large_news_MOHAMED-HNID-620x325

“القصرين” تجدُّد الثورة وتجدد مخاطر الانزلاق بقلم محمد هنيد

الأحداث المتسارعة في مهد الربيع العربي كلّه ومهد الثورة التونسية مؤشر خطير على ما قد يأخذه المسار الانتقالي التونسي من منعرجات أو منزلقات خطيرة. وهي كذلك مؤشر على تجدد الموجة الثورية عربيا بشروط الاستحقاقات الأولى بعد الفشل الذريع الذي منيت به المنوالات الانتقالية التي تحولت مهمتها إلى الحدّ من الأضرار الناجمة عن توحش الدولة العميقة بعد أن كان سقف المطالب عاليا جدا.

احتجاجات مدينة القصرين المتصاعدة في قلب منطقة الوسط الغربي للبلاد تقع على خلفية اجتماعية صريحة ومتمثلة في استفحال البطالة بين صفوف الشباب بشكل كارثي رغم الوعود المقطوعة من قبل الحكومة ورئاسة الجمهورية بالتشغيل ومحاربة الفساد. لكن السنوات الخمس التي مرت من عمر الثورة ومسارها الانتقالي لم تنفع غير “عصابة السراق” التي طالب أبناء القصرين وسيدي بوزيد منذ خمس سنوات بمحاسبتهم عبر شعار الثورة الأبرز: “التشغيل استحقاق يا عصابة السرّاق”.

ولما كانت نشأة الثورة مستجيبة لشروط موضوعية ـ اجتماعية وتاريخية أساسا ـ كان تجددها خاضعا لنفس شروط النشأة إن هي لم تستجب لشروط البدء. هذا القانون فيزيائيٌّ طبيعي الأصل لأن عدم الاستجابة لشروط الحركة يعني أن هذه الحركة ستتجدد حتما وبآليات أعنف لكي تحقق ما لم تحققه في الحركة السابقة.

قد يكون من المبكر الحكم على مدى فعل الحركات الاحتجاجية الناشئة في مركز الفقر والتهميش التونسي لكنها بلا شك تذكير صريح بأنّ الحركة لم تكتمل بعد وبأن كل محاولات الالتفاف على مطالب الثورة باءت بالفشل الذريع.

الثورة التونسية لم تكن ثورة سياسية وكذا كل ثورات الربيع العربي حيث لم يتقدم فصيل أيديولوجي أو عقائذي أو فكري واحد بطلب إنجازها ولا هو أنجزها لكن نخب الايديولوجيا السياسية وعلى رأسهم الاسلاميون قفزوا باكرا إلى كرسي السلطة بحكم أنهم الفصيل الأكثر تنظيما وقدرة على الشحن.

وكانت النتيجة التي نعلم في مصر وفي تونس وفي غيرها من جبهات الربيع العربي الساخنة بأن تحوّل ربيع الجماهير إلى شتاء النخب وانتقل من ربيع الفعل إلى خريف العجز والمحارق في كل مكان.

تونس هي بلا منازع محرار العرب الأهمّ بما هي دولة وظيفية لا هندسية فهي بذلك قادرة بسرعة على الفعل وعلى تفعيل موجات الحراك الاجتماعي بسبب طبيعة تركيباتها السكانية الخالية من التعقيد العميق طائفيا أو عقائديا أي أن العمق الاجتماعي للمجتمع مسطح وسليم إلى حد بعيد. لكن الحجم التعقيد إنما هو حاصل في المستويات العليا من البناء الاجتماعي ويتشكل أساسا في المستوى الجهوي أو المناطقي حيث تنعم مناطق بعينها بالخدمات والرفاه والبنى التحتية وترزح بقية المناطق تحت خط الفقر تهميشا واحتقار وإقصاء من كل منوالات التنمية.

الثروة التونسية والخدمات والجامعات والمشافي والبنى التحتية إنما تتركز أساسا في شمال البلاد وساحلها الشمالي أي في العاصمة بما هي مركز استعماري قديم وفي بعض حواضر الساحل مسقط رأس الوكيل الاستعماري الأول بورقيبة والوكيل الاستعماري الثاني بن علي. في حين تعاني كل مناطق البلاد الأخرى من الوسط والجنوب والشمال الغربي من الفقر والتهميش والاقصاء منذ خروج الاستعمار العسكري المباشر سنة 1956.

هذا التمييز الصارخ أصاب البنية الاجتماعية والحضارية للدولة بشرخ كبير تجلى بارزا خلال الانتخابات التي عرفتها تونس وكانت الخارطة الانتخابية ناطقة بكل صدق عن حجم الهوة التي تفصل نصفي البلاد والتي تهدد الدولة والمجتمع بالتفكك والانقسام إن لم يسارع القائمون عليها إلى رأب الصدع وإصلاح الخلل. فالثروة التونسية من نفط وغاز وملح وفسفاط… والتي رهنتها أنظمة الوكالة الاستعمارية لصالح الشركات الأجنبية وأكدتها حكومات ما بعد الثورة إنما مصدرها هو العمق التونسي العميق الذي لا ينال من ثرواته غير التهميش والفقر والاحتقار له ولأبنائه.

إثر الثورة ومع انحسار الموجة الانفجارية الأولى بفعل معاول دولة العمق وانقلاب العسكر في مصر على ثورة يناير بحجة الاخوان أمنت قوى النظام القديم من الفعل الثوري واستعادت بمكر كبير وتنسيق عربي ودولي مجالها الحيوي ممثلا في مفاصل الدولة المركزية مع الإبقاء على هامش الايهام الخارجي بأن منجزا ثوريا قد حصل.

لكن الثابت ورغم حجم الجهد الذي بذلته منصات إعلام العار الوطني من أجل إرهاب المواطن عبر فزاعة الإرهاب التي اتخذت صدفة من مرتفعات القصرين مقرا لها هو أن إطفاء الحريق الاجتماعي لا يتم إلا بالماء الاجتماعي وإلا فإن ناره ستلتهم الجميع. استهداف منطقة الثورة ومجالها عبر الارهاب الصناعي ليس إلا بحثا من دولة العمق أو من “المسؤول الكبير ” ـ حسب تعبير رئيس الجمهورية ـ عن ليّ عنق المطلب الاجتماعي وإبقاء قنوات النهب والاستغلال ومصادرة الثروات فعّالة تسرق كل شروط التنمية وتمنع الانسان من أن يكون إنسانا في وطنه فيكون محكوما بالهرب والهجرة أو بالإدمان أو الانحراف أو التطرف أو الموت كمدا.

“إسلاميو تونس” كما يسمّون أنفسهم و الذين أوصلتهم ثورة الفقراء والمعطلين إلى السلطة وعادت بهم من المنافي وهم لم يشاركوا فيها يصنفون الخطاب الثوري اليوم بالخطاب الثورجي الهدام الذي لا يخدم مصلحة الدولة والمسار الانتقالي في حين أنه لا يخدم مصلحتهم ويعري عجزهم الدائم عن مقاومة الفساد بل ويفضح تحالفهم المذلّ مع جلاد الأمس ومع عصابة السراق نفسها.

لكن من جهة أخرى لا بد من الإنذار بأن المواصلة في تعيين أبواق النظام السابق وأفراد عصابته في كل مفاصل الدولة ومحاولة الالتفاف على المطالب الثورية سيكون كارثيا على المسار الثوري نفسه وقد ينزلق لا سمح الله إلى ما لا يحمد عقباه خاصة أنّ الشباب المعطل لا يملك شيئا ليخسره. بل إن أطرافا كثيرة خارجية وداخلية تتربص بالمسار التونسي من أجل إجهاض التجربة رغم عيوبها الكثيرة لتلحق تونس بالمشهد الدامي في كل مجال الربيع العربي. بناء عليه فإن مسؤولية كبيرة تقع اليوم على عاتق القائمين بأمر البلاد من أجل تمكين المسحوقين من أبسط حقوقهم البشرية التي تجعل من الانسان إنسانا واسترجاع المليارات التي نهبتها العصابات العابثة في كل مفاصل البلاد والتي يتمتع بكثير منها نواب البرلمان الكسيح والمتسلقون في الوزارات والسفارات وإدارات نهب المال العام.

أحد أفراد عائلة الراعي مبروك السلطاني الذي ذبحته فرق الموت الإرهابية بجبال القصرين قال ذات يوم مخاطبا الحكومة التونسية: “إما أن نعيش عيشة فلّ أو نموت الناس الكل” إذن: “حذاري فتحت الرماد اللهيب ومن يزرع الشوك يجن الجراح”.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: