعودة لابدّ أن تمرّ بثلاثة مراحل كبرى و هي
1 – مرحلة القصف العشوائي للخصم / العدوّ .
و المطلوب في هذه المرحلة هو تشتيت الخصم و بثّ البلبلة في صفوفه و تفريقه و تفتيته .
و هو ما قامت به القوى الثّورية طيلة المدّة الفارطة من عمر الثّورة . فتشتّت الأزلام و تفرّقوا و بحثوا عن ملاجئ آمنة ليختبؤوا فيها كلّ على طريقته و تحصّنوا فيها في انتظار هدوء العاصفة.
2 – مرحلة القصف المركّز للخصم / العدوّ .
والمطلوب في هذه المرحلة تسديد ضربات مباشرة و قويّة للخصم لتفكيك الحصون و القلاع التي تحصّن بها الفلول و الأزلام .
و هي المرحلة التي نعيشها اليوم و في إطارها يمكن فهم تصريحات الشيخ الغنّوشي و مواقفه كما تصريحات السيّد ” زيتون ” الأخيرة . و ستدوم هذه المرحلة كامل المدّة السابقة للانتخابات القادمة
و الغاية من هذا القصف المركّز هي إخراج الفلول من حصونهم و جعلهم ينكشفون …ثم تأتي مرحلة الإجهاز عليهم .
3 – مرحلة التّمشيط التّام للميدان .
و هي المرحلة الأخيرة من المعركة .
و في هذه المرحلة تتمّ مطاردة الفلول عنصرا عنصرا و محاسبتهم و معاقبتهم …إنّها مرحلة المطاردة و المحاسبة و المعاقبة .
و هي المرحلة التي ستعقب الانتخابات القادمة ..
هذه هي مراحل المعركة و في إطارها تتنزّل التصريحات الصّادمة لزعماء أصبحوا ينعتون بكلّ الأوصاف السيّئة الممكنة في قاموسنا اللّغوي .
إنّنا نعيش مرحلة ” القصف المركّز ” لقلاع الخصوم و حصونهم …و تصريحات ” زيتون ” تتنزّل في هذا الإطار …إذ لا فائدة من معارضة رموز القوى الثورية و زعاماتها لترشّح ” الباجي ” للانتخابات الرئاسية القادمة ؛فهناك أطراف أخرى ستقوم بذلك اليوم – بعدما كانت تعارض ذلك سابقا و تعتبره إقصاء غير مبرّر – و ستتولّى ” القتال ” بالوكالة عن القوى الثّورية …..
بهذا المعنى …لابدّ أن يُتْرَكَ ” السبسي ليتآكل شعبيّا و يُسْتَهْلَكَ ترشّحه اعلاميّا حتّى تهترىء صورته و يُشْبَعَ خطابه نقدا و تجريحا و تقريعا ….حتى إذا وصل موعد الانتخابات كان شبحا متهالكا متداعيا للسقوط لا يقوى على المواجهة و المنافسة .
لابدّ أن يحسّ النّاس بالخطر الدّاهم و يتلمّسونه حقيقة – خطر عودة المنظومة القديمة – لتصبح معركة مواجهته معركة جماعيّة و فرض عين على كلّ تونسيّ حرّ و تونسيّة حرّة عندما يحين موعد الانتخابات …
لابدّ من حرمان السبسي و معسكره العائد من فرصة الاستفادة من لعب دور الضحيّة ( فإقصاء السبسي عن الانتخابات سيحوّله إلى ضحيّة و هذا ما يبحث عنه ) .
إن خطاب ” زيتون ” شكلّ بهذا المعنى ” الصّاعق ” لوعي النّاس ممّن استطابوا الجلوس على الربوة و مراقبة الأحداث و مطالبة طرف واحد بخوض الحرب عوضا عن الجميع …إنّ مواجهة ” الحرس القديم ” ليس فرض كفاية …بل انه فرض عين …واجب على الجميع …و عندما يتأخّر النّاس عن القيام بهذه المهمّة ؛لا بدّ من دفعهم دفعا إلى ذلك بعد صعقهم بمثل هذه التصريحات ….و هذا ما نراه اليوم .
إنّ جبهة الرافضين لعودة التجمّعيين و حلفائهم و أذنابهم و مشتقّاتهم تزداد اتّساعا و قوّة يوما بعد يوم بفضل هذه التصريحات و المواقف ….فمن كانوا خارج هذه الجبهة ها هم اليوم يقفزون إليها على عجل ……
لقد فعلت تصريحات الشيخ الغنّوشي الأخيرة بالأزلام ما لم يفعله طيلة أربعين عاما من نضاله ضدّهم…و ها هو لطفي زيتون يواصل القصف المركّز ….
فقط تخيّلوا السبسي رئيسا للبلاد ….
شيئا من التركيز رجاء …و بارك الله في فهمكم .

– الجمعي العليمي –

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: