da529ec0-b6b4-445e-bc2b-77d732a000ff

المضادات الحيوية: خطر قادم

من يوم إلى آخر يتزايد استهلاك المضادات الحيوية ذات الاستخدام البشري و الحيواني لتبلغ أرقاماً قياسية، مما جعل عدد من الدول و المنظمات تطلق صيحات فزع من هذه الآفة التي أصبحت تمثل تهديد حقيقي للإنسان. حيث أن ظهور كائنات دقيقة مقاومة لهذا العلاج يدفع بالمرضى إلى استعمال جرعات أكبر و يدفع بمصانع الأدوية إلى البحث على مضادات جديدة، و النتيجة ارتفاع استهلاكها و تنوع اشكالها و جزيئياتها لندخل في دورة مفرغة تداعياتها وخيمة على صحة الانسان و على البيئة أيضاً. التقرير العالمي الأول الصادر في شهر ابريل من سنة 2014 لمنظمة الصحة العالمية عن مقاومة المضادات الحيوية يكشف عن تهديد خطير يحدق بالصحة العمومية في جميع أنحاء العالم.

فقد شمل هذا التقرير دراسة اجريت على 114 دولة، و خلص إلى أن النتيجة قد تكون كارثية حول مستقبل الانسان محذرة من التهاون في التعاطي مع هذه المشكلة. و قد قال الدكتور كيجي فوكودا، المدير العام المساعد لدائرة الأمن الصحي، ” إذا لم يتخذ العديد من أصحاب المصلحة إجراءات عاجلة و منسقة في هذا الصدد سيسير العالم نحو عصر ما بعد المضادات الحيوية، حيث يمكن لحالات العدوى الشائعة و للإصابات الطفيفة التي يمكن علاجها منذ عقود من الزمان أن تحصد الأرواح من جديد”. “و طالما كانت المضادات الحيوية الناجعة من الدعائم التي تتيح لنا عمراً أطول و صحة أوفر، و تمكننا من جني ثمار الطب الحديث. و ما لم تتخذ إجراءات هامة لتحسين الجهود الرامية إلى الوقاية من العدوى و إلى تغيير الطريقة التي ننتج بها المضادات الحيوية و نصفها للمرضى و نستعملها أيضاً فإن العالم سيخسر الكثير و الكثير من هذه السلع الصحية العمومية العالمية و ستكون آثار ذلك مدمرة”

كشفت منظمة الصحة العالمية عن أن الأدوات الرئيسية للتصدي لمقاومة المضادات الحيوية، من قبيل النُظم الأساسية لتتبع المشكلة و رصدها، تشوبها ثغرات أو لا توجد أصلاً في العديد من البلدان. و في حين أن بعض البلدان اتخذت خطوات هامة لمعالجة المشكلة فإن على كل بلد و كل فرد بذل المزيد من الجهود في هذا الصدد. و تشمل الإجراءات الهامة الأخرى الوقاية من حالات العدوى، و ذلك، في المقام الأول، عن طريق تحسين التصحح، و إتاحة المياه النقية، و مكافحة العدوى في مرافق الرعاية الصحية، و التطعيم، بغية تقليل الاحتياج إلى المضادات الحيوية. و تدعو المنظمة أيضاً إلى الاهتمام بضرورة استحداث وسائل تشخيص و مضادات حيوية و أدوات أخرى جديدة من أجل تمكين مهنيي الرعاية الصحية من الاستعداد لمواجهة المقاومة المستجدة للأدوية.

في تونس الوضع خطير كما كشف وزير الصحة التونسي الذي أبرز أن استهلاك التونسي للمضادات الحيوية مرتفع جداً مقارنة ببقية بلدان العالم، داعياً إلى تقنين مجالات استهلاك المضادات الحيوية بمختلف أنواعها .

المضادات الحيوية ليس لها استعمال بشري فحسب بل أصبح استعمالها و بكثرة في الطب البيطري حيث تستعمل فرنسا سنوياً أكثر من 1,2 مليون كغ، 0,266 مليون كغ في بلجيكيا من المضادات الحيوية لعلاج الحيوانات من الاصابات بالبكتيريا التي غائباً ما تصبح مقاومة للعلاج فلا تضر فقط الحيوان بل تصيب بطريقة غير مباشرة الانسان عند استهلاكه للمنتوجات الحيوانية.

سواء أكان الاستعمال لعلاج الحيوان أو الانسان، و بعيداً عن التأثير المباشر لهذا العلاج على الصحة فإن هذه المضادات تنتهي في مجاري المياه السطحية، الجوفية و حتى في مياه الشرب (كما يبينه والرسم البياني التالي)
ليكون لها تأثير من نوع آخر ليس فقط على صحة الانسان بل على البيئة أيضاً. حيث اثبتت الدراسات التي قمنا بها مؤخراً عن وجود كميات كبيرة منها في السواحل التونسية و في محطة معالجة مياه الصرف الصحي التي أثبتت الأبحاث عدم قدرتها على إزالة هذه المواد، في حين أثبتت دراسات أخرى في العديد من الدول وجود هذه المضادة الحيوية في المياه السطحية و الجوفية.

___________________
***
أوجه نداء لمخابر البحث في العالم العربي و لمن يهمه الأمر للتعاون معاً قصد تشخيص الوضع في الوطن العربي و ذلك لجلب انتباه صناع القرار لاتخاذ الاحتياطات اللازمة لنكون السباقين في إيجاد الحلول و مجابهة المخاطر.
***

الدكتور الهادي بن منصور
أستاذ محاضر للتعليم العالي في علم السموميات
المعهد العالي للعلوم التطبيقية و التكنولوجيا بالمهدية – تونس

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: