المعَدِّلُون على قرن مضى ( بقلم الدكتور محمد ضيف الله)

مكشّخ مثل سكان باب سويقة والحلفاوين ومئات الآلاف من التوانسة، أو حتى أكثر، لكن منذ مدة لم أعد أتابع أخبار الترجي، ولا حتى في الأحد الرياضي، لقد انشغلت خلال  السنوات الأربع الأخيرة، انشغال القوم عن الرياضة بالثورة أو السياسة أو المسار الديمقراطي أو هموم الوطن… اليوم لأول مرة وجدت نفسي أتابع مقابلة الترجي والنجم. هل تذكر اللاوعي فيّ أن الرياضة كما أريدت لنا هي الحياة أو فرحة الحياة وهي عنوان المواطنة الصالحة؟ أو أني استشعرت أن القادمين الجدد هم  أنفسهم من كانوا قبل أربع سنوات، حريصين على أن لا تتناول الأحاديث في المترو أو الحافلات الصفراء أو في المقاهي إلا الرياضة والرياضة فقط؟ وأنها كانت المجال الوحيد للحرية مع استثناء الحديث عن أصهار المخلوع ووزراء المخلوع ممن كانوا يتربعون على رأس الجمعيات الرياضية، وكذا تحاشي الحديث بصوت مرتفع عن الأرباح التي يجنونها من بيع وشراء اللاعبين، وما يقدمونه من رشاوي للحكام أو حتى للاعبي الفرق المنافسة.

بطبيعة الحال لا حديث آنذاك عن الأسعار عندما ترتفع، ولا عن تدهور المقدرة الشرائية، ولا عن البطالة، ولا كلام عن التعذيب والقمع والظلم والتنكيل، ولا حديث عن الرشوة والفساد.. فبحيث لم يكن هناك اتحاد شغل، والصحف كانت تخصص أغلب صفحاتها للرياضة والبقية لقلوب في جحيم وصدى المحاكم وحظك اليوم والسياسة العالمية، وعندما تتكلم في السياسة الداخلية فموضوعها الوحيد والمفضل هو إنجازات السيد الرئيس، وإن تكلمت عن الأحزاب فعن التجمع الدستوري وإن تكلمت عن الأحزاب الأخرى تبدأ بأكثرها تزلفا للمخلوع. وهذه الأحزاب نفسها عندما تعبر عن مواقفها تخصص ثلاثة أرباع البيان للحديث عن القضية الفلسطينية والبقية تثمن فيها الإجراءات الجريئة لصانع التغيير.

 

أيها القادمون الجدد. أتريدون أن تعيدونا إلى هناك، إلى تلك المزبلة؟ كلا لن تستطيعوا. وهل تعرفون لماذا؟ ببساطة لأنكم معدّلون على القرن الماضي، بما كان يعرفه من حرب باردة. أنتم معدلون على زمن الأسود والأبيض، على الزمن الذي لم تكن فيه إلا إ.ت.ت، زمن “توجيهات الرئيس” و”قافلة تسير” و”التنمية الريفية”… لا عودة إلى ذلك العار ولو حرصتم، ستعفط لكم الأجيال الجديدة، وستخسرون المعركة، بل ستخسرون آخر حروبكم، نحن الآن في القرن الحادي والعشرين، زمن الفيس بوك والفضاءات المفتوحة، والعالم القرية..

 

أيها القادمون الجدد. لن تقدروا على تسييج البلاد أو تجعلوا منها سجنا كبيرا، ولو حرصتم على إراقة  دماء كتلك التي أريقت ذات 26 جانفي أو ذات جانفي 84، أو أزهقتم أرواحا كتلك التي اصّعّدت في محلات الداخلية وفي جغرافيا السجون والزنزانات وفي المركب الجامعي. لن تستطيعوا أن تحاصروا الشعب ولا الشباب، ولو حرصتم على نصب المحاكم الجائرة، وأصدرتم الأحكام الثقيلة. ستخسرون آخر معارككم، هل تعرفون لماذا؟ لأنكم تخوضونها دفاعا عن أرباحكم أو أعرافكم أو تجسيدا لأحقادكم، وضحاياكم لا يملكون إلا قيودهم. نصيحتي أن لا تواجهوا الأجيال الجديدة، وإن فعلتم ستعبث بكم… لن يغرقوا مثلما تريدون في الرياضة، سيعفطون لكم..

محمد ضيف الله

9 نوفمبر 2014

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: