” المهندسون ثروة في الدول المصنعة .. عبءٌ على حكومات تونس ” … بقلم الناشط السياسي غسّان حدّاد

منذ انطلقت الثّورة و خرج السّياسيون و ممثلو الأحزاب ليعتلوا المنابر و يقدّموا رؤيتهم و برامجهم ، حصروا مشاكل النّاس في التّنمية و التّشغيل دون تحديد أسباب الفقر الحقيقية و دون اعطاء بديل جذري يحلّ مشكلة البطالة نهائيّا بل توافقوا على نفس النّظام الرّأسمالي و عجزوا عن مصارحة النّاس بأنّه سبب البلاء و الشّقاء و عجزوا عن تقديم بديل حضاريّ شامل لا سيم و هم الخاضعون لهيمنة الغرب و قراراته.
و ازدادت الوعود و كثرت كلّما اقترب موعد الانتخابات وسط ذهول النّاس و تساؤلهم حول مقدرة هؤلاء على تحقيق وعودهم و هم الذين وعدوا سابقا و لم يوفوا بوعدهم. جاءت الانتخابات و ظهرت ملامح الوسط السّياسي الّذي سيحكم البلاد و يقودها و انشغل القوم بتشكيل حكومة و بدأت الأحزاب تتنافس على حقيبة و مقعد ، و انحصر اهتمامهم هناك حيث الكراسي الفاخرة المريحة و لم نرى منهم تغيير و لا حتّى تفكير بالتّغيير.. تماما كالذين سبقوهم . في جهة مقابلة كان الشّعب يترقب حلولا عاجلة و تغييرا و لو بنسبة مائوية ضئيلة ، و لكن الصّدمات و الخيبات لحقت هذا الشعب كما العادة . زيادة أسعار بعض السّلع , رفع الدّعم عن الأخرى و تمهيد لتطبيق سياسات صندوق النّقد الدّولي الذي ستشمل سياساته كلّ القطاعات لتستمرّ السّياسات الفاشلة في كلّ القطاعات ليتأكّد فشل الوسط السّياسي في تقديم حلول عمليّة .

لم يأمن التّعليم من هذه السّياسات و من غياب الرّؤية الاستراتيجيّة للمشرفين عليه ، ممّا أفرز أزمة عميقة هي أزمة الهندسة فبعد سنوات عجاف في القطاع ، تلاها عدم مبالاة و إهمال ، جاءت اتّفاقية فتح المعابر ففاض الكأس و انقطع طلبة ا. ثورة المهندسين لم تأتي في يوم و ليلة و لم يتسبّب فيها فتح المعابر و لا رخص التّعليم الخاصّ الّتي تعطى كما تعطى رخص المحلّات التّجاريّة. بل هي نتيجة سياسات خاطئة و رؤية ضبابيّة و غياب لاستراتيجية الدّولة و لسياسة تعليم و تصنيع.

بكلّ بساطة المهندس و هو المتحصّل على شهادة علميّة عالية القيمة و الرّتبة لا يأمن على نفسه من البطالة ناهيك عن بقية الطلبة و أصحاب شهائد أمد و غيرها و هذا لبّ الموضوع. واقع الحال أن هذا القطاع يشهد إكتظاظا غير مسبوق حيث أصبح عدد المهندسين المتخرجين سنويا يعدّ بالآلاف و سوق الشّغل بدأ يحقّق اكتفائه و أصبحت المنافسة عالية و مكان العمل غال جدّا. و هنا تُطرح عديد الأسئلة عن أسباب الأزمة و الحلول . ما هو سبب اكتظاظ هذا القطاع و ما هو الحلّ للخروج من الأزمة ؟

أمّا اكتظاظ القطاع فأسبابه عدّة ، لكن يمكن اختصارها في سببين رئيسيين : نظام أمد(إجازة،ماجستير،دكتوراه) و مقياس إعطاء الأجرة للأجير. نظام أمد الّذي لا تختلف ظروف وضعه و تطبيقه عن ظروف وضع اتّفاقية فتح المعابر بين التّكوين المهني و التّعليم العالي ، إذ كان يراد منه التّقليل من قيمة خرّيجي الجامعات استجابة لسوق الشّغل و املاءاته الخارجيّة الّتي تريد يد عاملة تونسيّة بأقلّ أجر ممكن فكان نظام أمد لتحقيق هذا الهدف. منذ تطبيق نظام أمد نزلت قيمة شهائد التّعليم العالي إلى الحضيض و لم تبقى إلّا شهادة الهندسة كشهادة معتبرة أمام الطالب فأصبحت الهندسة ملاذ الجميع، ملاذ كلّ من اجتاز امتحان الباكالوريا عن شعبة علميّة حيث يجد نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما ، إمّا التّوجّه مباشرة لتكوين يؤهله أن يكون مهندس عن طريق المدارس التّحضيريّة أو مدارس الهندسة الّتي لا تعتمد نظام المناظرة أو المدارس الخاصّة و إمّا نظام أمد ليكتشف بعد 3 سنوات أنّه درس و كأنّه لم يدرس فيعود باحثا عن سبيل لإكمال دراسته من أجل الحصول على شهادة الهندسة . و من هنا كان الاكتظاظ حيث صارت أعين الطّلبة متعلقة بشهادة الهندسة مهما كانت الوسائل و الأساليب من منطلق أنها الضامن الوحيد للعمل فانفجر القطاع و لم يعد قادرا على الاستيعاب و هذا يرجع لسياسة تعليم لا تنظر للطّلبة على أنّهم طاقة بل تراهم عبئا أو فئران تجارب ، تجرّب عليهم ما يفرض عليها من املاءات صندوق النّقد الدّولي و غيره خدمة لمصالح الشّركات المستثمرة و الّتي تريد يد عاملة من خرّيجي الجامعات بثمن بخس فتؤمّن وزارة التّعليم العالي هذا بل و تواصل تآمرها على الطّلبة , بدءا بطلبة الدامعات الأخرى وصولا إلى طلبة الهندسة فالواضح أنّ الاتّفاق حصل على ضرورة تحجيم المهندس و التّقليص من أجرته إلى أقصى حدّ ممكن. و أمّا علاقة مقياس إعطاء الأجرة للأجير بالمسألة فتتمثّل في ارتباط الأجرة ارتباطا وثيقا بالشّهادة المتحصّل عليها ممّا يجعل الأفق مسدودا أمام الأُجَرَاء حيث أن سياسة الدولة تقتضي أن ترتبط الأجرة بالشّهادة : ان كان الأجير تقني سامي يبقى أجره محدودا مهما قدّم من خدمات و اكتسب من معرفة و خبرة و مهما تطوّرت قدراته فالأجرة في النّظام الرّأسمالي لا تعطى على قيمة الخدمة المقدّمة بل تعطى حسب رتبة الشّخص ممّا يجعل التّقني السّامي ينقطع عن العمل و يعود إلى صفوف الجامعات لتعلّم أشياء قد يكون تعلّمها في عمله و لكن الحصول على شهادة المهندس أصبح أمرا ضروريّا لتحسين ظروف العيش.

فالأزمة إذا معقّدة و مفتوحة على عدّة أوجه و أسباب ازدحام هذا القطاع كثيرة و الوزارة لا حياة لمن تنادي.. أمام مطالبة الطلبة بتحجيم عدد المهندسين المعترف بهم من الدّولة لم تجد الوزارة إلا اللجوء للمراوغة و التهرّب , برغم أنّ هذا المطلب لا يحلّ المشكل حيث أن سوق الشّغل سيحقّق اكتفاءه عاجلا أو آجلا و برغم أنّ الوزارة أيضا لا تريد تفعيل هذا خشية أن يثور أصحاب الإجازات و لكنّ هذا المطلب هو ردّ فعل طبيعي من الطّلبة حفاظا على حظوظهم في العيش الكريم و كان على الوزارة إجابتهم بل و تقديم حلول جدية و جذرية للوضع .

لكن الواضح أنّ الوزارة و الحكومة بل و الوسط السّياسي بأكمله عاجز أمام هذه المشكلة : الحلّ واضح وضوح الشّمس لكن ارتباطهم بالاستعمار يمنعهم منه. يكفي النّظر في مشاكل الدّولة و في جميع المجالات حتّى ندرك أنّ هذا الكمّ الهائل من المهندسين طاقة تستطيع حلّ الأزمة و كانت الدّولة تستطيع استغلالها في سياسة تصنيع تخرجها من التبعيّة. كيف لدولة تدخُلُها عشرات الشّركات النّفطيّة لينقّبوا على الغاز و البترول و الدّولة عاجزة على استخراج ثرواتها بمفردها أن لا تحتاج لجيش من المهندسين و كيف لا توفّر للمهندس كلّ ما يلزمه من أجل أن يخترع و يبتكر و هي منذ نشأت تعجز عن صناعة إبرة وكيف تكون الفلاحة متأخّرة و السّلاح العسكري صدئ قديم و الطّرقات مهترئة و وسائل النّقل تأتينا من سوق الخردة الغربي فنشتريه بأثمان خياليّة ، كيف يكون كلّ هذا و المهندس مهدّد بالبطالة و أعداد المهندسين في تصاعد ؟؟ أين الدّولة و أين سياسة التّصنيع؟ الحلّ أبدا ليس في تحجيم عدد المهندسين بل إن الدول السائرة بجدية في طريق النهضة تحتاج أضعاف العدد الحالي .. تحتاج إعادة رسكلة و لعمل جادّ ليلا و نهارا إذا ما توفّرت صناعة حقيقيّة بأهداف راقية تخرج البلاد من التّبعيّة و الاستعمار حينها فقط يعود المهندس لمكانته يخترع و يبتكر و يكون المهندسون بحقّ بنّائي الدّول . لكنّنا للأسف في دولةٍ الصّناعةُ فيها ليست مسؤوليّة وزارة الصّناعة , وزارة الصناعة في تونس تتحدد مسؤوليتها في تجديد عقود الطّاقة للأجنبي و لا التّعليم مسؤوليّة وزارة التّعليم و لا التّشغيل مسؤوليّة وزارة التّشغيل و لا حلّ مشاكل النّاس مسؤوليّة الحكومة فمسؤوليتهم الوحيدة رعاية مصالح الغرب في بلادنا .

طلبة الهندسة أثبتوا باحتجاجاتهم هذه هشاشة هذا النّظام و عدم قدرته على تحقيق مطالب النّاس و عدم رغبته في التخلص من استعمار يتحكّم فينا و في مصيرنا . بل و أثبتوا التنبه و الحكمة أمام ألاعيب الوزارة , و أمام تحميلهم للمسؤولية للجميع , المسؤول اليوم ليس وزارة التّعليم فقط بل وزارة الصّناعة و الحكومة , الجميع مسؤول عن صناعة تعيد للمهندس كرامته و تخرج بالبلاد من وحل الاستعمار.
الشعار الذي يجب أن نرفعه جميعا ” أعطيني صناعة …. أعطيك هندسة ” .

بقلم غسان حدّاد – ناشط سياسي –

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: