المفاوضات النووية مسرح صياغة دور إقليمي جديد لإيران يخدم استراتيجية أمريكا.. (مقال محمّد المذبحي)

أثار «الشيطان الأكبر» الملف النووي الإيراني لأول مرة في أوت عام 2002 عبر كشف منظمة مجاهدي خلق المعارضة الإيرانية، أشهر قليلة قبل حرب احتلال العراق في عام 2003، واستخدمت الولايات المتحدة الأمريكية هذه القضية ووضعت الجمهورية الإسلامية الإيرانية ضمن «محور الشر» وقضايا سياسية أخرى لخلق غطاء سياسي ملائم بهدف «تأطير التعاون الإيراني» في ملفي أفغانستان والعراق. وحقق هذا التعاون المشترك بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية أهدافه بأفضل شكل، وقدمت واشنطن بلاد الرفدين على طبق من ذهب لطهران من أجل إعادة مشروعها التوسعي العابر للقارات الذي تسميه إيران «تصدير الثورة الإسلامية» وتنص عليه عدة مواد في الدستور الإيراني.

وبعد مرور 13 عاما من المماطلات واللقاءات والمفاوضات العلنية والسرية على المسرح النووي حصل تغيير واتفاق مبدئي نوعي في المفاوضات بين إيران والقوى الغربية وعلى رأسها البيت الأبيض الأمريكي. وسبق هذا الإنفراج النوعي مفاوضات سرية ثنائية بين طهران وواشنطن في سلطنة عمان خلال فترة 2011 إلى أوائل عام 2013، وحسب صحيفة «ليبراسيون الفرنسية» التقى مستشار المرشد الأعلى الإيراني، علي أكبر ولايتي، مع المسؤولين الأمريكيين في مسقط عدة مرات، وكان آخر لقاء مع جون كيري في آذار/مارس 2013 وبفاصلة شهرين قبل الانتخابات الرئاسية الأخيرة الإيرانية.

خلال فترة وجيزة لا تتجاوز سنة واحدة فقط، تغيرت الدعاية العدائية بین الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية إلى ظاهرة اللقاءات الثنائية بین ممثلي الدولتين ووضع عَلَميهما مع بعض. ولكن الأهم من هذا التحول النوعي في العلاقات هو حجم التنازلات الكبيرة وغير المسبوقة التي قدمها حكام طهران بخلاف ما كانوا يروجون له خلال السنوات الأخيرة، وتم الكشف عن بعض تفاصيلها من خلال الاتفاق المبدئي الأخير في لوزان بسويسرا والمعروف بـ «إعلان لوزان». وكان مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية «سي آي إي» جون برينان عبر عن دهشته من حجم التنازلات التي قدمتها طهران للغرب بشأن برنامجها النووي خلال اتفاق لوزان، وشدد على أن الرئيس الإيراني، حسن روحاني، يملك كثيراً جداً من الاعتدال.

و يظهر قياس سريع بين بنود حزمة الحوافز الغربية التي قدمتها دول مجموعة 1+5 في عام 2008 لإيران، وبنود التوافق المبدئي في لوزان أن إيران وافقت على فرض مراقبة مشددة على منشآتها، ونقل وتحويل مخزونها من اليورانيوم المخصب، وتجميد قاعدة تصنيع أجهزة الطرد المركزي، وتطبيق رزمة من الإجراءات اتفق عليها للإجابة عن مخاوف الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالنسبة إلى الأبعاد العسكرية المحتملة للبرنامج، وتدمير قلب مفاعل أراك للماء الثقيل، والتزام إيران، بلا حدود زمنية، بعدم إجراء عمليات إعادة تصنيع أو أبحاث ذات صلة على الوقود النووي المستنفد.

و يوحي هذا الحجم الكبير من التنازلات الإيرانية بشأن برنامجها النووي ودهشة مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية منها أنه توجد تفاصيل أخرى لم يتم الكشف عنها في «إعلان لوزان» حتى الآن، وهي الثمن الكبير الذي حصلت عليه الجمهورية الإسلامية الإيرانية لتقديم هذه الكمية الكبيرة من التنازلات المدهشة.

و طرأت على السطح زاوية أخرى مما يجرى خلف المسرح النووي بعد الترحيب والدعم الواسعين للمسؤولين الإيرانيين وقادة الحرس الثوري ورسائل التهنئة حول التوافق المبدئي الذي حصل في لوزان سويسرا، من خلال تصريحات مختلفة تماماً من قبل المرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، حيث أكد أن «إعلان لوزان» لا يضمن الاتفاق النووي ولا يلزم إيران قانونياً، لأنه لم يتم تنفيذ أي شيء، وقال إنه لا معنى لرسائل التهنئة بهذا الصدد. وبدوره، شدد الرئيس الإيراني، حسن روحاني، على أنه يجب إلغاء جميع أشكال العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران في يوم توقيع الاتفاق الشامل مع الغرب نفسه. وجاء ذلك رداً على تصريحات المتحدث باسم البيت الأبيض الأمريكي، جون إرنست، الذي أعلن أنه لا يتم إلغاء العقوبات بين عشية وضحاها، ولم يتم التوصل إلى أي اتفاق حول تفاصيل وكيفية رفع العقوبات الاقتصادية على إيران، وقال إن الحكومة الأمريكية لا تعتبر إلغاء العقوبات الاقتصادية في يوم وخطوة واحدة أمراً عقلانياً، وإن واشنطن تعارض هذا الأمر.

و يكشف هذا الجدل الجديد بين الولايات المتحدة وإيران أن البيت الأبيض يحاول الاحتفاظ بعصا العقوبات الاقتصادية وأيضاً ملفات حقوق الإنسان والحريات السياسية والاجتماعية، من أجل ضمان إيفاء إيران بدور «الشريك الاستراتيجي الفاعل العقلاني» حسب التخطيط الأمريكي. ومن زاوية أخرى تريد إيران التخلص من العقوبات الاقتصادية بأسرع وقت ممكن بهدف حل أزمتها الخانقة التي تسببت باحتجاجات عديدة من قبل نقابات العمال في مختلف القطاعات والمعلمين بشكل متواصل، وأيضاً حصولها على أرصدتها المجمدة في البنوك المختلفة بخارج البلاد لدعم حلفائها ومد مشروعها العابر للقارات من العراق إلى سوريا ولبنان مروراً بالبحرين واليمن وصولاً إلى نيجريا والنيجر وموريتانيا.

و هكذا تحول الشيطان الأكبر إلى «الملاك الأعظم» ومحور الشر إلى «الشريك الاستراتيجي واللاعب العقلاني» وكما قال رئيس الأركان المشتركة للجيش الأمريكي، الجنرال مارتين ديمبسي، أن الولايات المتحدة تعتقــد أن إيران هي الفاعل العقلاني، وكلمة السر لهذا التحول النوعي هي «تقاسم الكعكة العربية» في مسرح المفاوضات النووية تحت غطاء إحياء الإمبراطورية الفارسية التي باتت تتسع إلى أفريقيا.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: