ij

انتخاب المرزوقي فريضة وطنية عظمى (بقلم: الشيخ الهادي بريك)

أحرج سؤال يطرحه التونسي على نفسه هو : إذا كنت تصدق أن ثورة كللت عقودا طويلة من المقاومة ضد القهر والنهب في تونس فكيف لك أن تصدق أن تلك الثورة إنقلبت على نفسها أو إنقلب عليها أهلها ـ أو إنقلب عليها أي منقلب آخر ـ في غضون ثلاث سنوات فحسب؟ ذلك يعني إحتمالين لا ثالث لهما : إما أن نصدق أن ثورة صبحتنا في الأسابيع الأخيرة من 2010 وهذا التصديق يصطدم بقوة وعنف مع نجاح أعدائها في وأدها بتلك السرعة القياسية وبالسلاح الذي لا يقاوم أي السلاح الديمقراطي وإما ألا نصدق تلك الكذبة الصغيرة حتى لو كانت مريحة تبعث الطمأنينة وتذكي الأمل. أما الذي لا يستوعبه عقل إمرئ البتة فهو أن نصدق أن ثورة كللت مقاومة عقود طويلة وسرعان ما إنقلب عليها الشعب ذاته الذي فجرها. العقل الذي يصدق ذلك ما عليه إلا أن يصدق أن الشيء موجود وغير موجود في الآن نفسه.
أما الآن وقد منينا ـ نحن التونسيون ـ بهزيمة إنتخابية قاسية حملت إلينا الأسطول الحزبي القديم برجاله لحما ودما ممن ظلوا محل مقاومة طويلة بدأت مع المرحوم الثعالبي في قصر هلال يوم 2 مارس 1934 ومرت بمحطات ضارية منها على سبيل الذكر لا الحصر معركة بورقيبة مع المرحوم محمد صالح النيفر حول هوية الدستور ـ دستور 59 ـ ومنها كذلك معركته مع اليوسفيين وإغتيال الرمز الوطني بن يوسف ( 61 ) ثم معركة التأسيس التي شيدها على أنقاض جثث اليوسفيين والزيتونيين ( الشيخ العكرمي مثالا متقدما ثم الشيخ خليف مثالا متأخرا ) ثم معركته مع الشيوعيين ( 68) ثم مع الخيار الإشتراكي بزعامة بن صالح ثم مع الليبراليين ” المنشقين ” عن مؤتمر صفاقس 75 ثم مع النقابيين والرمز الكبير بن عاشور عليه الرحمة ثم مع الإسلاميين الذين تفرغ لهم في العشرية الأخيرة من عمره السياسي .. ثم نجح المجتمع الدولي النافذ في إنقاذ بورقيبة من بورقيبة كما قيل يومها وجيئ بعميل المخابرات في سفارة بولونيا وهو يعد من لدنهم منذ أواسط الثمانينات ( وجب الآن علينا تبديل صفته من المخلوع بن علي إلى الرئيس السابق بن علي ) وتجددت عقود أخرى من المقاومات التي بدأت بالإسلاميين ثم سرعان ما إلتحق بالسجون والمنافي كل صاحب صوت حر من كل لون ومشرب. …
أما الآن وقد إنتخبنا نحن التونسيون بسباباتنا المضمخة بالحبر الأسود حزب النكبة القديم برجاله لحما وشحما ودما … أما الآن وقد إخترنا نحن التونسيون أن نضع الثورة بين قوسين أو ما درجنا عليه منذ سنوات أي كذبة أفريل ـ لنسمها كذبة ديسمبر أو كذبة جانفي ـ … أما الآن وقد إخترنا نحن التونسيون أن نحكم بسياسات القهر والسلب والنهب القديمة ودماء الشهداء من فرحات حشاد إلى البوعزيزي لازالت حية في صدور أهلها … الآن وقد إقترفنا الخطيئة الكبرى في غفلة منا جعلت حزبا مثل حزب المؤتمر من أجل الجمهورية ينقسم في غضون ثلاث سنوات فحسب إلى ثلاثة أحزاب مهديا حزب الرئيس السابق أو المتخلي بن علي أغلى هدية كان يبحث عنها في السماء فلم يجدها حتى عثر عليها بين أيدي هذا الحزب الثوري جدا … الآن وقد خرج من النهضة قيادات شيدوا لأنفسهم قوائم تشريعية إمعانا في تشتيت الأصوات وتصدير الصورة القبيحة ( الشيخ الكافي مثالا في القيروان ومراد مثالا ثانيا في الساحل والشعيبي مثالا ثالثا وربما هناك مثال رابع وخامس وسادس ) .. الآن وقد تبين لنا ـ قبل أن يتبين لغيرنا ـ أن رجال بن علي أذكى منا وألم للشمل وأحرص على الثأر .. الآن وقد خسرنا الإنتخابات لأسباب أجدرها بالذكر هنا حرص جزء كبير من القيادات الثورية ( في النهضة وفي حزب المؤتمر وغيرهما ) على إعلاء الإسم الشخصي حتى لو تمزق شمل الثورة وتسلل عدوها إليها. …
الآن وقد غرس رجال بن علي أنيابهم من جديد في جسم الفريسة .. الآن وقد تمكن لهم الأمر في الحكومة بالكامل مع صلاحيات واسعة لرئيس الحكومة .. الآن ونحن نخجل من إستعادة إسطوانة الحكمة التونسية وتلوين الضعف برداء التوافق .. الآن ونحن نخوض الرئاسيات فما علينا سوى أن نتوب من الخطيئة الكبرى أي من التمكين لعصابة النهب والسلب والقهر في القصر الرئاسي بصلاحيات دبلوماسية وخارجية وأمنية وعسكرية واسعة … الآن حانت ساعة التوبة النصوح. ومع ذلك كله ـ والله وحده يعلم لوعتي وحرقتي وحزني وغمي وهمي على عقود طويلات من المقاومة شيد بها الرجال ملحمة الثورة ـ فإني أجمع بين أمرين : أولهما أني أدعو إلى إنتخاب المرزوقي بحرارة ولسبب واحد بسيط معروف إسمه : إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الثورة التي إغتلناها نحن بسباباتنا المضمخة بالحبر الأسود ولن تنقذ الثورة بالكلية أبدا ولكن ربما ينجح المرزوقي في كبح جماح رجال بن علي وفيهم رجال من اليسار المتطرف جدا ـ تقية شيوعية ماركسية قبيحة وذكية في الآن نفسه من لدن بعض أكبر منظري اليسار العربي والتونسي من مثل الأمين العام للتجمع الجديد البكوش وقد خلنا أن التقية بضاعة شيعية ـ ربما ينجح المرزوقي في كبح سياسات النهب والسلب والقهر وقد بدت توعداتها صريحة منذ أيام … أجمع بين دعوتي إلى إنتخاب المرزوقي لعله ينجح في تأجيل الضربة القابلة أما إعدامها بالكلية إلغاء فدون ذلك إرادة دولية نافذة ـ إلا أن يشاء ربك سبحانه شيئا آخر فهو الفعال لما يريد قطعا ـ وبين ظني أن أزيد من 99 بالمائة من اللعبة هي الآن بيد رجال بن علي بسبب نفاذ اليد الحكومية بمقتضى الدستور الجديد وأن مؤسسة الرئاسة المتجهة في خط الثورة ستظل يتيمة إلى حد كبير إلا أن تنشأ ثورات جديدة في مصر خاصة أو إنتصارات أخرى مدوية في غزة العزة أو أشياء من ذلك القبيل سيما أن دولة الإمارات العربية المتحدة بدأت بتجريم عدد كبير جدا من المنظمات الإسلامية المعروفة دوليا وهي ذات طبيعة علمية فقهية معرفية بحثية إجتهادية تجديدية لا شأن لها بالسياسة المباشرة ولا بالأحزاب من باب أولى وأحرى وما خفي سيظهر لاحقا ولكن المجتمع الدولي النافذ وهو مغرور بنجاحه مرة أخرى ضد الأمة العربية أي في إخماد ثوراته .. ذلك المجتمع الدولي النافذ سيواصل حربه ضد الإسلام السياسي وخاصة الخط الإخواني لأنه أذكى منا يخشى الإعتدال والتوازن على مستقبله أما سياسات التكفير بالجملة والتفجير بالجملة ( القاعدة وداعش ) فهي بالونات إختبارية سرعان ما تؤول إلى ما تؤول إليها الكرات الهوائية التي يحتفل بها أطفالنا عشية العيد. الإمارات العربية والعربية السعودية يوفران الضخ المالي الكافي ومراكز التخطيط الأمريكية والأوربية توفر النظرية الفكرية والإستراتيجية الحربية ويقال لنا كما قال شاعرنا وهو يعود منفى جندي من جنود نابليون في مصر : دار لقمان على حالها والقيد باق والطواشي صبيح. أجل. دار لقمان على حالها بعد أن حكم على 5 ثورات عربية كاملة بالسجن النافذ. دار لقمان على حالها بعد أن عاد إلينا بأيدينا ـ تمزقا منا وضعفا ـ رجال بن علي. أما القيد هذه المرة فلن يكون سجنا في الأغلب ومنافي ولكنه تعويق للديمقراطية وتأجيل لها لضمان تواصل النكبة سنوات أخرى طويلة أو ربما عقودا أخرى طويلة. ولكن من هم الطواشي ( الطواشي هو الحارس ). الطواشي هنا هم أهل الحماقات الباردة من مثل حزب التحرير التونسي الذي دعا إلى مقاطعة الإنتخابات فكان مآل فعله القبيح مفسدة أقبح هي عودة التجمع المنحل. أخبرني أكثر من رجل في بعض مدن الجنوب التونسي أن عددا من الحمقى يطوفون في عقب الحملات الإنتخابية التي تطوف على البيوت والمقاهي. أصحاب الحملات الإنتخابية يدعون إلى إنتخاب ممثليهم والحمقى من ورائهم يقولون لهم : الإنتخاب حرام فلا تخرجوا من بيوتكم يوم الأحد. فكان ذلك الأحد هو أحد النكبة أو هو الأحد الأسود. هو أسود من الخميس الأسود 26 جانفي 1978. إن أنسى فلن أنسى كلمة لماركسية حقوقية شهيرة ( سهير بلحسن ) قالتها قبل زهاء ثلاثة عقود مفادها أن تونس لن تحكم إلا بتحالف طرفين من أطراف ثلاثة ضد طرف. الأطراف الثلاثة هي إتحاد الشغل + النهضة + الإدارة العامة أي الدولة. كان الخميس الأسود 26 جانفي 78 تحالفا ناجحا من لدن الدولة ضد الإتحاد الذي إنتهى دوره الإجتماعي والوطني منذ تلك الأيام ليكون في صف الدولة ورأس المال. مع من تحالفت الدولة يومئذ؟ سؤال محرج والإجابة يسيرة. لم تكن النهضة يومئذ قد ولدت ولادة سياسية فكان التحالف بغياب النهضة بالقوة بلسان الفلاسفة. ثم تحالفت الدولة مع إتحاد الشغل من بعد إقصاء بن عاشور وفي عهد الشيوعي المتطرف البكوش فأقصيت النهضة مرات ومرات. أما يوم النكبة الثاني ( الأحد 26 أكتوبر 2014 ) فهو تحالف الإتحاد الذي أضحى في العقدين الأخيرين ضيعة خاصة للماركسيين والشيوعيين المتطرفين وبين الدولة ـ الدولة العميقة الحاكمة فعلا وليس الدولة الشبحية ـ فأقصيت النهضة مجددا بعدما كانت خيار الشعب في إنتخابات 2011. هل من عاقل يأخذ هذه الحكمة من في هذه المرأة الماركسية المتطرفة؟ أليست الحكمة ضالتكم؟ تلك حكمة صحيحة ومازالت صالحة : لا يحكم تونس إلا تحالف بين قوتين ضد القوة الثالثة : إما النهضة وقوى التحرر مع القوى الإجتماعية وما يرمز إليه إتحاد الشغل ضد النظام العميق وهو ممكن في دورة مقبلة ولكن بشروط معروفة لا أرب لنا فيها الآن وإما تحالف تلك القوى الإجتماعية وما يرمز إليه إتحاد الشغل مع الدولة وقد عشنا هذا بما فيه الكفاية وهو ممكن كذلك. ولكن غير الممكن ـ المحرم السياسي ـ هو تحالف النهضة وقوى التحرر مع الدولة العميقة ـ بدء من يوم النكبة الجديد لم تعد الدولة العميقة بل الدولة الحقيقية ـ ضد القوى الإجتماعية وما يرمز إليه إتحاد الشغل.
ذلك هو قولي:
إنتخاب المرزوقي في الدورتين إن شاء الله تعالى فريضة وطنية عظمى لا يتأخر عنها إلا أحمق ولو حماقة بالأيلولة أي الحماقة التي تورث إستيلاء التجمع المنحل مما بقي من المؤسسات في البلاد لطحن الحريات والهوية عندما يحين أجل ذلك فإن تعذر ذلك فلا أدنى من تعويق الديمقراطية وتأجيل إنتخابات 2019 ورهن البلاد لمديونية أثقل فلا يرثها الوارثون إلا وهي محطمة الأوصال مقطعة الأوتاد وعندها نقول : لا ينفع العقار فيما أفسده الدهر.
إنتخاب المرزوقي لا لدحر التجمع المنحل ولكن لتعويق سياساته التي خبرها التونسيون وتلظوا بلظاها. إنتخاب المرزوقي هو إنقاذ لما بقي من الثورة أو من أمل في ثورة جديدة وهي آتية قادمة بحوله سبحانه.
إنتخاب المرزوقي وفاء لنداء الضمير ووفاء لتونس ولهوية تونس ولمشروع التحرر العربي بأسره.
إنتخاب المرزوقي يذكي الأمل في ملحمة جديدة من المقاومة ضد التجمع المنحل العائد. الذين يحلمون بالحريات والديمقراطية والكرامة والسيادة والعدالة في عهد التجمع المنحل العائد من الأكيد أنهم ولدوا قبل الثورة بسنوات قليلات فحسب.
دعونا نتفرغ من جديد لمقاومة جديدة فهو أجدى لنا. دعونا نتكافل على كلمة سواء : إلى ساحات المقاومة المدنية من جديد سياسيا وفكريا وفنيا وإعلاميا وحزبيا وشعبيا.
دعونا نتجهز لذلك وعطاءات العولمة الإعلامية وثورات الإتصال في صفنا بالتأكيد. أما أن نحلم مع الحالمين من الأطفال الصغار .. أما أن نفوت في تونس وقيمها العظمى لرجال بن علي .. أما أن نجثو على ركبنا في وجه إعصار خليجي إسرائيلي اوروبي أمريكي قادم لا محالة .. ليس ذلك من شيم رجال المقاومة ونسائها..

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: