“الشعوب تدفع ثمن .. ثورتها !” .. بقلم أماني بوزيد

أصحو اليوم 21-10-2014 كغيري من أفراد هذا الشعب على خبر الحادثة التي تعرّض لها العربي الطرفاني .. طالب الهندسة الذي فقد أحد أعينه بسبب تعنيف أحد الأمنيين له .
لن أظلم الداخلية و أتهمها أنه التجاوز الوحيد  في حقنا , لأن ذلك سيكون “نكران نذالة” لا يليق بنا و لا بوزارة مثلت إلى اليوم  “الصندوق الأسود” لتونس .. ستكون لي مواعيد أخرى مع الداخلية ( إن بقي في العمر و في الحرية نفَس ) أؤجّلها مقابل موعد أكثر أهمية ,  موعدنا نحن مع أنفسنا لنفهم مواقعنا و الأحداث من حولنا  : ” إننا اليوم ندفع ثمن ثورتنا” .. بل إن “النظام” اليوم يُدفِّعنا ثمن ثورتنا كما حدث مع بقية شعوب الأمة المنتفضة و لكن مع المحافظة على خصوصية كلّ منطقة .
لو نتخذ مسافة حياد بيننا و بين الواقع الضحل الذي نعيشه فنتأمله نقطة بنقطة فسَنلحظ ما يلي :
على الصعيد الأمني نكاد نجزم أنه لا يخلو اسبوع من تجاوز أمني في حق أفراد الشعب العاديين :  السويسي و غيره الذين ماتوا تحب التعذيب في  و التهمةُ بزعم “النظام” مخدرات و أداء صلاة الصبح بزعم أهلهم , الطالب زياد و محمد ناصر و ما عانياه من صنوف التحرش و الاذلال و التعرية  مع الابقاء عليهما إلي اليوم في “كفالة ” الداخلية , محاولة الاعتداء بالفاحشة على آخر أثناء القاء القبض عليه و غيره و غيره من ارهاب بوليسيّ مُورس على أفراد لم تكن لهم تهمة محددة أو ذنب حقيقي غير أنهم , لسوء حظهم , قد أختِيروا عشوائيا ليكونوا القطة التي تُذبَح أمام أعين الجميع لتخاف بقية القطط و تلزم مخابئها
لم يكتف “النظام” باطلاق كلاب البوليس على العامة ل”يلزموا الحائط” فقط بل استهدف كلّ حراك شعبي يمكن أن يعبّر عن احتجاج على الأوضاع و على غياب الرعاية المستحقة : أحداث سليانة( أحداث ال210 مصاب و ال20 فاقدا لأحدى عينيه جراء الرشّ ) ,  أحداث “الزبالة” في جربة , الوقفة الاحتجاجية ضدّ غلق المساجد في صفاقس , تحركات التنديد بالاعتقالات الجائرة لشباب الثورة و غيرها  من التجاوزات التي كان كلّ وزراء الداخلية يرددون إثرها ( كأغنية هابطة ) “تجاوزات فردية” , ” أمور خارجة عن نطاقنا” , ..  و كأننا بغباءِ من يعجز عن التفريق بين التجاوز و الأفعال الممنهجة المتناسقة المسكوت عنها التي وصلت إلى التغاضي عن التقارير المرفوعة و البلاغات و الشكاوي حتى وصل الأمر إلى أخر قرارات الحكومة الأخيرة من عزل لعشرات العشرات من الأمنيين المشتبه في “تشددهم الديني” .. و هي لعمري تهمة تكاد تَلحق كلّ شريف و معارض للنظام
على صعيد الجيش , الإطار العسكري الوحيد الذي لم يقف جندا و ضباطا في وجه إرادة هذا الشعب يوما , فإنه الإطار الأكثر تحملا لمسؤولية الثورة و الأكثر تحملا ل”عقابها” : و هنا لم يقتصر الأمر على ظروف العمل المزرية التي يعانيها أفراد الجيش و لا الأجور الزهيدة و لم يقتصر على محاولات تفريغ الجيش و إضعافه و لم يقتصر كذلك على التعيينات المريبة و الإقالات الأكثر ريبة بل كانت دماء جنودنا هي من يدفع ثمن مطالبتنا بالتحرر : 8 جنود .. 14 جندي .. عداك عن الاغتيالات الفردية جراء لغم ( بُلّغَ عن عدم وجوده ) . و القائمة لازالت تطول .. لا ندري إن كانت الأسماء التي تضمنتها هذه القائمة قد إختيرت عشوائيا لتكون الغاية الوحيدة من التضحية بهم هو إيجاد الهوة بين أبناء هذا الشعب و القوة الحامية له  (أبنائه من الجيش) أو أنّ الأمر قد تعلق أيضا بتصفيات شخصية و مصلحية قُدّمت هدية لفزاعة ارهاب  تصنعه الدولة أو تتستر عليه .. حيث أن ارهابا يسير في خطّ مواز للمسار السياسي , يظهر كلما استعصى على الحكومة أو على المعارضة تمرير أحد القرارات و يختفي عند نهاية مهمته لا يمكن أن يكون إلا ارهابا تصنعه هذه الدولة ( كما في دولِ العالم أجمع ) أو تتستر على مبتدعيه بالتغاضي عن الأسلحة العابرة للحدود و التغافل عن دعوات الكشف عن المخابرات الجزائرية و الغربيّة التي ترتع في البلاد , و هاهنا يكون الإرهاب أحد الأثمان التي يدفعها هذا الشعب لقاء ثورته , بأن يكون أمنه على المحك طوال الوقت و أن يشوَّهَ في نظره بديل النظام الإسلامي كخيار مطروح بقوة عالميا و تتكتل كلّ الجهود الغربيّة لتغريبه كبديل اقتصادي و تعليمي و سياسي قد يطيح بالنظام العالمي الرأسمالي .
و من غير الوارد أن نتطرق إلى موضوع إرهاب العِباد و ننسى الدور الجبار الذي قامت به وسائل الإعلام , بشقيّها البنفسجي و الأزرق , من تجهيل للعباد و تنفير للتونسي من متابعة الشأن العام .. شأنه .. ب”بلاتوهات” سياسية أشبه ب”رحبة الحيّ ” منها  بلقاء سياسي يطرح خلالها كل طرف سياسي بديله و يحاجج عنه , مع الجهود الجبارة التي وظّفَت لتكريس فكرة الارهاب و انعدام الامن و فرض الدستور المنبوذ  إضافة إلى التخويف من تجارب جعلها البعض “فزاعة ثورة” من خلال الترهيب من النموذج المصري أو السوري أو الليبي أو غيرها
حقيقةُ الأمر أنّنا كجزء من هذه الأمة قد تحرك معظمنا احتجاجا على ظروف العيش اللاإنسانية , على كرامتنا المهانة , على الفقر على البطالة و على غيرها من تجليات فساد النظام , فكان ردّ “النظام ” الردعي بعد هذا الحراك أن انتهك الكرامة أضعافا مضاعفة و أن بلغت نسبة البطالة لهذه السنة 15بالمئة بعد أن كانت 13 بالمائة على أيام الثورة
و أنْ تضاعفت الأسعار و أنْ أصبحت الدولة تقتطع من رواتبنا بدل تعويضنا عن سنين الفقر و التهميش بل و تقطع المواد الاساسية عن الأسواق و تتغافل عن احتكار غيرها و … ” خلي يقولوا نعملوا ثورة ”
قرار عقاب جماعي أصدره “النظام” و نفذته الأطراف السياسية المنخرطة في هذه المنظومة و دعمته بالتصويت ضدّ اقصاء أزلام النظام السابق الذي اعتبر هذا الشعب مجرد حلّ حزبه أحد أهم مكاسب الثورة التي يعاقب عليها اليوم بل و يقوم البعض بتزكية بعض وزراء النظام البائد و التوافق مع أزلامه , ناهيك عن امكانية دعم بعضهم لاحتلال منصب رئاسة دولة شعب أراد يوما تحررا
.. تحدثت طويلا عن “النظام” و كنت أراوح بين مرحلة ما قبل بن عليّ و ما بعده , لا خطأ في البلاغة , بل إيمانا مني أن 3 سنوات ما بعد الثورة كانوا استمرارا لنظام بن علي حيث أني لم أجد , و لا أظن أحد من التونسيين و من غيرهم يجد فرقا في هيكلة نظام ما بعد و ما قبل الثورة , في دستوره .. في عقيدة النظام و فلسفة قانونه .. في تطبيقه .. و لا أظنّ أحد سيجد .
و هاهنا لا اتهم الاطراف “ذات الخلفية الإسلامية” أو غيرها بخيانة الأمة حين نفخت في هذا “النظام” الروح بانظمامها إليه , و لكننا كذلك لا نبرّئها من المسؤولية .. فكما أن قتل رجل مسلم خطأ لسوء فهم للإسلام لم يبرّء تنظيم الدولة في العراق فكذلك انضمامهم إلى نظام البؤس هذا بغاية الإصلاح لا يبرء أنهم صاروا جزء من هذا النظام بل والعصا التي يضربنا بها الجلاد
و الجلاد هاهنا هو اطراف غربية تحكم العالم و تطمع ان تحكمه على الدوام و تكالبت علينا ايام الثورة و لازالت ” تساند” , “تندّد” , “تنصح”, ” تدعم المسار الديمقراطي” , و الحقيقة أنها ترعى مصالحها في المنطقة و تسعى لضمان أن تونس و جيرانها ( الدجاجة التي تبيض لهم ذهبا) ستبقى تحت سلطانهم لا سلطان شعبها .
في النهاية أقول أن شعبنا اليوم يقع في نقطة تجاذب بين طرفين كلّ يجدب إليه بما أوتي من قوة , طرف يريد أن يُدفّعه ثمن ثورته فيرغمه على تنكيس راسه دون رجعة لسنوات لا ندري عددها , و طرف ثان تمثل في مجمله في حزب التحرير ككيانِ حزب و في أفراد آخرين كثُر مستقلين آمنوا أن هذا الشعب ليس ” مُؤجرا” لدى الدولة بل بيده وحده السلطان , هو من يقرر من يحكمه و كيف يحكمه وهو من يعطي الشرعية لدستور دون غيره و لمسار دون غيره و ان القانون إنما جُعل لرعاية شؤونه هو انطلاقا من عقيدته ووجهة نظره في الحياة , فدعى هذا الطرف لارجاع حق الاختيار للأمة عن طريق استفتاء أو مناظرة جماهيرية بين البدائل السياسية المطروحة أو عبر أية وسيلة يكون فيها الشعب الطرف المغير لا الطرف المسكوت عن رأيه و صوته ( و هذه لعمري فلسفة كاملة لا يفهمها أدعياء العبودية لصاحب راس المال )
وحده الوعي بين صفوف هذا الشعب سيقرّر شكل المرحلة القادمة : أ انصياعٌ لعصا الجلاد المرفوعة و لارهاب التحرر الذي يطبق عليهم ( على أنّ الجلاد العالمي لن يصمد طويلا شئنا أم أبينا ) أم سيقرر تسليم ثقته في الطرف الثاني ليواصل قرار تحرّره نهائيا و إلى الأبد فيُغير لا شكل تونس كجزء صغير من الأمة فحسب .. بل خارطة العالم نحو غد أفضل .

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: