الشوق إلى غزة .. (مقال. الدكتور المنصف المرزوقي)

الزمان: الساعة التاسعة من صباح الخميس (26/6/2015)، والمكان: ميناء صغير جنوب جزيرة كريت في اليونان. سفينة ماريان السويدية موجودة في المياه الدولية تنتظر منذ يومين وعلى متنها ناشطون من بلدان مختلفة. التحاقنا بها أنا وباسل الغطاس النائب الفلسطيني العربي في الكنيست الاسرائيلي وطاقم الجزيرة.

لماذا لم تدخل الميناء؟ لأن قائدها لا يثق في السلطات اليونانية التي عطلت رحيل الأسطول الثاني سنة 2012 وقبلها عطلت “اسرائيل” الأسطول الأول سنة 2010 لما هاجمته في عرض البحر وكانت المجزرة الشهيرة التي راح ضحيتها عشرة شهداء أتراك.

الساعة الواحدة بعد الظهر: الأمر بجمع أغراضنا والالتحاق بالزورق الصغير الذي سيأخذنا للسفينة. فرحة لن تدوم ونحن مطالبون بالنزول منه بعد ظهور مفاجئ للشرطة. بداهة ثمة قوى سياسية تريد منعنا من الإبحار وأخرى لا تمانع. لمن ستكون الغلبة؟ السؤال أيضا هل ستتمكن السفن الثلاث الأخرى الموجودة في الموانئ اليونانية من اللحاق بنا كما هو مبرمج؟ لا شيء في الأفق غير انتظار ممل يتزايد ضغطه على الأعصاب ساعة بعد ساعة.

انطلاق
الجمعة (27/6/2015) الساعة الواحدة صباحا: أخيرا يأتي الضوء الأخضر. نسارع لزورق الصيد نرمي فيه أمتعتنا القليلة. بعد ساعة من الإبحار تحت جنح الظلام تتضح معالم السفينة الصغيرة. عند الاقتراب منها يرمى لنا بسلم من الحبال. ماذا لو زلت بي القدم وسقطت في البحر وأنا بهذا الإرهاق؟ الحمد لله، أخيرا على متن سفينة تنتظرنا بفارغ الصبر منذ أيام وهدد قائدها أكثر من مرة بالرحيل دوننا إذا تواصل الأخذ والرد بين اليونانيين.

رحلة
نعتقد أننا نسافر وكل ما نفعله نقلُ أجسادنا من مكان لآخر، نشتكي من الأكل في الطائرة ومن تأخرها في الوصول نصف ساعة، ها هي تجربة الرحلة كما عرفها الأوائل وكما يعرفها الذين يسافرون حقا: انطلاق صعب، طريق محفوف بالأخطار، وصول غير مضمون والمفاجأة في كل منعطف. يا لي من محظوظ أنا الذي لم أكف عن التنقل أن أعرف أخيرا طعم رحلة حقيقية.

بحر
في إحدى قصائده الشهيرة يقول شاعر الهايكو الياباني ميشي:
قلبي متيم بهذا العالم، في أي عالم آخر سأرى مثل هذه الزهور. نعم أنا أيضا قلبي متيم بهذا العالم، في أي عالم آخر سأرى مثل هذا البحر! خاصة لحظة رحيل الشمس وكأن يدا خفية أضرمت النار في الأفق.. خاصة لحظة مجيء القمر وكأن يدا خفية سكبت على صفحة الماء الداكن نهرا من النور.. المشكلة أنه لكل ثمين ثمن وما أبهظ الذي تدفع مقابل لحظات الانبهار أمام جمال وجلال هذا البحر. من يقدر نعمة الله علينا ونحن نمشي على أرض صلبة لا تصعد ولا تغور. احمدوا ربكم أنه لم يوجد لكم شيئا اسمه دوار البر.

أجواء
يوما الجمعة 27 والسبت 28 كان المشهد: ضيق المكان، انقطاع الأخبار، الدوار اللعين، غياب الشهية ورداءة الأكل، صعوبة النوم وحتى استحالته، تمارين المقاومة السلمية عند اجتياح الباخرة وتعليمات النجاة في حالة غرق السفينة وتأثير كل هذا على المعنويات.. إن كان هذا حالنا كيف حال المساكين المتكدسين في زوارق الموت التي تحاول العبور إلى ضفاف أوروبا؟ كان الله في عونهم وقد حكمت عليهم الأقدار أن يعرفوا أهوال البحر بعد أن شبعوا من أهوال البر.

صحافيون
كانت ستكون رحلة عمياء صماء لولا مبعوثا الجزيرة الصحفي المغربي محمد البقالي والمنتج والمصور الفلسطيني عمار الحمدان. ثمة أيضا الصحفي الإسرائيلي مبعوث القناة الثانية الذي أحسن المنظمون بقبوله على متن السفينة: أوهاد حمو. صورة لن تنمحي من الذاكرة حين كان هذا الرجل يعين عمار الحمدان على تصويب الكاميرا بينما البحر في صعود وهبوط، وعمار الحمدان يعينه على حل مشاكله مع جهاز التقاط إشارة القمر الصناعي.

كنت أنظر إليهما بإشفاق وتعجب وهما يصارعان دوار البحر وخبث التكنولوجيا، فرقت بينهما خيارات سياسية على طرفي نقيض ووحدت بينهما الزمالة المهنية.

صحون
منذ البداية أعلمنا القبطان ألا أحد هنا يخدم عند الآخرين وأنه لا مكان هنا لركاب من درجة أولى. طبيعي أن تكون المساواة مبدأ وممارسة على ظهر سفينة شعب عريق في الديمقراطية. كل صباح كان علي أن أنظر لقائمة توزيع المسؤوليات، ويوم السبت جاء دوري لغسل صحون الغداء.

المشكلة في محمد البقالي الذي كان يريد غسلها مكاني وكأنه استفظع أن يغسل رجل مثلي صحون عشرين شخصا. رجل جد لطيف لكنه كان يجهل الكثير عن علاقتي بالصحون المتسخة وبالعمل المنزلي عموما.

ما اكتشفته بسرعة سنوات الإقامة شبه الجبرية في بيتي إبان الاستبداد، هو المفعول المهدئ للأعصاب للعمل اليدوي، وأن الأفكار تأتي بيسر وأنت تقص الأعشاب في الحديقة أو تغسل هذه الصحون التي يتأفف الرجال من غسلها. عادة لم تفارقني حتى وأنا في الرئاسة، حيث كنت مصرا أنا وزوجتي على “الفرار” كل نهاية أسبوع إلى بيتنا في سوسة حيث لا “خدم” ولا “حشم”.

في مطبخنا الصغير كنا نطبخ ونغسل الصحون معا وهي تلخص لي آخر ما قرأت في مجلاتنا الطبية التي لم يعد لي الوقت لقراءتها. شكرا لك يا محمد على لطفك لكن ليس من العار على رئيس سابق أن يغسل الصحون في باخرة مناضلين متوجهين لإعلان حبهم لغزة بل كان ذلك شرفا لا يضاهيه شرف.

غزة
المكلف بتدريبنا على لبس سترات النجاة والمقاومة السلمية عند اقتحام السفينة أستاذ جامعي كندي سألته كما سألت الآخرين عن سبب وجوده هنا. قال أنا من سلالة السكان الأصليين الذين يسموننا الهنود الحمر وبالنسبة لي غزة هي أكبر محمية اليوم للسكان الأصليين، لذلك جئت تضامنا.

لا يا عزيزي. غزة وإن أصبحت ركاما وخرابا.. وإن حاصرها العدو والصديق، وإن عطشت وتضورت جوعا.. وإن تقيحت جروحها.. وإن، وإن، وإن.. غزة لم ولن تصبح يوما محمية تعيش فيها قبيلة مهزومة تنتحر ببطء. غزتنا تنبض برفض الاستسلام للقوة الفظة، بالصمود أمام الشدائد، بالشرف الأثيل، بالأمل الذي لا يخبو بريقه مهما كان الظلام حالكا. غزة أجمل صورة للحياة وهي تقاوم الموت وتهزمه. لهذا شددت الرحال إليها علني أزداد قوة بقوتها علها تفيض علي بشيء من روحها.

خوف
النصيحة التي مدّني بها البحارة السويديون عندما يتفاقم الدوار التحديق في خط الأفق. نجاح متواضع. فجأة يجلس بجانبي الصحفي الإسرائيلي أوهاد حمو يغالب هو الآخر غثيانه.

دون مقدمات يقول لي الرجل الذي يتكلم العربية بطلاقة: يا دكتور أنت لا تفهم إسرائيل وعقلية شعبها. أبي من المغرب وأمي عراقية. هذه المرأة الطاعنة في السن تعيش رعبا متواصلا من وصول الإرهابيين وذبحها في فراشها. هي ليست حالة شاذة. هل تعلم أي أخبار على قائمة اهتمامات مشاهدينا؟ كل ما يتعلق بداعش. أنتم العرب لا تقدرون أهمية الخوف في العقلية الإسرائيلية ودوره في كل السياسات التي تمارسها الحكومات المتعاقبة.

سبحان الله: هل يعلم الرجل درجة الرعب التي يبثها جيشه في أطفال الفلسطينيين منذ ستة عقود. وتبقى المفارقة اللعينة والحلقة المفرغة التي يدور فيها الجميع: الكل خائف ومخوف ولا أحد قادر على التغلب على خوف يدفع بهذا وذاك إلى تصرفات لا نتيجة لها إلا مزيد من الخوف.

متى سيأتي اليوم الذي سترقد فيه اليهودية العجوز مطمئنة على أنه لا أحد سيذبحها في نومها وترقد فيه الفلسطينية العجوز مطمئنة وهي تعلم أن ابنها الذي خرج ليسهر سيعود سالما وإن تأخر كعادته.

أعصاب
ثلاثة أيام بأكملها ولا شيء غير هذا البحر الغطمطم وتصاعد صعوبات الحياة اليومية ببداية نفاد الماء والمؤونة. انتظار ضاغط على الأعصاب وكل الأخبار التي كان طاقم الجزيرة يتلقاها عبر هاتف الثريا تؤكد عزم الإسرائيليين على التصدي لنا بالقوة. الأخبار عن السفن الثلاث الأخرى سيئة. واحدة أعطبت بفعل فاعل، وسفينتان أبحرتا لكنهما لن تحاولا كما كان ذلك مقررا مواجهة الإسرائيليين إذا رفضوا مرورنا.

قرصنة
الأحد 29.. يوم كل الأخطار وإن كنا على أكثر من مائتي ميل من الشواطئ المصرية. عند حلول الليل يداهمني الحدس أن ساعة الحسم قربت فأقرر النوم بكامل ملابسي وبحذائي. في الساعة الواحدة والربع من صباح الاثنين تدوي صفارة الإنذار. نهرع جميعا كما تمرّنا لصناديق سترات النجاة ثم نحتل الأمكنة المحددة لنا.

فجأة نكتشف زورقين حربيين بجانب السفينة يسلطان الأضواء علينا. دهشة كبرى وأنا أسمع قبطان السفينة الإسرائيلية يتوجه لي بالكلام عبر مكبر للصوت وبلغة عربية سليمة بلكنة سورية: أستاذ مرزوقي في البداية تعازينا للاعتداء الإرهابي الذي وقع في بلدك يوم الجمعة لكن كيف تأتي لدعم الإرهابيين هنا وتحاربهم هناك؟

أفضل عدم الرد. يواصل الرجل: أنت والأستاذ غطاس تستطيعان الإبحار معنا لضمان سلامتكما وسرعة الوصول إلى أسدود. نيابة عني يجيب باسل غطاس بالرفض، فنحن أعلم الناس بأن وجودنا ووجود طاقم الجزيرة أحسن ضمان لبقية المشاركين.

يبدأ بعدها العسكري الإسرائيلي بمطالبة القبطان السويدي بتسليم الباخرة فيرفض هذا الأخير وكان قد قال لي مازحا: هذه أرض سويدية وسأطالب أي إسرائيلي يريد وضع قدمه عليها بإظهار فيزا صالحة. ساعتان من النقاش والتهديد، وأمام تواصل الرفض بدأ الهجوم.

بالمناسبة تحية إكبار لحرفية وشجاعة وتفاني الطاقم السويدي. جلهم بحارة محترفون تركوا أعمالهم وتطوعوا لقضية إنسانية شأنهم في هذا شأن نائبة البرلمان الأوروبي الإسبانية أو الصحفية الروسية أو الناشطة النيوزيلندية. بشر من كل الديانات والجنسيات خاطروا بحياتهم وراحتهم من أجل قضية ومبدأ. وبعد هذا تجد من يعلن يأسه من البشر؟

في مشهد سينمائي تعج السفينة الصغيرة فجأة بجنود ملثمين مدججين بالسلاح يصوبونه نحونا. يتصاعد صراخ من قمرة القيادة والجنود يطلقون بمسدسات خاصة الصعقات الكهربائية على الطاقم السويدي، علما بأنه لم يكن أي واحد منهم مسلحا. ما هي إلا عشر دقائق قبل أن يرمى بأفراده مقيدين بيننا وكنا جالسين بهدوء في مقدمة الباخرة كما أمرنا بذلك.

بجانبي الآن القبطان السويدي الذي أعطب السفينة لكي لا تسقط لقمة سائغة في أيدي القراصنة. كان يردد قناعاتنا جميعا: هذه الباخرة أرض سويدية ونحن في المياه الدولية وهؤلاء الناس لا حق لهم في اعتراضنا، إنها وجهة نظر المؤمن بقوة الشرعية في مواجهة أناس لم يؤمنوا يوما إلا بشرعية القوة.
ساعات طويلة ثقيلة قبل أن يتمكن الإسرائيليون من تشغيل السفينة من جديد، بيد أن السؤال الآن هو كيف سنتحمل اليوم الأخير وقد اكتظت الباخرة ولم يعد في الإمكان النوم حتى جلوسا.

شاورمة، حمص، لبنة
الأحد الساعة السادسة مساء، بدأت ملامح الشاطئ تتضح والسفينة الأسيرة تقترب شيئا فشيئا من السجن الكبير الذي تجر إليه جرا. فخلافا للركاب الذين سيرحلون، هي ستبقى إلى الأبد بين أيدي مختطفيها.

يقف بجانبي السيد درور وأنا أتأمل تبلور مدن مبهمة: ها هو يشرح لي جغرافيا المكان: أمامك اشكلون، على اليسار أسدود وفي الطرف الآخر توجد غزة لكن لا يمكن رؤيتها من هنا.

هذا الرجل أطرف وأظرف وأغرب المشاركين: إسرائيلي المولد، خدم في الجيش شابا، تخلى عن جنسيته الإسرائيلية وترك البلد مهاجرا للسويد لأنه لم يتحمل الظلم الذي كان يمارسه شعبه على شعب آخر. ومنذ ذلك القرار وهو نصير القضية الفلسطينية والعقل المدبر لأسطول الحرية. الرجل موسيقي تذهل وأنت تسمعه يعزف أنت عمري لأم كلثوم على ساكسفون الجاز حوله لآلة موسيقية شرقية.

أنا وهو واقفان جنبا لجنب والرجل لا يعلم أنني مشفق عليه لأنه الوحيد المعرض للتنكيل. هذه رحلة التحدي الثالثة وكما قال لي لن يتوقف إلا يوم تطأ قدماه أرض غزة. كم لنا من أغبياء يصرون على الخلط بين اليهود والصهاينة؟

فجأة يصرخ درور متوجها للشاطئ البعيد لا تعرف هل يمزح أم يداري عبرة تخنقه: شاورمة، حمص، لبني، كنافة. صرخة حب للوطن اختزل في الأساسي والمكون الأصلي أرض الطعام الأول، طعم الأرض الأولى. الأرض الأم، الأرض المغذية.

يعود الرجل للصراخ مجددا وكأنه يستغيث أو يبتهل: شاورمة، حمص، لبني، كنافة. ثم يصمت وكأن شيئا بداخله يبكي.

على فكرة، كل هذه الأطعمة فلسطينية لكن الإسرائيليين استولوا عليها وكأنهم عبر امتلاكها يتجذرون في أرض لا تزال تميد تحت أقدامهم. على الأقل قاسم مشترك بين الشعبين المتحاربين. وحّد البطن ما فرقه القلب والعقل.

أبوان
الأحد التاسعة مساء. وصول السفينة الأسيرة إلى ميناء أسدود. أولى خطواتي على أرض لم أكن أتصور أنني سأطؤها يوما وفي هذه الظروف الغريبة، فضباط الجيش الإسرائيلي المحيطون بي يعاملوني بمنتهى الاحترام منهم طبيب جاء ليطمئن على صحتي وعرض خدماته في حالة ما.

في قاعة صغيرة وحول منضدة تراكمت عليها الفواكه والحلويات يقدم لي أكبر الضباط نفسه: الجنرال موردخاي المكلف بقطاع غزة. خطاب مؤدب حول جهلي بالمعطيات الحقيقية للوضع في غزة وكيف أن إسرائيل تمد بكرمها المعروف القطاع بالماء والكهرباء والطعام رغم إطلاق الإرهابيين للصواريخ. رد مؤدب أن لأهل غزة الحق في التنقل والأمان والتواصل مع العالم الخارجي إلخ.

نقاش عبثي كالذي يدور بين العرب والإسرائيليين منذ “استقلالهم” ونكبتنا.. نقاش شبيه بخطين متوازيين لا يلتقيان أبدا. لسبب ما يغير الجنرال الموضوع. سألني الرجل: أنت طبيب، ما اختصاصك؟ قلت: قبل أن أنتقل للطب الاجتماعي كنت متخصصا في طب الأعصاب وتحديدا في مرض الصرع. لحظة من التردد ثم قال: ابنتي مصابة بالارتعاش العضلي الحاد. يتبخر السياسي والحقوقي لا يبقى إلا الطبيب. أسأله هل نجح دواء الديباكين في السيطرة على النوبات؟ قال: كلا، لكننا نجرب الومضات الكهربائية.

غلالة عابرة من الأسى في رد الرجل. من يفهم أحسن مني ما يعنيه له مرض البنت ومشاكل العلاج وقد مرضت لي بنت فكاد أن يذهب عقلي. من لا يعرف حب الآباء لبناتهم الذي لا يضاهيه إلا حب البنات لآبائهم، ومن أقدر على التعاطف مع أب مر بأفظع التجارب إلا أب مر بنفس التجربة؟ فجأة يلتقي الخطان المتوازيان في خرق واضح لقوانين الهندسة التقليدية والسياسية.

ثم يغلق القوس بالسرعة التي برز فيها ويعود كل واحد لدوره، هو لصهيونيته وأنا لعروبتي ويعود الخطان لمسارهما حيث لا يلتقيان أبدا مهما اقتربا.

إشاعة
سألني الجنرال: أتريد أن نرحلك إلى الأردن. قلت زوجتي مبرمجة لعملية جراحية في باريس. قال ليكن، صاحبتك السلامة وتفضل بزيارتنا متى تشاء.

من الغد خرجت في تونس غرفة العمليات المكلفة منذ ثلاث سنوات ببث الأكاذيب بطرفة جديدة مفادها أنني رحلت إلى “بلدي” بعد أن أظهرت للإسرائيليين جواز سفري الفرنسي.. والحال أنني لم أملك في حياتي إلا جوازا تونسيا. آه من الخبثاء الذين يبثون الإشاعات، وآه وألف آه من الأغبياء الذين يصدقونها.

كابوس وحلم
الاثنين الواحدة صباحا. قاعة الانتظار في مطار تل أبيب. ما زال أمامي ست ساعات قبل إقلاع الطائرة إلى باريس. فجأة تداهمني صورة شخص يخرج برشاشه من صفوف المنتظرين.. شخص من طينة المتطرف اليهودي الذي أطلق وابلا من الرصاص على المصلين في الحرم الإبراهيمي.. من طينة العنصري الأبيض الذي أطلق وابلا من الرصاص على المصلين في كنيسة للسود، من طينة المجنون الذي أطلق وابلا من الرصاص على سياح أجانب منذ أيام على مئات الأمتار من منزلي.

تصورت صراخ العائلة العربية التي تتحدث بصوت عال ورائي.. صراخ الأطفال اليهود الذين يجرون حول الطاولات.. صراخ المرأة المقعدة على كرسيها المتحرك.. وبرك من الدم المتخثر منها دمي.

أطلق الصور البشعة لأركز على أفكاري بشأن قضية تجندت لها طوال حياتي.
بوصفي سياسيا كان موقفي ولا يزال الدعم غير المشروط للقضية الفلسطينية وخاصة لرفع الحصار عن غزة، وعدم الدخول في الصراع الداخلي بين الفلسطينيين، وحثهم بما أمكن على توحيد الصفوف، والقبول بما يقبلون به كحل نهائي أعجبني أم لم يعجبني، حيث لا حق لعربي أن يزايد على أبناء القضية أو أن يتاجر بها.

بوصفي حقوقيا ومفكرا وإنسانا قناعاتي أكثر من أي وقت مضى:
1- أن الخطاب القومي العربي انتهي لطريق مسدود حيث لا مجال لرمي اليهود إلى البحر إلا بتكلفة حرب نووية لن تقضي فقط على الشعبين المتخاصمين وإنما على كل شعوب المنطقة.

2- أن الخطاب القومي اليهودي انتهى لطريق مسدود حيث لا مجال لرمي الفلسطينيين إلى ما وراء النهر إلا بثمن حرب استنزاف متواصلة تعيدنا عاجلا أو آجلا لسيناريو حرب الفناء للجميع.

3- أن حل الدولتين يتباعد يوما بعد يوم نتيجة جشع اليمين الإسرائيلي وغبائه، إذ هو يريد دولة يهودية ويمنع قيامها باستيطان مزق أوصال أي قاعدة لدولة فلسطينية قابلة للحياة. ومن ثم تزايد الاختلاط والاحتكاك وفي يوم ما استحالة فك الارتباط بين شعبين كالتوأم السيامي المشدوديْن لبعضهما بعضا بعظم الصدر.

4- أننا في المرحلة التي مرت بها جنوب أفريقيا العنصرية من تكوين البنتوستانات، وكما فشلت هذه السياسة هناك وفي ذلك الزمان ستفشل هنا الآن ومستقبلا. وفي الأثناء كم من بشر ستدمر حياتهم، كم من آلام عبثية، كم من وقت ضائع وطاقات مهدرة؟!

5- أن الحل الوحيد هو الدولة المدنية الديمقراطية للجميع على شاكلة التي خلقها مانديلا موفرا على الشعبين تراجيديات فردية وجماعية لا عد لها ولا حصر.

المشكلة أين هو مانديلا الذي سيقلب الكابوس إلى حلم؟ مروان البرغوثي المحكوم بعشرين مؤبدا؟ لكننا بحاجة أيضا إلى مانديلا إسرائيلي، ترى هل هناك أم يهودية بصدد تربيته للمهمة العظمى؟ لكن التاريخ لا يكرر نفسه.

ربما الحل لا يكمن في شخص وإنما في تيار مانديلي، في رؤية مانديلية تنتصر على الرؤى المجنونة التي تغذي حربا لا تريد أن تنتهي، في حزب مانديلي عربي عبري يفوز بالانتخابات ديمقراطيا ويبني دولة للجميع وسلاما عادلا ومستقبلا آمنا للأجيال المقبلة.

يا رب، أنت الذي جعلت من الألمان والفرنسيين، من اليابانيين والكوريين، من البيض والسود في جنوب أفريقيا أصدقاء وحلفاء ومواطني نفس الدولة بعد عقود من الحقد وملايين الموتى، يا رب جدد معجزتك إنك على كل شيء قدير.

إمعان
خرجت من تونس في جنح الظلام ولا مرافق لي سوى مدير مكتبي وكنت أخطط للرجوع بنفس الكيفية. لكنني وجدت عند نزولي من الطائرة في باريس وتونس عددا كبيرا من المواطنين هبوا لاستقبالي مشكورين والسؤال الأكثر ترديدا: هل ستساهم في أسطول الحرية الرابع؟ الرد: بالنفي القاطع لا لخوف من متاعب ومخاطر جديدة، فهذه أمور مقدور عليها، وإنما للحفاظ على رمزية العملية.

هي لا تكون إلا عندما لا تلحقها أدنى شبهة تشخيص أو تسييس. أسطول الحرية مبادرة في خدمة قضية ولا مكان فيها لمن يريدون شهرة أو استغلالا سياسيا. ما أنا ملتزم به هو المشاركة النشطة في إعداد الباخرة المغاربية التي ستبحر من تونس وعلى متنها -كما أتمنى- ثلة من الناشطين الحقوقيين من كل الأديان والجنسيات لا دافع لهم إلا إعلاء المبادئ والقيم على القوة الفضة.. نساء ورجال شعارهم الذي وضعته دوما نصب عيني: “من السذاجة محاولة تغيير العالم ومن الإجرام عدم المحاولة”.. نساء ورجال ممعنون في التمسك بإنسانيتهم في عالم يتجه يوما بعد يوم إلى بربرية تقشعر من هولها الأبدان.

حصيلة
حقا لم نكسر الحصار لكن هناك نجاحات متواضعة: إعادة تسليط الضوء على قضية يراد لها النسيان، رسالة محبة وتضامن للمحاصرين، توسع دائرة المتضامنين مع غزة وكلهم بشر يجمعهم الإيمان بحقوق الإنسان بغض النظر عن أي اعتبار سياسي أو ديني، فضح عجرفة السلطات الإسرائيلية مرة أخرى واستهتارها بالقانون الدولي وبحقوق الإنسان.. وبالنسبة لي سلامة كل المشاركين. حتى مصور الجزيرة عمار الحمدان الذي أقلقني مصيره خرج سالما وأعتقد أنه خرج مثلنا جميعا من هذه الأزمة: أقوى وأصلب عودا.وبارك الله في الشدائد فهي خير المدارس.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: