large_news_MOHAMED-HNID-620x325

القوميون والمؤامرة وآخر أوراق التوت بقلم محمد هنيد

تتنزل هذه القراءة في إطار الكشف الكبير الذي منحته ثورة الحرية للوعي العربي الجمعي سواء القاعدي منه أو النخبوي بأن نسفت الجزء الأكبر من قناعات هذا الوعي وعرّت الزيف الذي كان يغطي كثيرا من أطرافه وحشاياه.

أبرز الفواعل الوظيفية في هذا الوعي هو مبدأ “الإيهام” أو “التوهيم” الذي كان يقنّع السواد الأعظم من البنى الفكرية والتيارات الايديولوجية وقد فاجأتها رياح ثورات الغضب العربية وفاجأت صمتها المريب وركونها الأكثر ريبة. الصدمة الأكبر تطورت آثارها وفعلها مع تقدم المسار الانتقالي للموجات الثورية ثم مع ردود الأفعال المتوحشة للدولة العربية العميقة بأذرعها الأمنية والعسكرية والمالية وامتداداتها الخارجية الحاسمة في مصير الشعوب وثوراتها.

القوميون أو التيار القومي هو آخر الأشكال الأيديولوجية التي عرّاها ربيع المسحوقين من أبناء الطبقات الفقيرة وشباب الأرياف المنسيّة ورجال أحزمة الفقر والموت التي تلف أسوار مناطق العرب الخضراء الكثيرة. آخر إبداعات ما تبقى من الفكر القومي- الذي لم يبق داخله غير قدامى المسترزقين من الشعار على خوائه- هو نعت الربيع العربي بالمؤامرة بل إن بعضهم ممن ربط صلات وثيقة بالاستبداد وبأنيابه الضاربة قد نعته “بالربيع العبري” في الوقت الذي صرّح فيه النظام السوري والنظام الليبي أن أمنهما من أمن الكيان الصهيوني في قلب ثورة الشعبين السوري والليبي على السفاحين الذين حكمهما.

“المؤامرة” هي آخر أوراق التوت التي يتخفى وراءها ما سمّي بالفكر القومي الذي خُلق من أجل إيهام الجماهير “بالثورة والحرية والمقاومة والتقدمية…” لكن عندما جاءت الثورة وجاءت الحرية وتقدمت الشعوب زاحفة أمام قلاع الطغاة خرج غربان الشؤم مُلوّحين بالمؤامرة التي تستهدف العروبة و”الجيش العربي السوري”. هذا الجيش تحوّل بيدقا وضيعا في يد المخابرات الإيرانية من أجل ذبح شعبه وتشريده بالملايين على أرصفة الشوارع الأوروبية والتركية واللبنانية.

المقاومة والتقدمية والعروبة الزائفة… التي تمسحت طويلا على أحذية الطغاة والمستبدين والزعماء العرب انكشفت خنجرا إيرانيا في وعي الشعوب وجزءا مكينا من بنية الدولة العميقة لقدرتها الكبيرة على تزييف الوعي والإيهام بالمقاومة وبالحرية وبالنضال.

لقد عاشت الأمة عقودا من الزمن تحت حكم الشعارات القومية منذ انقلاب المغامر البائس عبد الناصر على رفيقه محمد نجيب الذي انقلب بدوره على الملك فاروق بأوامر بريطانية عليا ليمنع مصر من تجربة الملكية الدستورية الناشئة ويدخل بها في نفق العسكر المظلم الذي لم تغادره إلى اليوم. عسكر مصر كما هو حال عسكر سوريا وعسكر صدام وعسكر الجزائر وعسكر ليبيا إنما هي أغلال في رقاب الشعوب لم تنتصر يوما في حرب بقدر ما منعت نهضة شعوبها وحولتها إلى “قطعان من العبيد” قبل أن تقصفها بالبراميل الإيرانية وتضرب المدارس بالغازات السامة باسم العروبة والتقدمية والوحدة العربية.

كانت الفكرة القومية ورغم جذور نشأتها المشبوهة داخليا وخارجيا فكرة براقة رومانسية حالمة سرعان ما اكتسحت ككل فكرة جديدة عقول الشباب العربي الخارج للتوّ من محرقة الاستعمار التي تجاوزت القرن من الزمان. هذه الفكرة المؤسَّسة على شعارات لا يستطيع أحد الطعن في صدقها كشعار الوحدة العربية وشعار محاربة الصهيونية وشعار المقاومة والتقدمية والنضال من أجل الحرية… تمكنت من الوصول إلى الحكم في العراق وسوريا وليبيا ومصر وأثرت بعمق في الكثير من الأقطار العربية الأخرى.

لكن عقودا من حكم الفكرة القومية داخل حدود الدولة القطرية كان كافيا لينكشف عن أشرس الأنظمة الدموية في التاريخ الحديث ولم تكن الفكرة القومية على نبل مبادئها غير واحدة من أوراق التوت التي تغطي مرض الزعامة وتغوّل الأنا واحتقار الآخر وكل أشكال العنتريات البائسة عند كل من تداول على الحكم باسمها.

في مصر ورغم كل المجازر التي ارتكبها نظام العسكر الانقلابي في حق ثورة 25 يناير- لا في حق الإخوان كما يحاول إيهام الناس بذلك- لا تزال الأبواق القومية وما تبقى منها تدعم إجرام فرق الموت التابعة للعسكر والموالية علنا للكيان الصهيوني وأجندته في المنطقة. في ليبيا ورغم ما خلفه نظام العقيد من مآسي يطول حصرها ورغم سنوات الرعب والإرهاب الأعمى التي كانت تمارسه كتائبه ولجانه الثورية في حق الليبيين لا تزال نخب البقايا القومية تسبح بحمد القائد. أما في سوريا فقد قدّم النظام الطائفي هناك درسا تاريخيا في القدرة على التوحش والموت بشكل قلّ نظيره عبر كل صفحات التاريخ السوداء قديما وحديثا.

إن فضل محمد البوعزيزي على هذه الأمة لم يكتمل بعدُ ولكنه حقق لوعينا العربي الجديد انجازا عظيما بأن كشف في أقل من نصف عقد من الزمان ما كنا نحتاج عقودا أو قرونا لفهمه أو لتصديقه. ليس العيب في أن يخطئ الإنسان فهذه سنة الله في عباده لكن قمة المكابرة والتضليل أن ينكفئ المرء مسترزِقا حدّ الموت على فكرة هو أعلم بزيفها وبفسادها وبأنها صارت إلى عكس ما خُلقت له ولم يبق منها غير شعارات جوفاء خاوية تردد صدى هزائمها وارتدادات نكساتها المتعاقبة.

رحم الله البوعزيزي فقد كان أكبر من القومية والشيوعية واللبرالية والعلمانية مجتمعين وهو لم يرفع شعارا قط ولا هدّد برمي إسرائيل في البحر أو حرق حيفا وما وراء حيفا. لقد كان كبيرا صامتا صلبا ومُنجِزا بحجم آمال هذه الأمة التي لن تموت.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: