الشعـب يريــد.. فـي بيـروت أيضـا.. (مقال/ الكاتب والناقد اللبناني إلياس خوري)

الشعـب يريــد.. فـي بيـروت أيضـا.. (مقال/ الكاتب والناقد اللبناني إلياس خوري)

ليلة الأحد 23 آب-أغسطس بدأ شبح الخيبة يتسلل إلى وعينا من جديد، فالاعتصام الشعبي الكبير الذي جاء رداً على قمع المظاهرة السلمية ليلة السبت، فقد ضوابطه التنظيمية والسياسية، واشتعلت مواجهات حمقاء مع قوى الأمن لا هدف لها. وحتى الآن لا يدري أحد من هي الفئة السياسية التي أنزلت الشبيحة إلى الاعتصام في سبيل ضربه وبهدلته. هل هم من ميليشيا حركة أمل، كما يشاع، أم هي عناصر من سرايا المقاومة أم مجموعات حزبية غير منضبطة أم ماذا؟ لكن المؤكد أن الصدامات أعطت صورة قاتمة عن الوضع اللبناني، وأشارت إلى غياب القيادة، وفقدان الرؤية التنظيمية والسياسية لقوى أهلية ومدنية تصدت لقيادة التحرك. ورغم ذلك، ورغم منعطف المجهول الذي أعلنه إفلاس نظام الحرب الأهلية وانهياره السياسي والأخلاقي، فإن دروس التحرك الشعبي المدني الكبير يجب أن تكون حافزا لإعادة تنظيم الصفوف وبناء رؤية سياسية واضحة الأهداف، لأن معركة اسقاط نظام الحرب الأهلية هي معركة طويلة ومعقدة ومستمرة.
خلاصات هذه المظاهرة الكبرى تحتاج إلى تحليل عميق، إنها المرة الأولى في لبنان ما بعد الحرب التي يتظاهر فيها شباب لبنان، بهذا الحجم والزخم والقدرة على الصمود والتضحية، بصفتهم مواطنين. سقطت فزاعة الطائفية من قلوب هؤلاء الشابات والشبان، وبدوا وكأنهم ينتمون إلى وطن آخر، لا علاقة له بوطن الزعامات الميلشيوية التي استولت على السياسة ونهبت الاقتصاد.
من السابق لأوانه تقييم التجربة، وخصوصا أننا لا نزال في خضمها، ولا تزال احتمالاتها مفتوحة، لكنني أود الإشارة إلى ثلاث مسائل:

المسألة الأولى: الشعار

كان لافتا أن يكون الشعار المركزي للمظاهرة مأخوذ من الشعار الأساسي في الثورات العربية: «الشعب يريد إسقاط النظام». رغم كل المصاعب والنكسات التي منيت بها الثورة في سوريا ومصر وليبيا، فإن الإصرار على شعار إسقاط النظام، وعلى دمجه بشعار «ثورة»، كان لافتاً. وهذا يدل على أن الثورة مسار طويل ومعقد، وعلى الرغم من الصعوبات والمآسي، فإن شباب لبنان، كغيرهم من شباب العرب، يعرفون في أعماقهم ان النظام الاستبدادي القديم، سواء أكان عسكريا أو فاشيا او مافيويا او طائفيا يجب أن يرحل ويسقط في الشارع. استعادة الشعار من المدونة الثورية العربية المعاصرة، لا يدل، كما يحلو لبعض الانهزاميين القول، على نقص في الخيال أو الابداع، بل يحمل في طياته المعنى العميق للمرحلة. يجب إسقاط النظام واستبداله بنظام ديمقراطي يبني حرية الوطن والمواطن، ويؤسس للعدالة الاجتماعية.
لا يستطيع أحد إيقاف هذا المدّ الشعبي الجارف، وعلى شباب التحرك إعطاء معان تفصيلية لمشروع إسقاط النظام وتحويله من شعار إلى برنامج سياسي واجتماعي.

المسألة الثانية: احتلال الساحات من جديد

لم يكن احتلال ساحتي الشهداء ورياض الصلح مجرد مصادفة، فالتدفق البشري للمتظاهرين وأعدادهم التي كانت تكبر جعل من احتلال الساحتين والتنقل بينهما ممكناً. وهو احتلال يحمل معنى رمزيا كبيرا. ففي الساحتين جرى اغتيال مشروع الاستقلال الثاني الذي أعلنته انتفاضة الاستقلال. إذ نجح النظام الطائفي وامتداداته الإقليمية في وأد احتمالات الثورة التي لاحت سنة 2005 في استعراض قوة بين الساحتين: حزب الله وحلفاء النظام السوري في ساحة رياض الصلح، وتيار المستقبل والحزب الاشتراكي والقوات، وبقيت أطياف القوى الطائفية المتحالفة في ساحة الشهداء. التخندق في الساحتين زرع البذرة الطائفية اللعينة في قلب انتفاضة شعبية هائلة، وقاد لبنان إلى تجديد نظام مقاطعجية الطوائف، بتحالفاتهم الإقليمية الحمقاء.
ليل السبت 22 آب- أغسطس 2015، أعلن شباب لبنان وشاباته نهاية الجدار الفاصل بين الساحتين، حيث تقدمت الساحتان في اتجاهين: الأول نحو السرايا الحكومية والثاني نحو مجلس النواب. وفي هاتين الحركتين المتوازيتين أعلنت المظاهرة أنها ضدهم جميعا، كل الطبقة الحاكمة بمسلميها ومسيحييها، بسنتها وشيعتها ودروزها وموارنتها وأرثوذكسييها، هي عدو لبنان وعدو شعبه. لم يعد الشعار الطائفي قادراً على استقطاب أحد، لقد سقطت الطائفية في المزبلة التي أرادوا إغراق الشعب اللبناني فيها.
نجحت المظاهرة في الإشارة إلى المزبلة الحقيقية، انها الطبقة الحاكمة، طبقة نهب الشواطئ والكسارات والعقارات والكهرباء، طبقة شفط الرمول وتكديس الثروات، طبقة البنوك التي تمتص دماء اللبنانيين وتراكم ثرواتها على حساب الدين العام، طبقة الصراع على المزابل وثرواتها. طبقة لا تفرق بين الحلال والحرام، فحرامها حلال وحلالها حرام.
كل الشعارات التي باعونا واشترونا بها كاذبة، خلص، كفى ألا يشبعون؟ ألا يرون ماذا يحل باللبنانيين واللبنانيات. حولوا الناس إلى طالبي هجرة ومتسولي فيزا ويائسين. ألا يشعرون بأنه آن الأوان كي يمضوا ويحلوا عن ظهورنا بشعاراتهم الزائفة وخطاباتهم النتنة وعمالاتهم للقوى الإقليمية.

المسألة الثالثة: الأفق

كغيرها من حركات الاحتجاج الشبابية في العالم العربي، كشفت حركة الاحتجاج اللبناني ان الإسقاط الرمزي للنظام يتم بموازاة السقوط الفعلي لقوى المعارضة اليسارية التقليدية، التي انعجنت بالأخطاء وافترستها خطايا تحالفاتها الرعناء مع المستبدين من أجل مواجهة أخطار مستبدين آخرين!
وهنا تقع المفارقة الكبرى التي تبدو وكأنها سقوط في الفراغ. هذا الواقع المحزن ليس دعوة إلى الاستقالة والعودة إلى الحظيرة، بل هو دعوة إلى العمل. الذي سقط كان يجب أن يسقط وليذهب إلى الجحيم، لن نذرف عليه الدموع ولن ندعو إلى إحيائه من الموت. إكرام الميت دفنه، علينا فقط أن ندفنه باحترام يليق بنا وبذاكرتنا.
الخيبات من اليسار الذي سقط متحالفا مع القوى الطائفية فاندثر أو تذيّل لها، والخيبات من تيارات صارت شريكا مضاربا في التوريث السياسي والكعكة الطائفية العفنة، لم يعد يجدي. العمل المجدي الحقيقي هو بناء تحالف شعبي ديمقراطي ببرنامج سياسي واقتصادي واجتماعي جديد وواضح ومتحرر من لغة الماضي.
وهذه هي مهمة شباب لبنان اليوم. نجحتم في الإعلان عن أن «ريحة النظام طلعت» وصرختم وضُربتم لأنكم قلتم أن اللبنانيين قادرون على الدفاع عن كرامتهم في وجه اخطبوط المافيا الطائفية متعددة الرأس، لكن عليكم تقع مهمة الاستمرار. شرط الاستمرار هو البقاء كليا خارج أطر النظام الطائفي والنضال من أجل علمنة الدولة واستعادتها من أيدي اللصوص، وبناء أفق حقيقي للعدالة الاجتماعية.
ان اسقاط نظام الحرب الأهلية هو المدخل إلى بناء الدولة الديمقراطية العادلة. إنها مهمتكم ومهمتنا ومهمة جميع من يناضلون من أجل بناء الحاضر والمستقبل.

 

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: