القلب السليم| غزير الدمع

إن ساعدك الدمع وإلا فتباكَ ، فليس مثل الدموع علامة على القلب الحي ، وإنما يحصد الزرع يوم القيامة من روَّى أرض قلبه قبل الندامة ، فماذا أنت حاصد إذا حُرِمت الدموع؟!
حي القلب يبكي شوقا وقلقا : قال عبد الواحد بن زيد :
” يا إخوتاه! ألا تبكون شوقا إلى الله؟ ألا إنه من بكى شوقا إلى سيده لم يحرمه النظر إليه ..
يا إخوتاه! ألا تبكون خوفا من النار؟ ألا إنه من بكى خوفا من النار أعاذه الله منها ..
يا إخوتاه! ألا تبكون خوفا من العطش يوم القيامة؟ ألا إنه من بكى خوفا من ذلك سُقِي على رؤوس الخلائق يوم القيامة ..
يا إخوتاه! ألا تبكون؟ بلى فابكوا على الماء البارد أيام الدنيا لعله أن يسقيكموه في حظائر القدس مع خير الندماء والأصحاب من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ” ، ثم جعل يبكي حتى غُشِي عليه! .
حي القلب قد يبكي من الأذان : كان أبو زكريا النهشلي إذا سمع النداء تغيَّر لونه وأرسل عينيه فبكى ، فسُئل عن ذلك فقال : أشبِّهه بالصريخ يوم العرض ، ثم غشي عليه .
حي القلب قد يبكي من الوضوء. كان عطاء السليمي إذا فرغ من وضوئه انتفض وارتعد وبكى بكاء شديدا ، فيُقال له في ذلك فيقول : ” إني أريد أن أُقدِم على أمر عظيم .. أريد أن أقوم بين يدي الله عز وجل ” .
حي القلب تُبكيه الذنوب : نظر حذيفة المرعشي إلى رجل يبكي فقال : ما يبكيك يا فتى؟ قال : ذكرت ذنوبا سلفت فبكيت. قال : فبكى حذيفة ثم قال : نعم يا أخي! فلمثل الذنوب فليُبكَ ، ثم أخذ بيده فتنحيا فجعلا يبكيان!
حي القلب يزعجه الختام فيبكي. قال محسن بن موسى : كنت عديل سفيان الثوري إلى مكة فرأيته يكثر البكاء فقلت له : يا أبا عبد الله بكاؤك هذا خوفا من الذنوب ؟ قال : فأخذ عودا من المحمل فرمي به فقال : ” إن ذنوبي أهون علي من هذا ، ولكني أخاف أن أسلب التوحيد ” .
لكن من الناس أجدب العينين ، فلا يستطيع البكاء مع أن قلبه تعمره الخشية ، ومنهم في المقابل من هو رقيق الحس سريع الانفعال والدمع ؛ وإن لم يصاحب ذلك منه عمل صالح أو خشية دائمة ، وعندما نفاضل بين الاثنين نقول : بكاء القلب أولى وأعلى ، لأن بكاء العين شهادة على حيوية القلب لكن الشهادة قد تكون مزورة أحيانا إذا لم يصاحبها العمل ، أما بكاء القلب وخشيته فشهادة دامغة على حيوية القلب ، وهي شهادة لا تقبل التزوير على الإطلاق.

بكاء الحبيب
قال ابن القيِّم :
” وكان بكاؤه تارة رحمة للميت ، وتارة خوفا على أمّته وشفقه عليها ، وتارة من خشية الله ، وتارة عند سماع القرآن ، وهو بكاء اشتياق ومحبة وإجلال مصاحب للخوف والخشية ، ولما مات ابنه إبراهيم دمعت عيناه وبكى رحمة له وقال : « تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون » ، وبكى لما شاهد إحدى بناته ونفسها تفيض ، وبكى لما قرأ عليه ابن مسعود سورة النساء ، وانتهى فيها إلى قوله تعالى : ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴾ [ النساء : 41 ] ، وبكى لما مات عثمان بن مظعون ، وبكى لما كسفت الشمس وصلى صلاة الكسوف ، وجعل يبكي في صلاته وجعل ينفخ ويقول: « رب ألم تعدني ألا تعذبهم وأنا فيهم وهم يستغفرون ونحن نستغفرك » ، وبكى لما جلس على قبر إحدى بناته ، وكان يبكي أحيانا في صلاة الليل.
والبكاء أنواع :
أحدها : بكاء الرحمة والرقة.
والثاني : بكاء الخوف والخشية،.
والثالث : بكاء المحبة والشوق.
والرابع : بكاء الفرح والسرور.
والخامس : بكاء الجزع من ورود المؤلم وعدم احتماله.
والسادس : بكاء الحزن .
والسابع : بكاء الخور والضعف.
والثامن : بكاء النفاق ، وهو : أن تدمع العين ، والقلب قاس ، فيظهر صاحبه الخشوع ، وهو من أقسى الناس قلبا.
والتاسع : البكاء المستعار والمستأجر عليه كبكاء النائحة بالأجرة فإنها كما قال عمر بن الخطاب : تبيع عبرتها وتبكي شجو غيرها .
والعاشر: بكاء الموافقة ، وهو: أن يرى الرجل الناس يبكون لأمر ورد عليهم فيبكي معهم ، ولا يدري لأي شيء يبكون ، ولكن يراهم يبكون فيبكي ” .

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: