عبد الرزاق بن العربي

المخطط الأول لتقسيم العالم الإسلامي …. وثيقة كامبل السرية عام 1907( تدوين عبد الرزاق بن العربي)

ظل الغرب يتابع بحيرة توسع الدولة العثمانية في اتجاه أوروبا وأمريكا وإفريقيا وآسيا وفي ذات الوقت تعانى أوربا من انحدار على جميع الأصعدة.  ومن خلال دراساته للتطورات الجيوسياسية في المنطقة تبين للغرب ظهور علامات شيخوخة الحكم الإسلامي ومنها خاصة :

  • نظام حكم الخلافة الإسلامية ظل تقليديا لم يواكب التحولات العميقة التي شهدها العالم وصارت الخلافة شكلا بلا مضمون واختزلت الدولة في رمزية الملك التي حجبت لسنوات ضعف الأداء وغياب المشروع المستقبلي وقوة الردع الإسلامية.
  • انفصال القيادة عن هموم الشعب واتساع الهوة بين النظام واتساع رقعة الخلافة بالإضافة إلى غياب برامج تواصلية مع الشعب مع وجود وسائل الإعلام في يد المسيحيين
  • غياب مشروع نتموي يحدد أهداف وبرامج وخطط عمل ترتقي بالإقتصاد وتنمي الموارد لبشرية من أجل إكتساب العلوم والتكنولوجيا وفرض إستقلالية الدولة عن الأجنبي…
  • غياب منظومة إنتاج لتلبية حاجيات المواطنين المتزايدة وفى المقابل تطورت نفقات الدولة التي اعتمدت على توريد كل ما تحتاج إليه من معدات ومواد

ورغم حجم مداخيل الدولة العثمانية من الجباية والخراج فإن نفقاتها تزايدت وصارت تقترض من الخارج لتغطية نفقاتها الإستهلاكية.

وأمام اكتشاف الغرب في بداية القرن العشرين النفط الإسلامي أصبحت مسألة القضاء على الخلافة الإسلامية ضرورة إستراتيجية لوقف انتشارها ومنع توحدها ولسرقة ثرواتها. فقد أدرك الغرب أن المنطقة الإسلامية من أقصى الشرق الى أقصى الغرب تضم أكبر مخزون للنفط في العالم وبدأ الصراع بين الدولة العالمية الفتية الولايات المتحدة وبين دول أوروبا الباردة في السيطرة على منابع النفط. والغرب يعلم أن أي دولة بمفردها عاجزة عن تحقيق هدف هدم الخلافة الإسلامية ولا بد من حشد دولي واسع لتفك دولة الإسلام وتقاسم النفوذ فيها.

وفي هذا الإتجاه قام حزب المحافظين البريطاني عام 1905 بتوجيه الدعوة الى كل من فرنسا وهولندا وبلجيكا واسبانيا وإيطاليا لعقد مؤتمر يتم من خلاله وضع سياسة إستعمارية تجاه العالم الإسلامي وخارطة طريق إستراتيجية لقطع شماله عن جنوبه ولتقسيم العالم الإسلامي الى دويلات إقليمية وغزله عن بقية العالم وإحداث حالة عدة الإستقرار وعدم امتلاك أسباب القوة وصولا الى زرع كيان غريب في قلب العالم الإسلامي يحقق ثلاثة أهداف أساسية :

 

  • أن يكون هذا الكيان معاد للإسلام والمسلمين ومستعد للقيام بكل شىء من أجل التوسع وخلق حالة من غير الإستقرار في المنطقة وإلهاء شعوب المنطقة بمواجهته من أجل فصل نهائي لشمال العالم الإسلامي عن جنوبه حتي يسهل تقسيم المقسم وتفتيت المفتت
  • أن يكون هذا الكيان علماني موالي للغرب متبنيا للقيم الغربية ومدافعا عنها وأن يقيم الغرب معه شراكة إستراتجية متميزة عن بقية دول المنطقة وتمكينه من التفوق المدني والعسكري والعلمي والتكنولوجي وصولا إلى تمويله وتدريبه ومشاركته في عدوانه على جيرانه
  • أن يكون هذا الكيان معترف به دوليا وخالق لحالة من عدم التوازن الدائم في المنطقة الإسلامية بحيث لا يمكن إعادة توحيد الأمة الإسلامية إلى الأبد وأي مقاومة لهذا المشروع يقع صحقها بكل الوسائل باعتبارها اعتداء عن الشرعية وبالتالي فهو إرهاب مخالف للقانون الدولي والمعاهدات.
  • وفي عام 1907 أنبثقت وثيقة  سرية عن هذا المؤتمر سموها “وثيقة كامبل” نسبة الى رئيس الوزراء البريطاني  آنذاك هنري كامبل بنرمانوقبل التطرق الى وثيقة السير هنري كامبل بنرمان رئيس وزراء بريطانيا (1905-1908) لا بد لنا أن نتوقف عند محطتين رئيستين من محطات التاريخ  حتى تتضح لنا الصورة كاملة
    الأولى : المؤتمر الصهيوني الأول
    لقد تم عقد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل السويسرية  عام 1897 بمشاركة كافة ممثلي الجاليات اليهودية في العالم من أجل إنشاء وطن قومي لليهود بزعامة ثيودور هرتزل  وتم اتخاذ القرارات التالية :
    • إن هدف الصهيونية هو إقامة  وطن قومي  للشعب اليهودي  في فلسطين بالوسائل التالية . تشجيع  الهجرة اليهودية الى فلسطين . تنظيم اليهود  وربطهم بالحركة الصهيونية . واتخاذ السبل والتدابير للحصول على تأييد دول العالم للهدف الصهيوني وإعطا ءه شرعية دولية.
    • تشكيل المنظمة الصهيونية العالمية بقيادة ثيودور هرتزل
    • تشكيل  الجهاز التنفيذي ” الوكالة اليهودية ” لتنفيذ قرارات المؤتمر  ومهمتها جمع الأموال في صندوق قومي لشراء الأراضي وإرسال المهاجرين لإقامة  المستعمرات لليهود في فلسطين
    بعد انتهاء أعمال المؤتمر الصهيوني الأول خرج ثيودور هرتزل على الصحفيين والإبتسامة العريضة تعلو شفتيه وقال لهم لقد قررنا إنشاء الوطن القومي لليهود وقد تضحكون إذا أخبرتكم أن هذا الوطن سيتحقق خلال خمسة أعوام وعلى الأغلب خلال خمسين عاماً على الأكثر .
    وفي عام 1948 تم الإعلان عن إنشاء دولة إسرائيل في أرض فلسطين المقدسة في قلب العالم العربي وفي قلب العالم الإسلامي.

    الثاني : السلطان عبد الحميد بن عبد المجيد
    قام ثيودور هرتزل بإرسال رسالة الى السلطان  عبد الحميد الثاني وهذا نصها ” ترغب جماعتنا  في عرض قرض متدرج من عشرين مليون جنيه استرليني  يقوم على الضريبة التي يدفعها اليهود في فلسطين الى جلالته . تبلغ  الضريبة التي تضمنها جماعتنا  مائة ألف جنيه  استرليني في السنة الأولى  وتزداد الى مليون  جنيه استرليني سنويا ويتعلق هذا النمو التدريجي  في الضريبة بهجرة  اليهود التدريجية الى فلسطين. أما سير العمل  فيتم وضعه في إجتماعات شخصية تعقد في القسطنطينية . مقابل ذلك يهب جلالته الإمتيازات التالية …
    الهجرة اليهودية الى فلسطين التي لا نريدها غير محدودة فقط بل تشجعها الحكومة السلطانية بكل وسيلة ممكنة  وتعطي المهاجرين اليهود الإستقلال الذاتي . المضمون في القانون الدولي وفي الدستور والحكومة وإدارة العدل في الأرض التي  تقرر لهم دولة شبه مستقلة في فلسطين ويجب أن يقرر في مفاوضات القسطنطينية  الشكل المفصل  الذي ستمارس به حماية السلطات في فلسطين اليهودية وكيف سيحفظ اليهود أنفسهم النظام والقانون بواسطة قوات الأمن الخاصة بهم. وقد يأخذ الإتفاق الشكل التالي  يصدر جلالته دعوة كريمة إلى اليهود للعودة الى أرض آبائهم.

  • سيكون لهذه الدعوة  قوة القانون وتبلغ الدول بها مسبقاً.
    ولقد رفض السلطان عبد الحميد مطالب هرتزل  حيث جاء في رده ” إذ ان الإمبراطورية التركية ليست ملكا  لي وإنما هي ملك الشعب التركي فليس والحال كذلك أن أهب أي جزء فيها ….. فليحتفظ اليهود ببلايينهم في جيوبهم  … فإذا قسمت الإمبراطورية  يوما ما فقد يحصلون على فلسطين دون مقابل . ولكن التقسيم لن يتم إلا على أجسادنا ”
    وفي وثيقة تاريخية مكتوبة بيد السلطان  عبد الحميد الثاني  بعد خلعه هي عبارة عن رسالة الى شيخه الشاذلي  محمود أبي الشامات جاء فيها “إنني لم أتخل عن الخلافة الإسلامية  لسبب ما سوى أنني بسبب المضايقة من رؤساء  جمعية الإتحاد  المعروفة بإسم ( جون تورك) وتهديدهم اضطررت وأجبرت  على ترك  الخلافة. إن هؤلاء  الإتحاديين  قد أصروا وأصروا  علي بأن أصادق على تأسيس وطن قومي لليهود في الأرض المقدسة ( فلسطين ) ورغم إصرارهم  فلم أقبل بصورة قطعية هذا التكليف  وأخيراً وعدوا  بتقديم 150 مائة وخمسين  مليون ليرة انجليزية  ذهبا فرفضت هذا التكليف  بصورة قطعية أيضاً . وأجبتهم  بهذا الجواب القطعي الآتي ( إنكم لو دفعتم  ملء الأرض ذهباً  فضلا عن 150 مائة وخمسين مليون ليرة  انجليزية ذهبا فلن أقبل  تكليفكم بوجه قطعي أيضا) . وبعد جوابي القطعي  اتفقوا على خلعي . وأبلغوني أنهم سيبعدونني الى ( سلانيك ) فقبلت بهذا التكليف الأخير.  هذا وحمدت المولى وأحمده  أنني لم أقبل بأن ألطخ الدولة العثمانية والعالم الإسلامي  بهذا العار الأبدي الناشىء  عن تكليفهم بإقامة  دولة يهودية  في الأراضي المقدسة  فلسطين ”
    وثيقة كامبل السرية
    توصل المجتمعون الى نتيجة مفادها  ” إن البحر الأبيض المتوسط  هو الشريان الحيوي للإستعمار  لأنه الجسر  الذي يصل الشرق بالغرب  والممر الطبيعي الى القارتين الآسيوية  والإفريقية  وملتقى طرق العالم  وأيضا هو مهد الأديان  والحضارات والإشكالية  في هذا الشريان  أنه يعيش على  شواطئه الجنوبية  والشرقية  بوجه خاص شعب واحد  تتوفر له وحدة التاريخ والدين واللسان” وإن أبرز ما جاء  في توصيات هذا المؤتمر:- الإبقاء على شعوب هذه المنطقة مفككة جاهلة متأخرة : وعلى هذا الأساس  قاموا بتقسيم دول العالم بالنسبة اليهم الى ثلاث فئات
    الفئة الأولى : دول الحضارة الغربية  المسيحية ( دول أوروبا  وأمريكا الشمالية وأوستراليا ) والواجب تجاه هذه الدول  هو دعم هذه الدول  ماديا  وتقنيا   لتصل الى أعلى مستوى من التقدم والإزدهار
    الفئة الثانية :  دول لا تقع ضمن  الحضارة الغربية المسيحية ولكن لا يوجد تصادم حضاري معها ولا تشكل تهديداً  عليها ( كدول أمريكا  الجنوبية  واليابان وكوريا  وغيرها) والواجب تجاه هذه الدول  هو احتواؤها وإمكانية دعمها  بالقدر الذي لا يشكل تهديداً  عليها وعلى تفوقها
    الفئة الثالثة: دول لا تقع ضمن الحضارة الغربية المسيحية  ويوجد تصادم حضاري  معها وتشكل تهديداً  لتفوقها ( وهي بالتحديد  الدول الإسلامية) والواجب  تجاه هذه الدول هو حرمانها من الدعم ومن اكتساب العلوم والمعارف التقنية وعدم دعمها في هذا المجال  ومحاربة أي اتجاه من هذه الدول لإمتلاك العلوم  التقنية.

    –   محاربة أي توجه وحدوي  فيها :ولتحقيق ذلك دعا المؤتمر الى إقامة  دولة في فلسطين  تكون بمثابة  حاجز بشري  قوي وغريب ومعادي يفصل الجزء الإفريقي  من هذه المنطقة عن القسم الآسيوي  والذي يحول دون تحقيق  وحدة هذه الشعوب ألا وهي دولة إسرائيل  واعتبار قناة السويس  قوة صديقة للتدخل الأجنبي  وأداة معادية لسكان المنطقة.

  • لقد تم عرض مئات من البحوث ومن الدراسات والأوراق كثير منها لم يتم الكشف عنه. ولعل أكتشاف النفط في العالم العربي والى ظهور منافس قوي في هذا المجال ألا وهو الولايات المتحدة  قد سَرع في تنفيذ مقررات هذا المؤتمر من أجل السيطرة على هذه الثرة واحتلال العالم الإسلامي وتقسيمه . فنجم عنه اتفاقية سايكس بيكو  عام 1916 ووعد بلفور عام 1917 ومؤتمر فرساي  عام 1919 ومؤتمر سان ريمو عام 1920 ومؤتمر سيفر عام 1920 ومؤتمر  سان ريمو عام 1923  وتم تتويجه بقرار الأمم المتحدة الظالم رقم 181 بتاريخ 29/11/1947 القاضي بتقسيم فلسطين الى دولتين  عربية ويهودية  وإلغاء السيادة العربية على القدس وتبعه بتاريخ 15/5/1948 وثيقة إعلان دولة إسرائيل وبتاريخ 11/5/1949 تبوأت إسرائيل مقعدها في الأمم المتحدة بصفتها العضو 59 في المنظمة الدولية.ولا بد للإشارة أنه أعقاب الحرب العالمية الثانية بدأ صعود نجم الولايات المتحدة الأمريكية بسرعة مذهلة من جراء دورها فى هزيمة النازية والفاشية، “فقد كان للولايات الفضل الحاسم فى إنقاذ أوربا من هزيمة نكراء على يد ألمانيا واليابان وإيطاليا فى الحرب العالمية الثانية التى كانت تستهدف حرمان الدول الأوربية التقليدية من مستعمراتها وفرض نموذجها وسيطرتها على هذه المستعمرات بل على العالم أجمع

    لقد استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية أن تحدث تغيرًا ملحوظًا فى توازنات القوة العسكرية والاقتصادية، وأن تحيل أوربا إلى التبعية لأمريكا، فقد كانت سنوات الحرب الست (1939 – 1945) فترة التحول الفعلى لأمريكا من موقع الوصيف لبريطانيا إلى مرتبة الصدارة والأكيد أن تفتك الملفات الإستراتيجية من طاولة بريطينيا…

    وقد ثبتت دعائم أمريكا بعد الحرب باعتبارها قوة عالمية أولى على حساب قوى الاستعمار التقليدية سيما وأن الحرب العالمية الثانية قد تركت فراغًا فى مراكز القوة الأوربية  فقد تدمرت القاعدة الصناعية الألمانية وأرهق الصراع كلاً من بريطانيا العظمى وفرنسا، وهذا الوضع أخلى الساحة للاتحاد السوفياتى، والولايات المتحدة لتحتلا مراكز القوة، وكلتاهما تعارض الأخرى.

    لقد كان لأمريكا هدفين أساسيين الهدف الأول هو مزيد السيطرة على الدول الإسلامية وتقسيمها ومنع نهضتها وقد سقى لترسيخ الإنقسام والضغط على الدول الأروبية لمنح إستقلالها في إطار الدولة القطرية الضعيفة وغير المتوازنة في حين عارضت كل عمل وحدوي يجمع العرب أو المسلمين والهدف الثاني هو الحصول على نفط رخيص الثمن من منطقة الخليج العربى وخصوصا من العربية السعودية.

     وخلا ل فترة القوة الأمريكية وطدت أمريكا علاقتها الإستراتيجية بالصهاينة لتنفيذ تقسيم الأمة الإسلامية ونشطت الحركة الصهيونية في تذكير الدول الكبرى بتنفيذ وعد بلفور وأخذت تذيع على العالم مجازر النازية الهتلرية التى كان العالم ولا يزال قريبًا منها وراحوا يستثيرون الشعب الأمريكى عليها حيث بدت الدعاوى الصهيونية أمام الرأى العالم الأمريكى وكأنها حجج قانونية عادلة.

  • وتعتبر العلاقات الأمريكية الصهيونية ظاهرة فريدة من نوعها حيث ترتبط قوة عالمية كبرى بدولة صغيرة ارتباطًا لم يحدث له مثيل فى تاريخ العلاقات الدولية الأمر الذى دفع الكاتب “ستيفن غرين” إلى وصفها بقوله “لم تقم أية علاقة مشابهة مع دولة أخر، علاقة يزود الأمريكيون إسرائيل بموجبها بكل التكنولوجيا المتفوقة وآلة الدمار والتستر على جرائم الكيان الصهيوني.أردنا تقديم هذه الورقة ليعلم أبناء امة الإسلام أن مقاومة الإرهاب هي ذرائع لدفع الأمة للإستسلام والقبول بالواقع وأكبر مثال على ذلك هو تدمير العراق تحت ذريعة وجود أسلحة دمار شامل ومثال ثانى و الإلتفاف على ثورات الربيع العربي وجعلها نقمة على الشعوب حتي تطالب بالأنظمة القديمة المرتبطة بالإحتلال… والهدف الإستراتيجي للأمركان والغربيين ومن حالفهم هو منع وحدة أمة الإسلام حتي لا تصير لها دولة إسلامية موحدة وقوية وحرة…
  •  عبد الرزاق بن العربي
  • رئييس حزب العدالة والتنمية تونس

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: