301dc0818da9cb437f8dc5b45cddf276

الفلسطينية “أسماء” قلم بين الحرب والفقر.. من إعداد بسام أبو يونس

[ads2]

لا تقتصر بيئة العدوان بغزة على كونها بيئة صعبة الظروف وتحجيم القدرات، بل العكس من ذلك أحياناً فهي تنشأ صحفياً جيد القدرات قادر على التعايش مع أصعب الظروف وتغطية مشاهد الدم والقتل دونما خوف بعضاً من الزمان، وتعكس أحياناً كثرة المؤسسات الصحفية بغزة أهمية الإعلام بالنسبة للشعب الفلسطيني المحتل.
كان ذلك عوناً للصحفية الغزاوية أسماء الصانع إبنة مخيم النصيرات وسط القطاع، حيث ابتدأت حياتها الصحفية بعيد تخرجها من قسم الصحافة بالجامعة الإسلامية بالعمل في إذاعة التربية والتعليم بالقطاع والتي تتبع وزارة التربية والتعليم، ابتدأت كمحررة إذاعية عام 2012، ثم كان الخيار الأصعب أن تكون مسؤولة عن تحرير نشرة بكاملها.
واجهت أسماء تغير الظروف أمامها بتحدي الواثق من قدراته “فواثق الخطى يمشي ملكاً”، لكن حدث ما لم يكن بحسبانها وتم تكليفها بتقديم حلقاتٍ برنامج إذاعي بالإذاعة نفسها، عارضت الموضوع بشدة بداية لكن سرعان ما تكيفت مع الظروف الجديدة، فسارعت إلى مركز فضل شناعة لتأخذ دورة بالتقديم الإذاعي الأمر الذى لاقى إحساناً من مدربها فأثنى عليها لتبدأ مشواراً أشد تحدياً.
اللافت بمشوار أسماء أن هذه التحديات جميعها انبرت تحت نظام العقود فهي لم تتوظف بالإذاعة وإنما من منظمة دولية في غزة، ثم أتت الحرب الثانية على غزة نفس عام 2012 عقب قيام إسرائيل باغتيال أحمد الجعبري القيادي بالقسام، فبدأ صراع بداخلها وهي ترى آلة الحرب الصهيونية تفتك بلا رحمة بأبناء غزة.
سارعت الصانع إلى ميدان الحرب لتحارب بصوتها وقلمها لجانب المقاومين بأسلحتهم، لم تترك للخوف أن يأخذ مكاناً فقلبها رغم كونها أنثى. زادت الحرب من خبرة أسماء على صعيد حياتها الصحفية وصقلت أكثر من قدراتها وعززت فيها مكانة الجرأة والشجاعة.
الشهيد عطية مبارك أحد كوادر التعليم بغزة كان صديق لوالد أسماء، وذاك الاسم بطيعة الحال لا يذهب من ذاكرتها فقد جاءتها فكرة إذاعية أن تقوم بعمل سلسلة أفلام صوتية عن حياة شهداء التعليم والذي كان هو مفتاح لها فلاقت تلك السلسلة إعجاب وزير التعليم آنذاك شخصياً أسامة المزيني والذي أصر على بقاءها ضمن إذاعة وزارته بعقد حكومي بعدما انتهى عقد عملها من المنظمة الخاصة.
استطاعت أسماء اكتساب خبرة بعدة أماكن إعلامية داخل القطاع، حيث جاء قرار نقلها من إذاعة التربية والتعليم إلى إذاعة الرأي والتي ضمن شبكة الرأي الحكومية، القرار الآخر هذا لم يكن سهلاً عليها، فقد شاركت بتأسيس تلك الإذاعة وستغادرها لكنها تعاملت أيضاً مع الواقع.
لكن كان للحرب الأخيرة على غزة طعم ومذاق صحفي آخر بعالم البحث عن المتاعب لدى الصحفية أسماء الصانع، كونها كانت تعمل ضمن شبكة حكومية حيث تنقلت ما بين الإذاعة ثم الصحيفة فالوزارة وكانت تثبت أنها على قدر المسؤولية في كل موطن، لم تترك يوماً من الأيام الخمسين يمر دون عمل وجهد وتغطية، برغم تحفظ الإخوة والأم على خطورة عملها إلا أن الرسالة كانت أقوى.
“الزنانة فوق راسي” بهذا وصفت أسماء ذاك اليوم الذي لا يمحى من ذاكرتها حيث أنها تسكن بمنطقة بعيدة ومتاخمة للخط الفاصل مع الأراضي المحتلة عام 1948م، وكان كل سكان منطقتها القليلين أصلاً قد غادروا بيوتهم خوفاً من القصف الصهيوني، فخرجت من البيت بساعة مبكرة وسارت إلى الطريق الذي كان خالياً فشعرت بطائرة الاستطلاع والتي يسميها أهل القطاع زنزانة نظراً لصوتها المرتفع أثناء التحليق.
لم يكن أمام الصانع والتي كانت تحمل حاسوبها المحمول معها وهي منتقبة بالأصل إلا أن تقرأ القرآن وتلزم الاستغفار ساعتها وهي تمشي وحدها بالطريق والطائرة فوقها لأن أي حركة منها ستأتي لها بالشبهة والاستهداف كما تصف تلك اللحظة.
خليط بين الإنسانية والرسالة الصحفية السامية فأنت إنسان قبل أن تكون صحفياً، وأنت تعيش بواقع أصلاً صعب يلزم أن تقوم بتغطية ونشر الحقيقة تلك هي الكلمات التي تصف بها الصانع عملها الصحفي وتروي موقفاً لا تدري أي كان قلبها وهي كانت تفعله حيث مكثت أحد أيام الحرب بمشفى الشفاء لساعة متأخرة وهي تجري مقابلات مع عشرة اطفال ناجين من قصف، فتاخر بها الوقت ولم تجد سيارة لتعود للبيت.
اتصلت بالأهل واخبرتهم فكان الخيار أن تظل بالمشفى لساعات الصباح، فجلست على حاسوبها المحمول لتفرغ المواد، صعقت الصانع بما فعلته يداها عندما رأت هول الصور التي التقطتها وعلى الفور كأن تنوراً من الدموع فاض من عينيها وسألت نفسها أين كان قلبي ساعتها، ألا يوجد لدي إحساس ألست أنثى، كيف أجرؤ،، أسئلة لم تجد لها إجابات!!
لكن الذي استطاعت ان تجيب عليه الصانع أن الحقيقة يجب أن تصل حتى لو كانت ممزوجة بدموع الصحفي، فهو إنسان وصاحب قلب، فكم من مصور أثناء الحرب كان يصور بعدسته ودموعه أنهار وكم من مراسل انتهى من اللايف المباشر على الهواء وجلس في غرفة أخرى ليبكي كما الأطفال من هول المصيبة.
الأمر الذي وصل بمراسل الجزيرة صاحب الأربعة عقود وائل الدحدوح للبكاء على الهواء مباشرة لأول مرة يوم قصفت الشجاعية، بل منهم من أتى إليه نبأ استشهاد أخوه بالقصف وهو على الهواء ؛ إنها مهنة البحث عن المتاعب.
لكن اللافت والمختلف بقصة أسماء أنها وبعد أن قضى 3 أطفال من عائلة الهندي حرقاً بفعل شمعة في مخيم الشاطئ غرب غزة، قامت بالإعلان عن كفالتها شخصية بشراء ليدات كهربائية “مصابيح تنير بفعل بطارية خارجية أثناء انقطاع الكهرباء” لأسرة فقيرة بمبلغ 40$ بعدما شاهدت الأطراف والنشطاء السياسيين يتبادلون الإتهامات بعيد الحادثة.
ذاك الأمر لاقى تجاوباً عالياً من الصحفية التي قررت أن تعود إلى تخرج من ثوب الصحافة للإنسانية بلحظة مهمة وحساسة، بعد ما أعلن الصانع قامت بنشر صور لها مع أطفال من العائلة الفقيرة التي كفلتها، الأمر الذي لاقى تجاوباً عالياً من أصدقاء صفحتها على الفيس بوك خاصة من خارج غزة ولم تنم تلك الليلة إلا وفي جعبتها كفالات ل22 عائلة غزاوية لشراء الليدات الكهربائية.
ما يقرب من 1000$ كان حصاد اليوم الأول من النشطاء العرب خارج غزة، وعن كيفية الإرسال تؤكد الصانع أنه تم الإرسال إليها شخصياً عبر التحويلات المالية الدولية ومن أناس تعرفهم للمرة الأولى، ثم بالشهر نفسه وصلت مجموع الكفالات لما يقارب 10 آلاف دولار لحوالي 250 عائلة غزية قامت بها الصانع بمساعدة عدة نشطاء وصحفيين أرادوا أن يقوموا بواجبهم الإنساني.
“لحسن السيارة تنقصف” بتلك الكلمات تحفظ العديدين ممن حول الصانع عن نشاطها الصحفي وخوفاُ من الاستهداف كونها صحفية وأنثى وقد استهداف الاحتلال العديد من الصحفيين أثناء الحرب، فلم تأبه لهم بما يقولوا، فتلك المبادرة الشخصية أشعرت الصانع بالفخر الشديد أنها استطاعت أن تقدم شيئاً للفقراء وأصحاب الحاجة.
كان رد الصانع على كل من انتقد عملها أن قامت بعد الحرب بإصدار 3 كتب عما رأت وغطت وكتبت فكان الأول سنابل في حقل الموت ” حالة 51 طفل جريح”، ثم أرواح ثمن الحقيقة، وأخيراً مجازر الإبادة الجماعية أثناء الحرب غطت بها كل المجازر التي قامت بها آلة القتل الصهيونية.
الليدات لم تكن اليد الناصعة التي أخرجتها من جعبتها الإنسانية، فقد تواصل معها عدد من أهل الخير وأرسلو لها مبلغ 1300$ تقريباً مساعدة للفقراء فقامت مع زملائها بشراء 30 سلة غذائية. الأمر لم يكن سهلاً بالمطلق على الصانع والتي اقتطعت جزءاً من وقتها كونها تعمل كموظف بعقد وأجر لكن الرسالة الإنسانية السامية عندها كانت الحافز الأكبر.
تؤكد الصانع أن كثيراً من أهل الخير والنشطاء من الخارج لا زالوا يتواصلوا معها عبر بريدها الخاص طالبين منها توصيل أموالهم لمستحقيها، فتوجهت هي إلى جمعية الفضيلة الخيرية بمخيم النصيرات وأوصلت لهم الأموال لتوزع بطرق رسمية وكشوفات واضحة.
اتجهت أسماء أيضاً إلى جمعية الأيدي الرحيمة للجرحى للعمل بها بعيد عقد عمل صدر لها هناك، فأرادت أن تكون لها بصمة مع أولئك الذي ضحوا بجزء من أجسادهم لصالح وطنهم، حتى وصل بها الحال أن تتابع معهم لأين وصلت مسيرة علاجهم، تقول الصانع أحيانا وهي تقوم بإعداد الطعام بالمطبخ يخيل إليها وهي تسمع أصوات السمر من أهلها أنها أحد أؤلئك الجرحى الذين كانوا على نفس هيئتها وقصف بيتهم.
وربما أن يسقط الصاروخ الآن على بيتها لتصبح واحدة منهم فلا يشعر بالوجع والألم إلا من ذاقه لكن الصانع أرادت أن تشعر به وتعيشه وهي لم تذقه من خلال العديد من النوافذ كان أبرزها شبكة الماجدات الإعلامية وبرنامج واحة الشهداء والذي تم بثه عبر إذاعة الأقصى.

[ads2]

إعداد: بسام أبو يونس

 

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: