النخبة و المسألة التونسية..بقلم نور الدين القاهري

تنويه: قسم المقالات هو قسم حر مفتوح لكل الكتّاب لا يتحمل الموقع أي مسؤولية عن أراء صاحب المقال

منذ سلطة المغامرين الفينيقيين حكمت البلاد بكبار القوم و أهل الرأي و البطانة ( التوسعية) و استبعد باقي الناس و السكان الأصليون للبلد ما يعني الطبقات السفلى في المجتمع القرطاجي.

و جاء كبار العسكريين و المستوطنين رأس حربة للاستعمار الروماني ليسوسوا البلاد و العباد تحت ضغط المعتقدات و القوانين و مصالح أباطرة رومه و من والاهم من الأثرياء و أصحاب المشاريع الإمبراطورية و من لم ينصهر في مشاريعهم همش طولا و عرضا وتوالت السلط تداولا و تناوبت البطالات على البلاد متجددة متطورة في كل الأزمة و العصور …

و كانت حركة التحرر نقطة ارتكاز في صنع نخب ستستفيد منها ” دولة الاستقلال”  وفق ماحتمته موازين القوى آنذاك

– فالنقابيون و كل القوى التقدمية و الديمقراطية انخرطوا في بناء الدولة

-وعوض القوميون و الزيتونيون الأجانب في كل مرافق الدولة بعد جلاء الفرنسيين

و مع كل أزمة استفادت ” الطبقة الحاكمة” من مختلف النخب أو تعاونت معها بعد إرهاصات و تجاذبات أو صدام :

– بعد حرب بنزرت 1961

– بعد رجوع الليبرالية 1969-1970

– بعد عملية قفصة1980

– بعد التخلص من بورقيبة 1987

من خلع ابن علي جاءت أفواج و طلعت علينا وجوه مستسيغة انفتاح البلد على الامتيازات و  !بهرج السلطة و الأهواء الفكرية

في بلد خفت سيادته و تهلهل أمنه القومي بتخلخل مؤسساته و دخولها مراحل التأزم  الجماعات المنتصبة أمامنا لا تحرك من خلالها  مفاهيم استراتيجية

 

نخب استرقاقية…هشة…مطواعة

 

النخبة متواجدة في مختلف فروع وأقسام المجتمع

– فهي متفردة بعطائها

– ومؤثرة في كل الميادين من خلال مواقعها

– وتصبح موضع تقليد من خلال موقعها و دورها في حالات و أشكال المواقف التي تأتيها

كلها تتجاذبها ولاءات وإرادات أجنبية منخرطة في قيم وأحلاف لا واقعية تتمحور حول الانجذاب و الأهواء و الارتياح النفسي و الانخراط الثقافي الفكري في السائد عالميا و المسيطر مركزيا و الانصياع لنمط الحياة ذاك .

فبالرغم من الثقل الوجداني و منزلة بغداد و القاهرة و دمشق و التمازج مع مكانة مكة و المدينة..

تفرد لفيف من التونسيين بانجذابهم الي النمط الأوروبي-الغربي و إعجابهم اللامتناهي بإفرازاته الثقافية في انعدام توازن و تعقل أنتج نخبا و مؤيدين كثره متماهين حد الارتهان و الذوبان .

فالنخب التونسية لم تنتح علما أو معرفة بل شاء لها ان تبقى ذات طبيعة استهلاكية فحسب.

النخب هم من برزوا و تفردوا في “المشهد العام” للبلاد من خلال مسكهم بمقدرات مالية فكرية قضائية –عسكرية- صناعية- نقابية-جمعياتية – إعلامية …

وولدت حاشية و نخب البلاط مع كل العهد الحسيني و انتج التواجد الفرنسي و دولة الاستقلال نخب الدولة ( المدرسية الوطنية للإدارة مثلا ) + السلطة و النظام

كما افرز المجتمع و صراعاته نخبا سياسية حرة و معارضة

و اعتادت البلاد على تراكم من نوع آخر داخل البلاد :

نخب جهوية قائدة و نافذة في المدن التاريخية و الساحلية خصوصا و الحقيقة أنها مسألة تاريخية و قائمة الى جانب ظاهرة ” الميعاد” في المجتمعات الريفية خصوصا و هي اغلبها ذات طابع قبلي او عائلي في مدن عريقة / توزر – قفصه – المهدية… و طبيعة هذه النخب الولاء التام للسلطة و نغذيها بالشرعية كممثلة للسكان في المطلق .

و النخبة القائدة هي المالكة للسلطة . و توزع بعض الامتيازات على الحلقة الأولى من المقربين منها و تبنى شرعيتها بدعم نخب بعيدة عن مركز النفوذ و هذه النخب ” الصفوة” ” الأخيار” ” اهل الحل و العقد”  ” ذوي شأن” ” علية القوم ” ” الحلقة الأولى ” ” دائرة النفوذ” / دوائر النفوذ/  ” الأعيان و الأشراف و كبار..التجار.. و الوجهاء..”  ” شخصيات اعتبارية ..”

وهذه النخب حاضرة حول السلطة المركزية وتتحول من نظام الى آخر و تتنوع متغيرة مع كل تحول حد التأفلم مع كل نظام حكم .

وصاغت في الصراع مقومات حمايتها و تجددها منذ مركزية السلطة و تنظيرات ماكيافال و النظم الاستبدادية.

نحن من يضفي على بعض الناس صفات و قيم كفاعل اجتماعي في أعلى هرم المجتمع .

إن الواقع المترجرج للمسائل الفكرية  و ضيق الحيلة و ضعف الخيال السياسي للنخب الوطنية

إضافة لضيق الصدر الأسطوري لدى شخوصها يوحي بالعجز في التفاعل مع الواقع الوطني و الإقليمي كذلك و الدولي أيضا.

مثل ما اصطلح عليه ” الثورة” حدا زمنيا فحسب لما آلت إليها نواصي الحكم و التسلط في توزيع متجدد للأدوار الامبريالية و ركائزها في منطقة ” الشرق الأوسط و شمال إفريقيا ” حسب الإستراتيجية الأمريكية .

فسقوط ابن علي كان إذانا بسقوط تحالفات آل سعود و بروز قطر كوكيل حصري للمصالح الغربية فهي الأقدر على إدارة المخطط الجديد برضا الشريك الإسرائيلي و بنعمة المحروقات و قناة الجزيرة مكونة الرأي العام الغربي و الإسلام و القرضاوي المصري- القطري ” اخرج الثورات من عباءته”

مسنودة إلى نظام حماية الأطلسي و إسرائيل و خليفة أهل السنة تركيا بعد انتكاسة الحليفتين الكبيرين و السنيين مصر و السعودية.

وصلت ” زعامات” بعد ضرب للتمدد الفرنسي من خلال ترحيل الغنوشي و مجيء السبسي المجهز لتبرير الوضع الجديد و محو ” لجنة ابن عاشور”و فتح الطريق ” الانتخابات”  و جب أن تكون فيها : الإسلاميون القابلين للتجربة مع      ‘ علماني’  أثبت انه ” منظر” لقاء العلمانيين و الإسلاميين المعتدلين منذ نهاية 2005 بنصوص بذل فيها ع. كريشان جهدا مضافا للمرزوقي فكان ” الرئيس” فزاعة للقوى التقليدية و هو يجهر انه المخطط للحكم القادم على حساب المنظومات القديمة و الرموز القائمة منذ الفترة البورقيبية .

الطارؤون على الواقع الوطني:

 

كل المتقدمين لإيجاد حلول للبلاد هم في الحقيقة يتقدمون بخدمة كبيرة لتسويق أنفسهم و تقديم حلول عاجلة لأزماتهم النفسية و الوجودية

فالكل متهافت على السلطة و كل من برز للإعلام و فرض نفسه على دور الأخبار لا يريد مسك الحكم و بأي ثمن  فمنهم من ينتخب فوات الزمن و العمر على حلم يراوده. و الأغلب لا يخرج عن ثقافة المقامرين و المغامرين بأي ثمن

و إلا ماذا نفهم من زعيم الحزب الجمهوري المسافر بيننا منذ الستينات و ماذا عن رجل من اليسار ينحرفون نحو الأحزاب المالية – التجمعية و عن أحزاب يؤسسها ( سليم الرياحي – العجرودي – نصرة العربي – بحري الجلاصي ) / يجتمعون على ثلاثي المال و السياسة و الإعلام/

إن ضعف النخبة دليل على :

1- غياب المرجعيات او تجاهلها و عشوائية و تخبط

2- ضعف التكوين حد التهميش و الشعوبية السياسية

3- عدم الوعي بضرورة التنظيم و مسائل بناء الحزب وبالضرورة عدم فهم الدولة

كل هذه دلالات إن بناء التنظيمات مرتبط بمسألة السلطة

– فأما حزب حاكم يؤمن شرعيته وولاء الإتباع و من والاهم

– وإما رفع اسم حزب أو تأسيس لمواقع قيادية لقنص بعض الامتيازات او المشاركة في اقتسام السلطة

إن ضيعة النخبة أصل المسألة التونسية بعد سوء التموقع الفكري و الكسل الإبداعي إذ لم تنسىء قاعدة ذهنية او ثقافية و لم تكن يوما ولادة قادة ينتجون معرفة او فكرا سياسيا أوهم دعاة  او هم بناة تنظيمات جادة .

نخب ” صنيعة” بورقيبة –ابن علي : فهم نتيجة بطش الآلة  القمعية :

–      – نخب سياسية عذبت و سجنت وابتعدت عن واقع الحياة و المشاركة في تنظيم و تأطير الأنصار

– نخب سياسية ابعدت وروقبت و قتلت فيها روح المبادرة و قطعت عن التواصل مع واقع بلادها

– نخب كتب لها الهجرة…

– نخب عاشت “النضال السري”

– نخب ابتعدت عن المعارك تتذمر في حلقاتها الخاصة

-نخب أرادت التعامل السياسي في المجتمع المدني كالنقابات و حقوق الإنسان

و المشترك بين هذه النخب هي أنها كلها “منغلقة” على نفسها و على الباقي , و لما تفاجؤوا بالرابع عشر 2011 خرجوا للناس كأهل الكهف بعيدين زمنا و مكانا و مشوهين سياسيا .

آذى نظام بورقيبة – ابن علي مناضلي المعارضة بأشكال أخرى ففرخ الفساد فيهم و بينهم فتفننوا في كل أنواع الرقاعة و الالتفاف و السفسطة و إسقاط كل درجات الأخلاق السياسية .

و كثيرون انصهروا ان لم ينبطحوا للمنظومة الاستبدادية ان لم يصبحوا احد إضلاعها.

وجد أهل السياسة امامهم مولودا لم يتهيئوا:

أ-لاستقباله فهرع جزء منهم لتحديد احتجاجهم كما كان لهم من السنة أولى نضال جامعي دون أفق سياسي و تلاشي مرجعية فكرية و نظرية و هذا الرهط السياسي هو الحامل للواء الوصاية على ” الديمقراطية” ” العدالة الاجتماعية” عموما و باطلا .

ب-واجتهد آخرون لتقديم قيادات دستورية كادوا أن يكونوا أجداد لهم  : بن صالح – المستيري – الفيلالي …

و في أحسن الحالات الأصغر من بينهم و ابن المؤسسات الدولة  ‘ المرجع’ قائد السبسي* و هؤلاء أدعياء ” التجربة” نعم لم تصنع المعارضة و لا الحراك السياسي و الفكري قيادات نضالية أو فكرية

لم تنتج قيادات ميدانية مسيسة و تفهم الحكم و تقدم تصورات و حلول لمشاغل و طموحات شعبها .

ج- حركة النهضة اجتمعت في تونس بعد 14/01/2011 في ” حالة أزمة”  معلنة تاريخيتها و أحقيتها و شرعيتها و أنها     ” ملحمة نضالية” لانظير لها في اكتمالها و طهرها في تماه مع مظلومية الحسين و آل البيت لهم الحق في الكل , السلطة و المقدس و د ساهم الطيف السياسي القديم و المستحدث حول القدرات الخارقة للعادة للإسلاميين , مالا و آلة حزبية و شرعية نضالية …و ديمقراطية…

تلخص ما للحركة الإسلامية : الاقتدار و الحكمة

غش في المصطلحات غش في الاستعارة

 

سقط المنخرطون في العمل السياسي على حدث 14/01/2011 في نية تحويله الي مرحلة تاريخية فصورت الانتفاضة التي تعامل معها و أطرها اتحاد الشغل حسب المرجعية الذهنية الانفعالية المنجذبة لي القاموس الفرانكفوني :

14 جانفي قريبة الملامح من تاريخ 14 جويلية = 14ج

– إذا نعلن الحدث ” الثورة” كما كان مع الواقع الفرنسي و استرسال في المغالطات المعرفية و التيه في التزوير المفاهيم دون دراسة واقع الحال الوطني فكانت ركاكة اختلاق أعداء هذه الثورة الافتراضية باعتماد وحدة القياس الفرنسية

– ثورة تستدعي , ثورة مضادة ,وهم, التجمع الدستوري الديمقراطي و المخابرات

* و يتواصل إتمام المثل الأوروبي

كما تم انجاز مجلس في باريس تطالب تونس بمجلس تأسيسي أو اتفق انه ( جمهورية الأحزاب ) و خاض الوزير الأول السابق محمد الغنوشي صراعا ليقدم ظرفا ل55 شخصية اعتبارية يرأسها عياض بن عاشور تحت مسمى ” الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة..” .. هكذا دون سابق إنذار أو حتى علامة استفهام على المسعى

* و كان النفير العام لفرض مفاهيم في سياق ترشيحنا كثوريين حقا

– نظام “مؤقت”

– ” جمهورية ” أولى..”وثانية”

– حتى “دركتوار” كاد ان يفرض علينا و عوض”ترويكا” مبتذلة و سيأتي ربيع 2011 وتنكس الجماعة لكنها تتحامل على نفسها

1- ان قيمة النخبة في انها قتلت الروح الثورية واجهضت أحلام شبيبة تونس منذ افريل 2011 عند اتفاقها على الانتقال من “المسار الثوري” / الانتقال الديمقراطي”

2- المحا فضة على قيادات ” تاريخية” على رؤوس تنظيماتها دونما تشبيب او مؤتمرات حقيقية او إرادة جادة في بناء أحزاب تستجيب للواقع الوطني بعد التغيير الكامل مع استهلال العام 2011

3- آخر البدع التحديثية استبدال العلاقات المباشرة و بناء الكوادر ..بأخلاق الفرجة في المنابر الإعلامية بما يضيق على النضال فتقلص الجماهير إلى متناظرين و يتقلص الوطن من 163000كلم مربع الى 16 متر مربع .

*طلب الشهرة الإعلامي و الاشهار ليعم الرفاه البرجوازي .

ففي تونس حصل* ” السقوط الجماعي” كنتيجة حتمية و مؤكدة لنخب لاتملك قرارها ولا ثقة لها يكنهها و التزاماتها فكانت المحرمات القصوى في ضياع ,

 – القرار الوطني المستقل

– والسيادة الوطنية

– و فقدان الوعي بالأمن القومي

                   * ” الغيبوبة” في ضعف تحديد الأزمة طبيعة وحجما

في تصوري ان النخبة مجتمعة كان لها ان تفكر بأقصى حالاتها , أي دور محوري لتونس ؟ في هذه المرحلة .

انقطع النفس وضاقت الحيلة متزامنتين ذاك اليوم المشهود لتمططه الجماعات     ( التقدمية) و تعرقل نموه … فتتلاقى البغتة و الصدفة و الانتهازية في 14/01 للاستفادة من سلطة تتلاشى و الإبقاء على عيد تدعى تبنيه  و تستمر عطاء مرحلة على انه منها .. حتى يتم لها تقاسم تركة ابن علي و ذاك حد الاجتهاد السياسي لهم ؟

فالجماعات اليائسة من أصولها السياسية و التي استطالت أمد صراعها مع النظام رجحت احداث 14/01

 ” فرصة العمر” بكل مقامر سياسي فتصورت تلكم الأحداث ” فرصة تاريخية” لعمر كاد أن يفني في دور شيخوخة حقوق البشر او في مكاتب “محمد علي” النقابية و باقي ملاجئ المجتمع المدني … مع التنظير لنهاية الايدولوجيا… في دور الترفيه او تقديم استحالة النضال تحت الاستبداد و الاستفادة من الاستبداد عينه .

بعد زيارة المبعوثين الأمريكيين ( ماك-كاين+ليبرمان+فيلتمان) و تقبل منهم أن تونس لن تمر من :

– انتقال ثوري ..بل

– سيكون هناك انتقال ديموقراطي.

* أدت عملية النصب الكبرى أي استثمارفي ” رائدة ثورات الربيع العربي” لضرب ما تبقى من الأمن القومي التونسي :

– فتح المجال للتنظيم = أحزابا و جمعيات عشوائيا

– كفل حرية التعبير اعتباطيا

– إفساح المجال لداحس و الغبراء بين المؤسستين و العسكرية دون تدبير مما شرع في دخول البلاد تحت  تنازع وصايات أجنبية عربية و غربية و إسنادها بالمال الفاسد

– تزامن هذا مع ادعاء أن ليبيا المحطمة ستدر شغلا و مشاريعا على تونس و مثلما قطر

– وادعاء إعلامي أن حركة النهضة تنظيم متماسك فعال وديمقراطي  قاد فكرا حركة التقدم في تركيا منذ العقد الماضي

– وان قائد السبسي حكيم و يجالس  ” أوباما” وقادة الدولة الكبرى ال8 التي تقود العالم فهو مؤهل لقيادة

 ” الانتقال الديمقراطي”  و إنجاح ثورة الياسمين بعد انخراط هذا الكل في إلحاق ليبيا قصفا بالجمهوريات   ” الثائرة” على الاستبداد

 

سياسات جديدة ..تكتيك جديد

واقع جديد وصيغ قديمة ؟

دائما وبا ستمرارية مزعجة- على التجمد و الخمود الفكري – تواجه المثقفين ذو الأصول البرجوازية الصغيرة مشكلة البحث عن صيغ قديمة لظاهرة من الظواهر الجديدة كدليل على ضيق الأفق لديهم او القصور الذهني المزمن

– فلا المجتمع لاقي اهتماما من الأوصياء عليه

– وطبيعة النظام لم تدرس يوما

– ولم تقرر الأشكال النضالية خارج “الحالة الطلابية”

– ولم يقف الرفاق لبلورة مفهوم مرحلة حركة التحرر الذي تمر بها تونس

 

 نور الدين القاهري

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: