“المغرب”.. الدولة الناجية! / بقلم سليم عزوز

[ads2]
في محيط مظلم، تبدت المملكة المغربية، كنقطة ضوء تسر الناظرين!

في المحيط القريب، حيث الجزائر، وتونس، وليبيا، وفي المحيط البعيد، حيث مصر واليمن، يبدو للمراقب أنه أمام ظلمات بعضها فوق بعض، إذ أخرج يده لم يكد يراها، حيث جرى العصف بالربيع العربي، والمؤامرة عليه إقليمياً ودولياً، وصار النموذج الملهم، يستمد مكانته من كونه “أعور وسط عميان”، حيث لا يستطيع الحزب الحاصل على الأغلبية في تونس أن يشكل الحكومة، وحيث لا يوجد له ولو “والي” واحد في أربع وعشرين ولاية، وحيث كل ما أمكنه أن يحصل عليه من مكانة بعد أن انحازت له الإرادة الشعبية هو البقاء على قيد الحياة، والعيش بعيداً عن السجون والمعتقلات!

الجزائر ليست من بلاد الربيع العربي، ومع ذلك فهي تعاني وضعاً أكثر بؤساً، على كافة المستويات، كما تعاني وضعاً سياسياً مأزوماً، جعل ممن يعالج سكرات الموت منذ سنوات هو الخيار الاستراتيجي، لدوائر الثورة المضادة، ففرضته على الشعب الجزائري “قوة واقتداراً!

وفي وسط هذا الظلام الدامس، تأتي الانتخابات البرلمانية في المغرب، لتمثل بقعة ضوء في محيط مظلم، وقد جاءت في أجواء هادئة، من دولة التحمت القيادة السياسية فيها مع الربيع العربي، فقررت أن يكون التغيير بيدها لا بيد عمرو، وعندما يكون الانتقال إلى الديمقراطية في إطار سلطة واعية، فإنه يحقق التغيير الهادئ، فلا تكون البلاد كريشة في مهب الريح، أو كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف!

عندما وقعت ثورات الربيع العربي، فإن الملك “محمد السادس”، أجرى استفتاء على تعديل الدستور، بمقتضاه تنازل عن بعض صلاحياته الإدارية، ودعا إلى انتخابات برلمانية مبكرة في عام 2011، وإذ فاز حزب الإخوان المسلمين “العدالة والتنمية” بالمركز الأول، وبنسبة لم تتجاوز الثلاثين في المئة، فقد كلف الأمين العام لهذا الحزب عبد الإله بن كيران بتشكيل الحكومة، ليضمن للمغرب النجاة من ريح صلصل عاتية تجتاح المنطقة.

وعندما فشل الربيع العربي، على أيدي قوى التخريب إقليمياً ودولياً، لم يكن هذا دافعاً لملك المغرب، للتراجع عن طريق التغيير وباعتبار أن ما جرى في بلاده في سنة 2011، كان بدافع الضرورة التي تقدر بقدرها، وإنما بدا واضحاً أنه اتجاه وقر في القلب وصدقه العمل، فكانت الانتخابات الأخيرة، التي أعلنت نتيجتها في بداية هذا الأسبوع، حيث كرر حزب “العدالة والتنمية” النتيجة السابقة بالفوز بالمقعد الأول أيضا، رغم حملة تكسير العظام التي تعرض لها، ورغم استخدام العمليات القذرة في النيل منه، وبالذات عملية القبض على أحد الدعاة، مع نائبة تنتمي للتيار الإسلامي في وضع مخل بالآداب، فقد حافظ على شعبيته، وذلك رغم أن السلطة تسحب دائماً من رصيد الأحزاب الحاكمة، وبالإضافة إلى هذا فإن الإخوان المسلمين والتيار الإسلامي عموماً يتعرض لحملة تشويه، رصدت لها ملايين الدولارات وتقف خلفها دول، ترى أن الفرصة باتت مواتية لطي صفحة هذا التيار!

لقد حصل حزب “العدالة والتنمية” على (125) مقعداً من جملة (395) مقعداً، متفوقاً على نفسه، ففي انتخابات سنة 2011، كان عدد المقاعد التي حصل عليها هي (107) وبزيادة قدرها (18) مقعداً هذه المرة، وهي رسالة لا تخطئ العين دلالتها، وأولى هذه الدلالات أن مال قارون يبدو عاجزاً عن طي صفحة الإسلاميين، ما داموا يعملون وأعينهم على الناخب!

وإذا كان غيري قد أسرف في الاحتفاء بهذا الفوز، فإني أعتقد أن واحدة من الرسائل المهمة في هذه الانتخابات التي ينبغي أن تعيها أحزاب الأقليات في مصر، هي أنه ليس صحيحاً على الإطلاق أن شعبية الإسلاميين في الشارع لا يمكن مزاحمتها، ومعروف أن اليأس من المزاحمة هو الذي دفع هذه الأحزاب للتآمر على تجربة الديمقراطية الوليدة، وخيانة الثورة ومبادئها بإعادة حكم العسكر من جديد!

فالإسلاميون في المغرب لم يحصلوا على الأغلبية في الانتخابات النزيهة، فهناك (12) حزباً ممثلون في البرلمان هذه المرة، وبداية من حزب “الأصالة والمعاصرة”، إلى حزب اليسار الأخضر، حيث حصلت هذه الأحزاب على (270) مقعداً، وتجربة “الأصالة والمعاصرة” درساً لأحزابنا الفاشلة في مصر!

فهذا الحزب يعلن العداء للتيار الإسلامي، ويتهم “العدالة والتنمية” بأنه يوظف الإسلام لخدمة أغراض سياسية، والأمين العام لـ “الأصالة والمعاصرة” إلياس العماري قال إن حزبه جاء لمواجهة الإسلاميين دفاعاً عن المسلمين. إنه نفس خطاب حزب التجمع التقدمي الوحدوي، أو حزب نجيب ساويرس، في مصر، وقد بادله “العدالة والتنمية” عداء بعداء، ووصف “بن كيران” أعضاء “الأصالة والمعاصرة” بـ “التماسيح والعفاريت”، الذين يعيقون عمله الحكومي!

ومارس “الأصالة والمعاصرة” المكايدة السياسية وغازل الانقلاب العسكري في مصر، وذهب نواب منه للقاهرة ليعلنوا تأييدهم لعبد الفتاح السيسي!

ولهذا العداء، فعندما كلف الملك “بن كيران” مرة أخرى بتشكيل الحكومة صرح بأنه يرفض التحالف مع حزب “الأصالة والمعاصرة”.

“الأصالة والمعاصرة” ولخطابه الواضح في مواجهة “العدالة والتنمية” حصل على (102) مقعد، وهذا الفوز لا ينبغي تجاهله عند القراءة الموضوعية لنتائج هذه الانتخابات، لاحظ أن عدد المقاعد التي حصل عليها في انتخابات 2011 هي (47) مقعداً، وهذه الزيادة جاءت خصماً من مقاعد الأحزاب الصغيرة مثل “الاستقلال المحافظ” (46) مقعداً هذه المرة مقابل (61) مقعداً في الانتخابات الأولى، و”التجمع الوطني للأحرار (37) مقابل (54) في انتخابات 2011، و”الاتحاد الاشتراكي” (20) مقعداً في هذه الانتخابات و(38) مقعداً في الانتخابات السابقة، و”الاتحاد الدستوري” (19) مقابل (23)، و”التقدم”، (12) مقابل (20)!

اللافت أن “الأصالة والمعاصرة” يوصف في أدبيات خصومه بأنه “حزب صديق الملك”، ويرددون أن الملك أسسه لمواجهة “العدالة والتنمية”،ورغم هذه العلاقة، فلم تزور الانتخابات له، ليحصل على المرتبة الأولى، لاسيما أن الفارق بينه وبين حزب الإخوان المسلمين (23) مقعداً فقط، لكن تُرك الشعب ليقول كلمته في عرس ديمقراطي حقيقي، انتقل بالمغرب لتكون نقطة ضوء في النفق المظلم، وحماها من مصير جيرانها، سواء الجار ذي القربى أو الجار الجُنب”، لتكون هي الدولة الناجية في زمن الفتن.

الراية
[ads2]

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: