الشيخ عبد الحق إسحاقوف ..نحافظ على هويتنا من الذوبان

لعل الكثير لم يسمع بجمهورية مردوفيا, إحدى الكيانات الاتحادية النائية التابعة لروسيا الإتحادية, وكغيرها من الجمهوريات الروسية ذات الأقلية المسلمة, يناضل المسلمون فيها للحفاظ على هويتهم الإسلامية وحماية أجيالهم من الذوبان في تلك المجتمعات وتطبيق شعائرهم الدينية بحرية, والقيام بواجب الدعوة إلى الله.

 

وقد كان لـ” المسلم” لقاء مع مدير المركز الإسلامي في “سارنسك” عاصمة جمهورية مردوفيا, عبد الحق إسحاقوف لدى زيارته الرياض, فكان هذا الحوار الذي سلط فيه الشيخ إسحاقوف الضوء على أوضاع المسلمين في الجمهورية وما يواجهونه من تحديات.

 

لو تُحدثنا بداية وبلمحة يسيرة عن جمهورية موردوفيا
جمهورية موردوفيا تقع في جنوب شرق العاصمة الروسية موسكو, وهي تابعة لحكم روسيا الاتحادية ومعروف أن روسيا مقسمة لجمهوريات وولايات, وهي إحدى جمهورياتها وفيها مدن وقرى تابعة لها, عاصمتها سرانسك وعدد سكانها قرابة أربعمائة ألف نسمة, وعدد السكان المسلمين فيها قرابة خمسين ألفاً, وتقل نسبة المسلمين إذا ابتعدنا عن العاصمة, فلا تتعدى نسبتهم من  4 – 5 في المائة وبالنظر إلى نسبة المسلمين في كافة الجمهورية فنسبتهم قرابة 5 – 6 %  فنحن نعتبر أقلية.

 

أنتم الآن تتبعون سياسياً لروسيا الاتحادية أم أنكم مستقلون عنها ؟
لا يوجد أي استقلال, الجمهورية تقع في وسط روسيا وهي تابعة لها, لكن لهم قومية خاصة بهم فهم يسمون “مادواه”  وأصلهم من فنلندا لذلك سميت هذه الجمهورية باسم مردوسيا وتبعد عن موسكو ثمان مائة كيلو.

وكيف تصف أوضاع المسلمين هناك كونهم أقلية يعيشون في ظل أغلبية من النصارى وحكومة غير مسلمة؟
بفضل الله عز وجل نحن لا نواجه أية مشاكل من جهة السلطات الأمنية, بل على العكس, علاقاتنا معهم جداً, والمسلمون هناك يمارسون شعائر دينهم بكل حرية, ويتوجهون إلى المساجد في كل الأوقات وتمتلئ المساجد أيام الجمع, كما أن المسلمين هناك ينعمون بحرية التعليم الديني, فلدينا حلقات لتحفيظ القرآن الكريم والعلوم الشرعية. فعموماً من ناحية أمنية لا نعاني من أية مشكلات ولله الحمد.

هل لكم مظلة عامة تندرجون تحتها مع تجمعات إسلامية أخرى في الفتاوى والأنشطة وغيرها؟
هناك مظلة تجمع المسلمين جميعاً في جمهوريات روسيا, وهي مجلس شورى المفتين في العاصمة الروسية موسكو اسمها الإدارة الدينية لمسلمي روسيا, فأغلب المناطق في روسيا كلها تابعة لهذه الإدارة ونحن كذلك نتبع تلك للإدارة, ولدينا اجتماعات منتظمة نجلس فيه مع بعض تطرح فيها كافة المشاكل ونتبادل الأفكار.

و ماذا عن المساجد والمراكز الإسلامية والأنشطة التعليمية للمسلمين ؟
بالطبع فنحن لنا إدارة دينية تشرف على أنشطة المدارس والمساجد كلها في الجمهورية فجميع الأئمة والدعاة يندرجون تحت هذه الإدارة كما تتولى نعين الأئمة والمدرسين في المساجد, وكافة الأنشطة العلمية والدينية تنطلق من المساجد فبعض المساجد فيها فصول, ويكون فيها تدريس مستمر, كما أن أغلب المساجد تنظم محاضرات عامة للمسلمين في أيام معينة, ويقوم على هذه الأنشطة دعاة تخرجوا من السعودية ومن مصر وغيرها, كما لا يزال هناك طلبة من أبناء الجمهورية يدرسون العلوم الشرعية في الخارج.

هل لكم جهود دعوية بين أوساط النصارى في الجمهورية؟ 
تركيزنا ينصب على المسلمين طبعاً من الدرجة الأولى, وبلا شك, لنا جهود وأنشطة مع غير المسلمين بداية من الأطفال بزيارة بيوت الأيتام والتعايد أيام العيد, إضافة إلى أنشطة دعوية أخرى توجه إلى العامة من خلال الإعلام, فمثلاً نبث رسائل دينية من خلال الشاشات الكبيرة في المدن تدعو إلى الإسلام من خلال كلمات وعبارات تقبل لدى الجميع مثل الجنة تحت أقدام الأمهات وغيرها, وبفضل الله تعالى نستقبل في كل شهر عددا من المسلمين الجدد.

 

وهل تواجهون مضايقات من قبل الحكومة أو غيرها للحد من نشاطكم الدعوي ؟ 
بما أننا جمهورية تابعة لروسيا والحكومة غير مسلمة طبعاً, فلا بد أن تحدث المشاكل فيما لو ترددت أصداء الدعوة على نطاق كبير وكان لنا نشاط مع غير المسلمين, لذلك نراعي الحكمة في ذلك, ونلتزم بحدود معينة, فكما جاء في الحديث الشريف “أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل”  فنحافظ على هذا الشيء لكن بلا شك أن هناك حدوداً, وهذا ما نلاحظ في المراكز الأخرى الذين بدؤوا بنشاط دعوي قوي مع غير المسلمين فوصل بهم الأمر إلى أن مُنعوا من التدريس كلياً.

 

بالمقابل, هل يتم استهداف المسلمين في الجمهورية من قبل المنصرين أو الرافضة مثلاً؟ 
بالنسبة للرافضة فهم غير موجودين ولله الحمد, فالتشيع لا يوجد إلا في موسكو حيث لهم بعض الأنشطة تنحصر فيها فقط,  لكن دعوتهم بشكل عام غير مقبولة لدى الناس لأن المسلمين ولله الحمد يعرفون أخطاءهم التي تخرجهم من دائرة السنة فهم غير مقبولين

 

أما جهود التنصير فهي موجودة لكنها تنحصر في بناء الكنائس خاصة في السنوات الأخيرة, أعطيك مثالاً, في موسكو تقريباً 840 كنيسة وهي فارغة, ومع ذلك الآن قرروا بناء مائتي كنيسة,  وكذلك في منطقتنا تبنى كنائس صغيرة لا توجد فيها حاجة لدى الناس, الكنائس فارغة لكن يبنونها إظهارا لدينهم وأن الأغلب في هذه الدولة أو في هذه المنطقة هم النصارى بهذه الطريقة فقط.

 

إذا, بشكل عام ما هي التحديات التي تواجه المسلمين في منطقتكم؟
المشكلة الأكبر حالياً التي نعاني منها هي عدم مقدرتنا على بناء المزيد من المساجد أو أخذ رخصة لبناء المساجد, نحن في حاجة إلى زيادة عدد المساجد لكنهم يضعون شروطاً أو عقبات للحد من ذلك, مع أنه قبل سنين أو أكثر أي قرابة الخمس أو ست سنوات لم نكن نواجه هذه المشكلات.

وماذا تغير إذا؟ 
قد تكون المشكلة في إقبال الناس على الدين فأصبحت مظاهر الدين قوية, المساجد تمتلئ بالمسلمين قد تكون هذه الظاهرة تزعجهم والله أعلم, لكن الناس عموماً النصارى لهم علاقة طيبة مع المسلمين أقصد عموم النصارى لكن قد تكون هناك جهات معينة لا تريد ذلك, جهات معينة في الحكومة أما عامة الناس لا نواجه معهم أي مشاكل فيما يتعلق ببناء المساجد.

 

تعني أن الإسلام بشكل عام مقبول لدى أبناء الجمهورية ولا تواجهون مضايقات منهم؟
كظاهر لا، يعني كعداء أو إظهار العداء لا، بالعكس بعض المناطق يفرحون ببنات متحجبات في المدارس وهم نصارى يفرحون بذلك ويفتخرون أن يكون في مدارسهم مثل هؤلاء وأحياناً يساعدون في بناء المساجد ليس في البناء وإنما إعطاء الأراضي للبناء يوجد هذا الشيء يعني العداء الظاهر غير موجود في منطقتنا.

 

لذلك فأنتم تمارسون شعائرك الدينية بحرية تامة؟
نعم. والله الحمد.

وما هي  أبرز الأنشطة التي تقومون بها؟
نركز على التعليم كما ذكرت, التدريس مستمر في فصول المساجد وكذلك حلق التحفيظ أيضاً. أنشأنا حلقاً للتحفيظ مستمرة بين الصغار, كذلك التعليم, نقيم الدورات بشكل مستمر لأئمة المساجد على مستوى الجمهورية وكذلك الدورات العلمية لعامة الناس أعني لعامة المسلمين هذا ما يخص التعليم, أما غير التعليم فنقيم في الصيف غالباً دورات أو مسابقات ما يسمى بالرياضية والعلمية فنجمع فيها قرابة أكثر من ألف مسلم يشارك في هذه المسابقات ولنا أنشطة مع السجون, السجناء كذلك تكون لهم زيارات, نلقي هناك المحاضرات وكذلك ندعمهم بما نستطيع, مع بيوت الأيتام لنا أنشطة معهم سواء كانوا أيتام أم لقطاء,  مسلمين وغير مسلمين, أما في رمضان فنقيم برامج دعوية خاصة وموائد إفطار يجتمع عليها المسلمون.

 

غالبية المناطق الإسلامية النائية, تعاني من مشكلة الكوادر الدينية, فهل واجهتكم هذه المشكلة؟ 
من هذه الجانب لا، نحن أغلب ما نعاني منه أمور مادية فقط, أما من حيث التأهيل العلمي فلدينا من الكوادر من طلبة العلم والخريجين ولله الحمد من هم مستعدون للتدريس والتعليم, لكن ما نعاني منه حقيقة هو رعاية هؤلاء الطلبة, هذه أكبر مشكلة نعاني منها الآن؛ لأنك حين تريد ربط هؤلاء الطلبة بالدعوة والتعليم لا يمكنك ذلك ما لم يكن هناك مخصص شهري تدفعه له كمصاريف له ولأهلة فهذه مشكلة حالية إلى الآن هي موجودة.

 

وماذا عن مشكلة  ذوبان المسلمين في المجتمع النصراني التي تواجه بعض الأقليات؟ 
بالعكس خصوصاً في جمهوريتنا, المسلمون متمسكون بدينهم ومترابطون فيها بنهم, وبالعكس الذين يزورون الجمهورية يتعجبون من وحدة الكلمة وأن الناس في جماعة واحدة وأي منشط نقيمه كما ذكرت مثلاً كمحاضرة أو حتى مسابقة رياضية مجرد الإخبار عنها, يأتي قرابة ألف شخص,  هذا ما يدل على الارتباط القوي بين المسلمين.

 

لكن الحياة الغربية يغلب عليها مظاهر من الانفلات الخلقي وضعف النسيج الاجتماعي, ألا يؤثر ذلك على أبنائكم؟ 
الحقيقة أن هناك تأثير من هذا القبيل بلا شك, لكننا نسعى إلى الحد منه من خلال التواصل مع المسلمين وإرشادهم, لمعالجة مثل هذه  المشكلة, وبالأخص فيما يتعلق بأبنائهم وبناتهم الذين هم أكثر تأثيراً بهذه البيئة.

 

هل هناك برامج دينية أو إذاعية أو تلفزيونية باللغة المحلية ؟ 
حالياً لا يوجد, في السابق كان عندنا بعض البرامج لكنها توقفت بسبب أمور مالية فكل هذه الأنشطة تحتاج إلى الدعم, نعم لدينا صحفية وموقعاً إلكترونياً أما في التلفزيون فقد توقفنا عن بث برامجنا بسبب ضعف الإمكانات, أما برامج إسلامية في التلفزيون المحلي فلا يوجد.

محمد لافي

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: