المصالحة مع الزّعيم: التّاريخ لا يعيد نفسه إلا في شكل مهزلة.. (مقال/ سامي براهم)

إعادة تمثال ” الزّعيم ” إلى قلب العاصمة من جديد بقرار سياسيّ لن يغيّر من حقيقة مفادها أنّ الثّورة قامت على ما أنتجته سياسات الزمن البورقيبي من تفاوت جهوى و تهميش اجتماعي و استبداد سياسي و حكم فردي و رئاسة مدى الحياة و انتهاك للحقوق و الحريات العامَّة و إقصاء للمعارضة ، سياسات استفحلت مع سلفه الذي حوّل البلد الى نظام بوليسي تتحكَّم فيه مافيات العائلات المتنفذة

نعم كان من قادة حركة التحرير الوطني و من مؤسسي دولة الاستقلال ، و من الذين ساهموا في إصلاح المجتمع ، لكنٌه لم يكن وحده ، رغم السرديات التي تريد أن تصبغ عليه صفات التفرّد و الانفراد بكلّ السجايا و المزايا و الفضائل ،

إن كان و لا بدّ من ذلك من منطلق الاحتفاء بالرموز التاريخية فليكن بعد العدالة الانتقالية التي ينتصف فيها ضحايا تلك المرحلة و يتصالحون مع ذواتهم و ذاكرتهم ، و ليساهم المؤرخون النزهاء في مساعدة التونسيين على هذه المصالحة بإعادة كتابة التّاريخ بالشّكل الذي ينصف كلّ الفاعلين و يظهر حقوقهم و مظالمهم حتّى لا تذهب طيّ الكتمان و النسيان في غمرة السرديات الرسميّة للتاريخ

لا نريد أن يعود تمثاله لملء الفراغ الحاصل في الطبقة السياسيّة و خدمة جهات بعينها تريد السطو على التاريخ و ” تراث الزعيم ” و احتكاره و توظيفه لتزييف وعي التونسيين من جديد ، و إضفاء مشروعية الاستمراريّة التاريخية على مشاريع سياسيّة لم تصنع لنفسها بعد برامج و رؤى و تصورات

التّاريخ لا يعيد نفسه إلا في شكل مهزلة ، فلنقاوم المهزلة

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: