القاضي أحمد الرحموني : التجاء السلطة إلى القضاء العسكري لفض النزاعات المدنية يهدد الحريات العامة والفردية

اعتبر رئيس المرصد التونسي لاستقلال القضاء القاضي أحمد الرحموني أن التجاء  السلطة الى المحاكم العسكرية لفض النزاعات المدنية لم يعد مجرد سوابق معزولة بل اضحى توجها مستقرا يهدد الحريات العامة والفردية.

وجاء قول القاضي الرحموني على خلفية التجاء السلطة التونسية إلى القضاء العسكري لحل حزب التحرير بعد إنصافه من قبل المحاكم المدنية. وكتب  القاضي الرحموني في الموضوع المقال الآتي :

قضية حزب التحرير وأوهام القضاء العسكري !!
.
أحمد الرحموني
رئيس المرصد التونسي لاستقلال القضاء
.
يبدو جليا ان اقحام القضاء العسكري هذه المرة (في علاقة الحكومة بحزب التحرير) يرسخ الاعتقاد بان الالتجاء من قبل السلطة الى المحاكم العسكرية لفض النزاعات المدنية لم يعد مجرد سوابق معزولة بل اضحى توجها مستقرا يهدد الحريات العامة والفردية.
.
وحتى لا ننسى يظهر ان الحكومات لم تتعظ من التداعيات التي يخلفها في كل مرة مرور الاشخاص المدنيين امام القضاء العسكري او جر القضاة العسكريين الى محاكمات السياسة والراي والصحافة او وقوف النشطاء بعد الثورة – ويا للفداحة – امام محكمة الجرائم العسكرية (قضايا فرحات الراجحي – ايوب المسعودي – حكيم الغانمي – ياسين العياري – رؤوف العيادي – نجاة العبيدي…الخ).
.
قضية حزب التحرير لن تكون استثناء ويبدو ان السيد رئيس الجمهورية “مغرم” بالقضاء العسكري حتى ان اهالي الشهداء وجرحى الثورة لا زالوا الى الان يتجرعون “عذابات العدالة” منذ احالة قضاياهم مبكرا الى المحاكم العسكرية وترسيخ اختصاصها بعد صدور المرسوم المؤرخ في 29 جويلية 2011 المتعلق بتنظيم القضاء العسكري وضبط النظام الاساسي للقضاة العسكريين في ظل الحكومة المؤقتة للسيد الباجي قائد السبسي.
.
قد لا يشعر الكثير بمبلغ الحرج الذي يعانيه زملاؤنا من القضاة العسكريين اوالمدنيين الملحقين بالمحاكم العسكرية في معالجة امثال تلك القضايا التي قد تجعل من استقلالهم محل تساؤل لكن الامر الذي يجب توضيحه هو ان الالتجاء الى القضاء العسكري في قضايا السياسة والراي والصحافة المرتبطة بحرية التعبير قد وجد له مجالا واسعا بسبب معطيين اثنين على الاقل :
.
1. اولهما واقعي ويتعلق بتوجهات شريحة غير قليلة من المواطنين – ومن ضمنهم بعض النخبة -التي تعتقد في حزم المحاكم العسكرية وتدعو الى تدخلها في كافة النزاعات والانتهاكات ظنا منها بان الطبيعة العسكرية لتلك المحاكم المتاثرة بانضباط المؤسسة العسكرية من شانها ان ترجح حقوق الدولة على ضمانات الافراد ومقتضيات المحاكمة العادلة. وربما على هذا المنوال من التفكير رغبت السلطة في اقحام القضاء العسكري للنظر في مسائل تتعلق بحرية الاجتماع والحقوق الاساسية المكفولة للاحزاب.
.
2. ثانيهما قانوني ويتعلق بعدم تحمس السلطة لاعادة هيكلة المحاكم العسكرية طبق مبادئ النظام الديمقراطي والاحكام الواردة بالدستور الذي اقتضى منذ جانفي 2014 اعادة النظر في صلاحيات المحاكم العسكرية واعتبارها مختصة فقط في الجرائم العسكرية (الفصلان 110 و 149).
.
وفي ضوء ذلك – وحتى لا نعيد الحديث عن دور القضاء في حماية حق الاجتماع وعن المبادي الجوهرية في تنظيم الاحزاب السياسية وحماية نشاطها (راجع مقالنا المنشور في 9 جوان الفارط تحت عنوان “مؤتمر الخلافة والكلام المر حول ازدراء القضاء”) – يبقى التاكيد ونحن على ابواب محاكمة مثيرة للجدل ان “الهروب” الى القضاء العسكري في قضية حزب التحرير سيكون مؤثرا لا فقط على المبادئ بل على تجربتنا “الديمقراطية “واستقرارنا وعلى ما تحقق لنا -بعض خيبات-على مستوى حماية الحقوق الاساسية والحريات!!

 

 

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: