“المعهد الوطني للإحصاء .. محاولات تزييف و أرقام مفزعة ” … بقلم الناشط السياسي فراس العيني

 

عقد المعهد الوطني للإحصاء في تونس ندوة صحفية يوم 14 أفريل 2015، طرح فيها العديد من الأرقام التي توصلوا إليها بعد إحصاء 2014 و بعد إتمام جميع الملفات المتعلقة به جاءت هذه النتائج متأخرة و رغم كارثيتها فهي على شاكلة الأرقام البنفسجية التي كان نظام المخلوع يسوقها و هي لا تعكس حقيقة الواقع الذي نعيشه على المستويين الاقتصادي و الاجتماعي.. يذكر الجميع كيف حصل الكثير من اللغط و التجاذب السياسي حول هذا التعداد  و تدخلت جهات سياسية نافذة في السلطة و خارج السلطة لتحول وجهته و تتحكم في نتائجه و تعتبر إقالة المدير السابق للمعهد الوطني للإحصاء جلال الدين بن رجب نقطة فارقة و حساسة تطرح الكثير من نقاط الاستفهام و تستدرجنا نحو التشكيك في الكثير من الأرقام و المعطيات خاصة إذا علمنا أن لجلال الدين بن رجب الكثير ليقوله و يكشفه من أرقام مفزعة حول الفقر الذي أصاب أكثر من نصف الشعب و حول نسبة الأمية و البطالة.. و رغم كل هذا فإن الأرقام التي طرحها المعهد الوطني للإحصاء في ندوته الصحفية الأخيرة فيها من المفزع و المخيف ما يجعلنا نطلق ناقوس الخطر و ندعو لوقفة حازمة لوضع حد للنزيف و الكوارث الاجتماعية التي تسببت بها ما تسمى الدولة الحديثة و ما تمخضت عنه من مجلات قانونية و تشريعات..
و رغم وجود كثير من الإخلالات الأكاديمية في عملية احتساب الكثير من الأرقام المتعلقة خاصة بالبطالة (كاحتساب نصف ساعة من العمل أسبوعيا، إعفاء للشخص من صفة عاطل عن العمل)، فإن البطالة آفة لازالت تلتهم الشباب التونسي حسب الأرقام التي أوردها المعهد الوطني للإحصاء. كما أن هذه الأرقام -التي يتوقعها كل متابع للشأن العام- معهودة و مألوفة على حالها كما هي متأزمة لا تسجل إلاّ الارتفاع و التدهور.

بالعودة إلى بدايات عملية التعداد توجه الكثير من السياسيين المخلصين و الأكاديميين النزهاء الذين لهم علاقة بموضوع التعداد و الكثير من الإعلاميين و المهتمين بالشأن العام توجه الكثير من هؤلاء إلى إنجاح التعداد السكاني و القيام به على أكمل وجه و بطريقة يمكن أن يقال عنها أنها نزيهة رغم بعض الثغرات الأكاديمية حتى يكتشف الرأي العام حقيقة الأزمة التي خلفتها الدولة الحديثة و تشريعاتها و قوانينها و حتى نقف على حقيقة الأوضاع التي لا طالما تم تزييفها و تلوينها باللون البنفسجي ليصور الوضع الذي يقف المخلوع زين العابدين بن علي على سياسته كأحسن ما يرام تحت شعار “بالأمن و الأمان يحيى هنا الإنسان” كان زخم الثورة التي نادت بالحقيقة طلبا للحق و بالكرامة طلبا لنهضة و رقي قد ألقى بظلاله على عملية التعداد لما فيه من كشف للحقائق و توثيق للأزمات لكن يدا خفية عملت على فرض التعتيم المعهود على الموضوع كما قامت بإقالة المدير السابق للمعهد الوطني للإحصاء جلال الدين بن رجب و استبداله بآخر يمكن تطويعه و ترويضه و تأخر الإعلان الرسمي عن النتائج و تقديم الأرقام حتى ماتت حرارة القضية و انفض عنها المتابعون و المهتمون و تجدر الإشارة أن تغيير المدير و بعض الإطارات الأخرى كان قبيل الانتخابات الرئاسية التي كان أبرز المشاركين فيها رئيس تونس الحالي الباجي قائد السبسي مرشح الدولة البورقيبية الحديثة و هو ما من شأنه أن يعكر عليه صفو حملته الانتخابية إذا ما صدرت بعض النتائج الفاضحة و المفزعة التي تدين دولته الحديثة المزعومة و تفضح خور توجه بورقيبي عقيم لا ينتج لا مدنية و لا حضارة.

و رغم كل التزييف الذي احترفه “رجال الدولة الحديثة” إلاّ أن الأرقام فاضحة مفزعة تفرض علينا ذلك التساؤل البديهي عن أي دولة حديثة يتحدّثون فنسبة البطالة لازالت ارتفاع مطرد خاصة لدى حاملي الشهائد العليا فالنسبة الجملية للبطالة بلغت 15 بالمائة و ترتكز النسبة الأعلى في البلاد في ولاية قفصة و النسبة الأقل سجلتها ولاية المنستير. أما النسبة التي ذكرتنا بالواقع المرير الذي نعيشه و بالكذبة الكبرى التي تسمى دولة حديثة فهي نسبة الأمية التي بلغت 18.8 بالمائة و أن هذه النسبة كانت في سنة 2004 تبلغ 23.3 بالمائة فالنسبة مرتفعة و تراجعها في 10 سنوات يعد طفيفا للغاية خاصة إذا علمنا أن نسبة المنقطعين عن مقاعد الدراسة يبلغون في كل سنة 107000 تلميذ.. فالشعار الذي اتخذه بورقيبة و هو إجبارية التعليم -و قد جعل أمرا مفروضا على كل حاكم على شكل الوجوب مزية يمن بها على هذا الشعب- تبين الأرقام زيف ما ادعاه، فتونس في سنة 2015 تبلغ نسبة الأمية فيها 18.8 بالمائة.

لا يبدو أن الحكومات المتعاقبة تلقي بالا لهذه الأرقام التي هي في حقيقتها ليست مجرد أرقام و إنما أزمات يعيش الشعب التونسي وطأتها شدّة و ألما و ضنكا بل بعض الإجراءات تجعلنا موقنين أن الحكومة لا تأخذ هذه الأرقام بعين الاعتبار فعلى سبيل المثال لا الحصر أقرت الحكومة 64 مشروعا تنمويا على مستوى بلديات و معتمديات ولاية المنستير التي تسجل النسبة الأقل للبطالة و في المقابل تعيش مناطق كقفصة و القصرين و مناطق الشمال الغربي التي ترتفع فيها نسبة البطالة تهميشا متعمدا متوارثا من حقبة إلى أخرى.

بقلم فراس العيني – ناشط سياسي –

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: