“المسار الثوري بين المطرقة والصندوق” .. بقلم عمر بوزيد

تشهد الحياة السياسة حركية و ديناميكيةغير معتادة…بعد 4 سنوات من هروب رأس النظام و زوجته خلال ثورة وحراك شعبي حطم كل مقياس و قاعدة ظنناها أزلية..هي ثورة إنهارت أمامها كال نواميس الخوف و قوانين الظلم و أحكام الدكتاتورية و الإستبداد..هو حراك فاجئ القوى الدولية قبل المحلية التي لطالما كانت الداعم الوحيد لهذا النظام من قبل عملية تجميل أرادت بها حركة تمويه على الشعوب زعما منها دعم الثورات.. .هو شعب آلى على نفسه القسَم فوق القسَم على أن لا يركع للظلم والذل و الهوان..هي أرض ارتوت بالدم الشهداء فتأبى إلى أن تكون منبع حق..

فبعد 4 سنين نجد أنفسنا أمام “نخبة” سياسية تزعم أنها تمهد لرسم ملامح حياة سياسية جديدة من خلال انتخابات تشريعية و رئاسية. و على هذا الأساس تدق الأحزاب أجراس العمل و تعلن ساعة الزحف من بعد سبات…لهذا نشهد ارتفاعا في وتيرة الأعمال الحزبية و التحركات الميدانية والإعلامية تكاد تصل الليل بالنهار و لا ننسى طبعا التحالفات أو الصفقات…كل هذه الأعمال تتم  بانسجام تام و توافق غير مسبوق من الطبقة السياسية نحو السير في هذا المضمار و الدفع إلى الأمام في أسرع وقت ممكن ففي تصرح لحسين عباسي “سنقوم بالانتخابات حتى و إن كان هناك أعمال إرهابية” و في سياق متصل صرح راشد الغنوشي”إن فزنا في الانتخابات سنتحالف مع العلمانيين والتجمعين” في رسالة منه لطمأنة هذه الأطراف.

لكن كل هذا يحدث بمنئ عن هذا الشعب فالحركية و الديناميكية التي تشهدها الحياة السياسية تقابل ببرود شعبي و لا مبالاة ناتجة عن وعي بطبيعة هذه الانتخابات باعتبارها آخر منعرج أمام ثورة 14 جانفي قبل تعليب الثورة وطمس أهدافها و تعليب الشارع و كل الطاقات الحية في هذا الشعب و من ثم تغليب الطابع الرسمي للدولة القديمة و إعادة ترسيخها بترسيخ النظام القديم الذي تم رسكلته من جديد تحت عدة عناوين لكن هذه المرة تتم وفق خارطة طريق ترسم على مائدة السفراء و دول إقليمية تسهر على رعاية هذا المسار…هذا من ناحية منهجية.

أيضا هناك أسباب أخرى لرفض الناس هذا المسار؛ و من أبرزها العودة السافرة و الرجوع الكاسح لرموز النظام البائد مرفقة بخطاب متعجرف يرمي لإلغاء ما سمي ثورة من الأساس فمن بعد غياب فترة من الزمن تطل علينا وجوه كالحة

تطالب الشعب بالاعتذار من أزلام النظام السابق و أخرى تناشد مجرم القرن في تعدي صارخ لشهداء ثورتنا بقصيدتها”أنا البايدة بنت البايد” و ٍخر يرشح نفسه لمنصب رئاسة الجمهورية خلفا ل”عرفو بن علي ” و هم نفسهم من كانوا عنوانا للظلم و البطش و الاستبداد نعم هم نفسهم من رفع ضدهم الشعب شعار “يسقط جلاد الشعب يسقط الحزب الدستوري“.

و قد إنتبه الشعب لما شهده هؤلاء من انتعاش وقد عادت لهم أنفاس الحياة في عهد حكومات النهضة التي خيرت عدم محاسبة الفاسدين وظلت تغني بعدالة انتقالية عقيمة تذر بها الرماد في عيون المشككين بل احتضنت الحركة رموزا من النظام داخل حزبها ورحبت بهم ما داموا سيعملون معها وان كانت أيديهم وافواههم وعقولهم ملطخة بالدكتاتورية المقيتة وبالتاريخ الأسود .

أيضا هناك أسباب و قضايا لم يتم البت فيها بعد..قضايا خطت عناوينها بدماء أهل البلاد ولا يمكن التحدث عن انتخابات أو التنظير لمرحلة استقرار قادمة دون الفصل فيها.

فتبعا لما نعيشه هذه الأيام تطرح قضية استمرار التعذيب بعد الثورة في الإيقاف و السجون بقوة خاصة بعد وفات مواطنين تونسيين تحت التعذيب الأول هو محمد السنوسي الذي أكدت المنضمة التونسية لمناهضة التعذيب على لسان رئيستها راضية النصراوي أنه تعرض للضرب و خلع ملابسه من الفرقة 17 و الذي تدهورت حالته بعد إيقافه أما المواطن الثاني فيدعى علي اللواتي الذي توفي جراء التعنيف الوحشي من أعوان السجون..و مع الصمت المريب للسلطة والأحزاب و السياسيين و المنضمات الحقوقية شاب أخر يدعى محمد الناصر بشير يقبع تحت التعذيب في سجن المرناقية في طريقه إلى الموت و حالته تتدهور…لم نعد نعلم هل نتحدث عن ثورة سميت ثورة الكرامة لتقديسها حرمة الجسد أم عن سجون غوانتنامو و أبو غريب .

و مع فضاعت هذه الأفعال و الممارسات الإجرامية نرى الإعلام يسعى إلى تبريريها و تبيضها مع وضوح أثار التعذيب على أجساد الضحايا إلا أن وزارة الداخلية تعلن أن سبب الوفاة هي جرعة مخدرات زائدة و تلقى هذه الأخيرة دعما في تصريح عماد الحمامي أحد قيادات حركة النهضة ”لا يجب التشكيك في تقرير الطب الشرعي و في كلام الداخلية“

 

أما شهداء وجرحى الثورة فقد بقيت حقوقهم وحقوق عائلاتهم محل مزايدات ووعود وأماني وأحكام قضائية هزيلة قوبلت ببعض التنديد الأجوف ولكنها قبلت في نهاية المطاف فكأننا نلوم جرحانا على يوم اقبلوا فيه على الموت بصدور عارية حتى يعيش بقية إخوانهم من الشعب في كنف العز والكرامة وليس بالغريب ان يتنكر لهم أمثال السبسي بل لعله يلعنهم في سره وبعض جهره ولكن الادهى والأمر ان تتنكر لهم حركة النهضة وهم من الأسباب التي سخرها الله حتى عادت الحركة الى أجواء النشاط السياسي ومن ثم الى الحكم .

 

 

تونس بلد الإرهاب المنظم والمسيس بامتياز نعم تلك أيضا من العناوين الكبرى التي يوضع فوقها العديد من نقاط الإستفهام و تفرض العديد من التساؤلات فيجب البت فيها..فقد كان الإرهاب على موعد مع افراد من الجيش التونسي رحمهم الله كما انه طال وجوها سياسية ولكنه كان في كل مرة يأتي متزامنا مع حدث سياسي بارز فيتغير بعد العمليات الإرهابية وجهة المسار السياسي مطيحا بحكومة الجبالي في مرة ومن أسباب الحوار الوطني الذي أطاح بحكومة العريض في مرة أخرى حوار وطني اعطى سلطة لرباعي راعي للحوار دور سياسي لم يمنح لها القانون او الدستور او الثورة بل “ارهابيون” يعملون في هدف وزمن ولغاية معلومة هي سياسية بامتياز .

 

نعم هناك العديد من القضايا التي لا يمكن المرور عليها مرور الكرام أو الدوس عليها في مستنقع الانتخابات للمرور إلى المرحلة المنشودة…قضايا المحاسبة,دم الشهداء,الأموال المنهوبة ,قضايا الثروات,قضايا التزوير,مسألة الارتهان للغرب على المستوى السياسي أو الاقتصادي…

كل هذه القضايا تحول بيت الشعب و ما ترسمه له الطبقة السياسية متفقا في العقل الجماعي للمجتمع على مقاطعة تعلن رفض مسار إخماد الثورة.

بقلم عمر بوزيد – مدوّن و ناشط سياسي –

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: