العيد في فلسطين له طعم آخر| بقلم الدكتور عبد العزيز الرنتيسي رحمه الله

ما إن فرغنا من صلاة العيد حيث استمعنا إلى خطبة تحضّ على الجهاد و الاستشهاد ، و تدعو إلى رص الصفوف في مواجهة العدو الصهيوني ، و الاعتصام بحبل الله جميعاً ، و التمسك بالوحدة الوطنية في خندق المقاومة ، و عدم الالتفات لأصحاب الدعوات المنهزمة الذين شغلتهم مصالحهم الشخصية عن الحقوق الوطنية المشروعة ، فقدّموا ذواتهم على المصلحة الوطنية العليا ، و لم ينسَ خطيبنا توجيه إدانة قوية إلى ما يسمى بوثيقة سويسرا أو وثيقة جنيف المتهافتة الرخيصة ، كما لم ينسَ الإشادة بما قام به أبناء الشعب الفلسطيني من تبرعات سخية بلغت مئات الآلاف من الدولارات لصالح الأيتام و الأرامل و الثكالى في حملة عظيمة نظّمتها المؤسسات الخيرية الإسلامية حماية لشرائح واسعة من أبناء الشعب الفلسطيني من غول الفقر خاصة و نحن على أعتاب عيد الفطر المبارك بعدما أقدمت السلطة الفلسطينية على خطوة مستنكرة غير مبررة و مستهجنة تمثّلت بتجميد أرصدة المؤسسات الخيرية الإسلامية التي لعبت دوراً أساسياً و هاماً في تصميد الشعب الفلسطيني على مدى أعوام الانتفاضة العجاف ، و للأسف الشديد أن السلطة لم تقدِم على هذه الخطوة إلا استجابة لرغبة العدو الصهيوني ، و تلبية لإملاءات الحقد الأمريكي بهدف المس بصمود الشعب المنتفض ، و تقويض جماهيرية الحركة الإسلامية المجاهدة التي نذرت نفسها لخدمة القضية و الشعب ..

أقول ما إن فرغنا من الصلاة حتى أخذ المصلّون يصافح بعضهم بعضاً ، و يعانق بعضهم بعضاً في مشهد إسلامي رائع ، تغمُرهم مشاعر الحب و الأخوة في الله ، ثم انطلقت جموع المصلين في مسيرات عظيمة يطوفون على بيوت الشهداء و المصابين و المعتقلين قبل أن يفكّر أحدهم في زيارة أقاربه و رحمه ، إنه الوفاء لأولئك الأبطال الذين ضحّوا بأرواحهم ، أو بصحتهم ، أو بحريتهم من أجل فلسطين ، و من أجل شعب فلسطين ، بل دفاعاً عن كرامة الأمة ، و دفاعاً عن ماضيها ، و حاضرها ، و مستقبلها الواعد .

و مما يسترعي الانتباه أن آلاف الأطفال في سن الزهور بعد أن أدّوا الصلاة انطلقوا يمرحون في الشوارع ابتهاجاً بالعيد فرحين سعداء ، نسبة كبيرة منهم هم من أبناء الشهداء ، لم يبدُ عليهم أثر من الحزن أو الكآبة ، كأنهم لم يفقدوا آباءهم من قبل أو يفتقدوا حنانهم في العيد ، كم كان الأمر غريباً و مذهلاً ، و لكن من رأى يوماً أعراس الشهداء لا يعجب من هذا الأمر ، فأطفال الشهداء في فلسطين يشعرون بالفخر و الاعتزاز أنهم أبناء الشهداء ، و هذا الشعور الغامر يكفي لمسح الهموم و الأسى الذي قد يجد طريقه إلى قلوبهم ، ناهيك عما يلقونه من حبّ و تقدير من كافة أبناء الشعب في فلسطين ، و هذا كفيل بأن يبعد عن أحدهم شبح الشعور بمرارة اليتم أو جوى الحرمان ..

إن القهر و الظلم و الحقد الذي يحيط بشعبنا المرابط في فلسطين لم يحُلْ دون أن يمرح و يلهو أبناء الشهداء في العيد ، إن ما قام به اليهود من إرهاب تمثّل في حصد أرواح الآلاف من أبناء شعب فلسطين لم ينجح في سرقة الابتسامة من شفاه أبناء ضحايا الإفساد و الإرهاب اليهودي ، لم يكن ذلك لأننا نعشق الموت ، فنحن نحب الحياة في الوقت الذي لا نخشى فيه الموت في سبيل الله ، و لكن هناك ما هو أصعب على النفس من وقع الحسام المهند ، و هي الحياة المنغمسة في الذلّ ، فنفوس الأحرار الأباة في فلسطين تستنكف أن تعيش مسلوبة الكرامة في ظلّ الاحتلال الصهيوني للشعب و للوطن ، و من هنا فإننا نشعر أن ما نحن فيه من جهاد ما هو إلا وسام شرف يزيّن جبين كلّ طفل و شاب و شيخ و امرأة في فلسطين ، كما أننا نشعر أن فضل الله يغمرنا و نعمته قد أسبغها علينا و قد أفاض علينا من معين حبّه الذي لا ينضب و هو القائل سبحانه (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) (الصف:4) ، كما أننا نؤمن أن المعاناة التي نعيش هي السبيل الوحيد لتحقيق النصر و التمكين و استرداد ما اغتصب من حقوق وطنية ..

فلا غرابة أن ترى في فلسطين الدموع و قد امتزجت بالزغاريد ، و لا عجب أن تلمس هنا أن الشعور بالكبرياء قد استعلى على الإحساس بالمرارة و الألم ، فمن يرى الفرحة التي تعمّ الشارع الفلسطيني صبيحة العيد ابتهاجاً بقدومه لا يمكن أن يخطر بباله أننا الشعب الذي يشيع الشهداء في كلّ يوم زرافات و وحداناً ، و لا يمكن أن يصدّق أن في كلّ بيتٍ من بيوتنا مأساة تأخذ بتلابيب القلوب ، فكم من بيت غاب عنه محيّا الوالد و قد احتوشه الثرى فترك من خلفه أرملة ، و زغباً من الأيتام ،

فلا يكاد يخلو بيت في فلسطين من والد أو ولد أو أخ أو أخت أو أم قد غيّب عن الوجود بفعل الوحش اليهودي الصهيوني المجرم ، أو معتقل أمضى حياته خلف القضبان الصهيونية القاسية ، أو معوّق كان يرفل يوماً بالصحة و العافية يجوب البلاد طولاً و عرضاً في حيوية و نشاط ، و لكنه في غمرة حقد أسود أمسى بلا ساق تحمله ، أو ذراع تعينه على خدمة نفسه ، أو بات مكفوف البصر ، أو مشلولاً لا يستطيع حراكاً ، ناهيك عن آلاف الأسر التي تبيت على الطوى لا تجد ما تسكن به عضة الجوع ، و لا يكاد يخلو بيت في فلسطين من مرارة الحرمان من رؤية عزيز يتقلب على الجمر في المنافي منذ عشرات السنين بفعل الوحش اليهودي المجرم ..

هكذا هو الحال في فلسطين في كلّ بيت مأساة و في كلّ زاوية كارثة أو مصيبة ، هذا ما فعله الأشرار من الصهاينة اليهود الذين اقتلعوا شعبنا من وطنه بقوة السلاح ، و لم يكن إلا شعباً أعزلاً لا يملك ما يدفع به الأذى عن نفسه أو يحمي به الوطن ، و قد ارتكب الإرهابيون الصهاينة أبشع المجازر بحقّه ، و التي أودت بحياة عشرات الآلاف من أطفالنا و نسائنا و شبابنا و شيوخنا ، و أدّت إلى تشريد الملايين من أهلنا أصحاب الأرض الشرعيين من وطنهم ليعيشوا المرارة و الحرمان على مدى ما يزيد عن ستة و خمسين عاماً ..

هذه هي معالم العيد في فلسطين ..

فكلّ التحية و التقدير لشعبنا المرابط على ثرى الوطن أو على حدوده ، و كلّ التحية لأرواح الشهداء ، و للمعتقلين البواسل ، و للمصابين الصابرين على الجراح ، و أعظم تحية للوطن تغمره من بحره إلى نهره ..

و كل عام و أمتنا بخير ..

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: