المساجد بين التغريب و التحييد.. (بقلم رانية الذوادي)

تعالت في الآونة الأخيرة أصوات المغرضين المنظّرين لعدم وجود علاقة بين الدّين و السياسة و أنّ الإسلام جاء لتنظيم علاقة العبد بربه فحسب، و أنّه لا علاقة للمساجد بسياسة المجتمع أو بتنظيم أمور المجتمع المسلم.

و لكنّ الحقيقة أن نظريّتهم، النابعة من حقدهم على الإسلام، باطلة و مردودة عليهم بالحجّة و البرهان، فالإسلام “دين و دولة”، و هو عبادة و سياسة و كلّ من ينظّر لعكس ذلك هو رويبضة يتكلّم فيما لا يفقه.

فالنظرية التي يروّج لها المنتسبون للعلمانية اليوم بمطالبتهم فصل الدين عن السياسة و تحييد المساجد عن تسيير أمور المسلمين، تتعارض مع ما جاءت به آيات القرآن الكريم، ففي النصوص القرآنية نجد آيات كثيرة تنظّم حياة المسلمين و تؤسّس للقواعد الأساسية التي تقوم عليها الدولة الإسلامية، و آيات عديدة فصّلت أمور السياسة و تسيير الحكم، و رسمت نهج التعامل مع الرعيّة لولاّة أمور المسلمين، و بيّنت أن “السياسة من صميم الدين”.

و استشهد هنا بآية الله عزّ و جلّ التي خاطب بها الرسول صلى الله عليه و سلّم و قال تعالى في سورة النساء الآية 105: { إِنَّا أنْزَلنَا إليكَ الْكِتابَ بِالحقِّ لِتَحْكمَ بينَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ الله و لا تَكُنْ لِلخَائنين خصيمًا} .
كما نزّل الله آيات كثيرة فصّلت أحكام القصاص و إقامة الحدود و الزنا و الحقوق المالية و العينية…

و لدحض إدّعاءات المغرضين، لنا في مسجد الرسول صلى الله عليه و سلم بالمدينة المنوّرة أبرز نموذج، إذ يلخّص مهمّة المسجد في حياة المسلمين، حيث كان مسجد الرسول محور حياتهم و نشاطهم و دار التشريع و مقرّ قراراتهم في فضّ النزاعات و ترتيب خطط غزواتهم و حروبهم، فالمسجد لم يكن معزولا عن الحركة الجهادية أيضاً، فكان نقطة انطلاق الجيوش لنصرة الدين و إعلاء راية لا إله إلاّ الله.

و المساجد التي تسعى جهات مدفوعة الأجر، خبيثة النوايا، للمطالبة بتحييد دورها عن سياسة المجتمع، كانت لقرون عديدة قلاع الإسلام المنيعة التي حمت المسلمين و احتضنت دينهم بشهادة العلماء و حتى القادة المنهزمين في حروبهم مع جيوش المسلمين.

و لذا كان من الأجدر لأُولي أمورنا أن يعزّزوا دور المساجد في تسيير أمور الرعيّة و أن يعلموا أنّ مهمّة حفظ المساجد تقع على عاتقهم قبل عاتق الرعيّة.
و لكنّ السياسات الخارجية تزعجها حنكة و فطنة “المسجد” في تسيير أحوال المسلمين و تعلم جيّدا أنّ المسجد إذا ما أخذ موقعه الأصلي و أدّى دوره المناط به فسيصحّح مسيرة المسلمين الحضارية و المدنية. لذا نجدها تسعى بواسطة عملائها في الداخل لتنظيم حلقات حوار على غرار “الحمار الوطني” الذي وضع على لائحته بندا لا بدّ من تحصيله ألا و هو حصر دور المسجد في تعليم قواعد الوضوء و نواقضه و آداب الجوار و التآخي و صلاة العيدين و صلة الرّحم.. فصارت المساجد متاحف لعرض فنّ العمارة تدوسه نعال السائحين و دورا منظّمة بمواقيت فتح و إغلاق لأداء الصلاة..

و شاء أم أبى أعداء الدين، فسيظلّ للمساجد، التي كانت مركز الدعوة و التبليغ، دورُها الأعظم في الإصلاح و التوجيه و تأسيس الدولة الإسلامية التي يشهد العالم على عظمة حضارتها.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: