“الشباب ضمان الثورة” .. بقلم الناشط السياسي فراس العيني

“تونس في 28 ديسمبر 2009 : مثلت مصادقة الجمعية العامة لمنظمة الامم المتحدة بالاجماع يوم الجمعة 18 ديسمبر 2009 خلال دورتها الرابعة والستين على مبادرة الرئيس زين العابدين بن علي المتعلقة باعلان سنة 2010 سنة دولية للشباب اعترافا دوليا جديدا بصواب مقاربات سيادة الرئيس وسداد خياراته الاستراتيجية التي تراهن على الاحاطة بالشباب والاهتمام بقضاياه ودعم الحوار معه”…
نعم، هكذا كانت التغطية الإعلامية لنفاق النظام السابق و هكذا كان الدعم الاجنبي و الأممي للمخلوع زين العبادين بن علي و إضفاء الشرعية على حكمه من خلال القبول بمبادرته التي تنص على جعل سنة 2010 سنة دولية للشباب في إستبلاه صارخ لهذا الشعب و شبابه المهمّش المعطّل عن العمل المحقّر و المستبعد من المشاركة في اتخاذ أيّ قرار، المدفوع نحو أن يكون “حارقا” نحو المجهول أو محترقا بمرارة الواقع المظلم و الأفق المسدود، ينسى المجتمع الدولي في تلك اللحظة كل هذه المصائب و يتعامى الجميع عن هذه الفضاعات ليصادق على مبادرة بن علي المتعلقة بإعلان سنة 2010 سنة دولية للشباب، و لكن فعلا كان للشباب كلمته في تلك السنة ليثبت لبن علي صدق توقعاته و هي أن الشباب هو الحل، و لكنّه كان حلاّ حسب ما يراه الشباب لا حسب ما يراه سكان قرطاج و القصبة، فاندلعت ثورة أخرجت قطار العالم العربي و الإسلامي من سكته الروتينية إلى سكة لا نعلم إلى الآن وجتها، ثورة قلبت كل الموازين و كسرت كل الحجب و قرّبت كل الممكنات و هدمت كل أصنام السياسة لتعلن بداية مرحلة جديدة شعارها “الشعب يريد…”… لم يكن هروب بن علي بلا ثمن بل سقط من سقط شهيدا و يعاني إلى الآن من يعاني جريحا و كلهم من الشباب الذي كان يقوم بكل الأدوار فهو يجيّش الشارع عبر مواقع التواصل الإجتماعي و يكتب الشعارات و يؤلف الهتافات و يتصل بكل من يعلم و لا يعلم يبلغهم موعد التحركات المطالبة بإسقاط النظام و يخرج و يقود المظاهرات و يواجه الغاز المسيل للدموع و ضرب العصي و الهراوات و إن اقتضى الأمر احتضن رصاص الغدر بصدر رحب موقنا أنّ له ربّا سيلقاه و أنّ من ورائه رجالا ثابتين على مواقفهم و موفين بعهودهم مستعدين للتضحية بالغالي و النفيس من أجل إكمال ما بدأه.
السقف العالي الذي فرضه الثوّار لا يدلّ على أن صاحب الفكرة رجل كهل رصين متعقّل بل ليدلّ بداهة أن من طالب بإسقاط النظام و صرخ بأعلى صوته يسقط جلاّد الشعب يسقط حزب الدستور هو شاب قد يوصف بالمتسرّع و المتنطّع الذي لا يعلم عواقب ما يرنو إليه و لكنه بلغ ما أراد و أيّده الله و نصره حين دفع دكتاتور السابع من نوفمبر و صانع التغيير إلى الفرار و جعل أركان نظامه تهتز و تتأرجح و ترتعش لدوي الهتافات و زمجرات المتظاهرين.
و واصل الشباب ثورتهم و واصلوا تتبعهم لما بنوا بأيديهم حريصين على استمرار الشعلة و نموّ شعاعها ليبلغ منتهاه و لكن دخل الشيوخ بجلال التجاعيد و وقار الشيب و حكمة السنين الغابرة و خبرة التجربة الفاشلة ليتسلّموا المشعل و ليعلّموا الشباب كيف يسيرون ثورتهم حتى أخمدوها و جعلوها قبسا خافتا لا دفء فيه و لا نور، بل جعل “التكتيك” من الثورة أزمة و قلب شعلتها و حماستها إحباطا و يأسا و لم يستطع أحد من هؤلاء الشيوخ -المتوثبين على الثورة كوسيلة للسلطة- لم يستطع أحد منهم الدفاع عنها في وجه الثورة المضادة بل مكّنوا المتآمرين عليها من الإنقلاب عليها و جعلها في موضوع المدافع المدان لا المهاجم صاحب الحجة لذلك ترى الشباب -و هم  في حالة من الإحتقان- بين الفينة و الأخرى يتوثبون على هؤلاء الشيوخ يريدون استرداد مشعلهم  لإنقاذ ما يمكن إنقاذه و نلمس هذه الحالة من الإحتقان في صفوف الشباب حين يفوق معدّل الأعمار في الإنتخابات التشريعية ال40سنة و حين لا تكاد تتجاوز نسبة الشباب البالغ عمرهم أقل من 35 سنة المشارك في الإنتخابات التشريعية 12% و تلمس حالة الغضب المتصاعد في كل صفحات الفايسبوك التي كان تقف دعامة أساسية للثورة و إعلاما بديلا تغطي كل الأحداث التي وقعت منذ 17 ديسمبر، و ترى الشباب اليوم يستنفر كل طاقته و يستجمع جهوده و حماسته لتحريك الشارع رافضا الرفض القطعي نتائج الإنتخابات التشريعية المزورة التي أعادت الفاسدين و المجرمين للبرلمان.
في الحقيقة لا حلّ لشباب الثورة إلاّ استرجاع المشعل بكماله و تمامه و مواصلة السير دون الالتفات للمتخلفين و العاجزين عن الاستمرار لأن الثورة و إن أمكن تجاوزها كحدث سياسي فإنّ دم ّ الشهيد لا يزال ينزف  و جرح الجريح لا يزال يؤلم و صدى صرخات الثكلى  لازال يسمع إلى اليوم و المتوثبّون على هذا الشعب بكل أشكال القمع و القهر يواصلون السير حثيثا ليسترجعوا نفوذهم و ليشبعوا شهوتهم و هي الظلم و القهر و الفساد و هكذا يعتبر السكوت خيانة للعهد و نكرانا للجميل و سقطا للمروءة و قلّة معروف و ذنبا لا يغتفر في حقّ أناس ضحّوا بحياتهم من أجل أن تسترد الحقوق و من أجل أن يدعي من يدّعي أنه ينظّم إنتخابات حرّة و نزيهة يفتح فيها المجال للجميع ترشحا و إنتخابا و لكنه لعمري عين الخيانة حين يشارك القتلة و المجرمون في هذه الإنتخابات على جماجم الشهداء و آلام جرحى الثورة.
إذا ليفهم الجميع أن كلمة الشباب ليست صرخات غضب عابرة و شحنات مشاعر جياشة و لكنها استكمال مشروع و بلوغ غاية و وفاء لمن قدّم الروح فداءا من أجل ردّ كيد المجرمين و افتكاك السوط من يد الجلادين لتكون النتيجة هي أن شباب الثورة و وحدهم الشباب صمام أمان الثورة، هم من على عاتقهم واجب استكامل ما بدؤوه و هم من يدركون حقّا معنى الوفاء لرفاقهم من شهداء و جرحى.

بقلم فراس العيني – ناشط سياسي في صفوف حزب التحرير –
( مقال من جريدة التحرير العدد:19 )

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: