النقابات الأمنية في تونس : بين التأسيس و التسييس( بقلم محسن الكعبي أستاذ العلوم العسكرية بالأكاديمية العسكرية سابقا)

النقابات الأمنية في تونس : بين التأسيس و التسييس

يعتبر التونسيون المؤسسة الأمنية بمثابة ” العصا الغليظة ” التي ضرب بها المخلوع معارضيه و مواطنيه ليرسى من خلالها نظامه الاستبدادي لأكثر من عقدين، و يحمّلها كثيرون مسؤولية قتل شهداء الثورة 14 جانفي، في حين يتهم آخرون بعض النقابات الأمنية بالسعي إلى الإفراج عن بعض الأمنيين المعتقلين و من قبلهم بعض وزراء الداخلية و الإطارات الأمنية العليا،و الذين تمت محاكمتهم بسبب تورطهم في جرائم التعذيب فيما بات يسمى بقضية براكة الساحل 91 ،و في قمع الثورة و قتل المئات من الثوار خاصة عن طريق القناصة، في الفترة الممتدة من 17/12/2010 إلى 14 جانفي 2011.
و في سياق مسار الانتقال الديمقراطي الذي يعتبر ضحايا العهد السابق محور العدالة الانتقالية و غايتها ، برز على السطح منذ انتخابات 23 أكتوبر محاولات متكررة للانقلاب على السلطة الشرعية المنتخبة للإفلات من العقاب و الهروب من المحاسبة ،إذ ظهر مؤخرا إلى العلن و من جديد محاولة انقلابية ناعمة فشلت و الحمد لله تقودها نقابة متهورة نادت بطرد الرئاسات الثلاثة في موكب تأبين رسمي يوم 18 أكتوبر الماضي كتعبير عن رفض الأمنيين لحضور القيادات السياسية العليا لتأبين زملائهم الذين استشهدوا، و بدعوى تأخر هؤلاء عن الموكب الرسمي للتأبين، و احتجاجا على أداء الحكومة و الوزارة في حماية أعوانها من الإرهاب.. !؟و اتهمت النقابة الحكومة بالفشل في مكافحة الإرهاب و التسبب في خسائر في أرواح الأمنيين و العسكريين، و هددت بالتصعيد بأشكال نضالية غير مسبوقة(و هنا يستوقفني المثل التونسي المعروف: “العزري أقوى من سيدو”،) إن لم تتخذ الحكومة إجراءات لحماية قوات الأمن من ” الإرهابيين “، و هنا أتساءل عن دور الأمنيين في حماية الشعب و مؤسساته و هل انقلبت المفاهيم ليصبح دور الحكومة و الشعب حماية الأمنيين من الإرهاب ؟
و أعلنت النقابة الوطنية لقوات الأمن الداخلي في بيان نشرته على صفحتها الرسمية على الفايسبوك رفع قضية عدلية ضد رئيس الحكومة المنتخب علي العريض و كل من سيكشف عنه البحث على معنى الفصل 96 من المجلة الجزائية من أجل الإضرار بالإدارة و الفصلين 201 و 202 من القانون نفسه من أجل المشاركة في القتل ، على خلفية استشهاد زملائهم في الحرس في قبلاط و سيدي علي بن عون و منزل بورقيبة.
عودة إلى العمل الأمني منذ انقلاب 7 نوفمبر إلى حين اندلاع الثورة:
كلنا يعلم أن الانتدابات في المؤسسة الأمنية في عهد المخلوع كانت لا تتم في معظمها إلا بعد دفع الإكراميات و الهدايا و قليلا من الرشاوي ، و كان الأعوان يعانون من الإحساس بالضغط المتواصل أثناء العمل و انعدام توفر التجهيزات العصرية اللازمة للقيام بمهمتهم بكل حماية، بالإضافة إلى تنامي المحسوبية و المحاباة في الترقيات و النقل .
أما الظلم و تجاوز السلطة و ممارسة الهرسلة على الأعوان من قبل الإدارة فحدث و لا حرج فقد كان المدير العام للأمن الوطني آنذاك الجنرال علي السرياطي و أثناء زياراته التفقدية الفجائية على غرار الرئيس المخلوع، يعاقب الأعوان بالطرد و العزل و ينزع منهم رتبهم من فوق أكتافهم و يسحب منهم بطاقاتهم المهنية أثناء قيامهم بعملهم في مفترق الطرقات و في الساحات العمومية ..
هذه العوامل و غيرها دفعت الأعوان يوم 14 جانفي 2011 و بعد هروب الطاغية بن علي، و في حركة عفوية تلقائية إلى الشارع للمطالبة بتكوين هيكل نقابي يدافع عن مصالحهم المهنية و الاجتماعية..
و هكذا تم الاعتراف بأول هيكل نقابي أمني في تونس وهو الأول عربيا و إفريقيا وهو : النقابة الوطنية لقوات الأمن الداخلي التي جاءت من رحم و بركات ثورة الحرية و الكرامة.
و تم تكوين نقابات أخرى على المستوى الوطني ذات التمثيلية العالية مثل اتحاد النقابات، و نقابة وحدات التدخل..، ونقابات جهوية على مستوى الأقاليم..، و نقابات أساسية على مستوى الوحدات المركزية..علما و أن جل هاته الهياكل لا تتوفر على إطار قانوني واضح..
الفرص و التحديات :
بعد هذا الإنجاز النقابي العظيم تدخلت بعض الأطراف القيادية في الإدارة لاختراق هذا المولود الجديد ،و نتج عن ذلك ولادة قيصرية لإتحاد النقابات المتكون من العناصر التي لم تنجح في الترشح للمكتب التنفيذي في النقابة الوطنية على غرار منتصر الماطري و جماعته..و بدأ التنافس على الظهور عبر وسائل الإعلام و الارتجال و الاندفاع و الفوضى و التسيب و عدم الإلمام بآليات العمل النقابي الذي تسبب في ارتكاب بعض الأخطاء و إرباك عمل المؤسسة الأمنية وانفلت الكل من عقاله.. كالحضور الإعلامي المكثف..و العشوائية في عقد الندوات الصحفية ، و التصريحات و التصريحات المضادة بين النقابات فيما بينها، و إصدار البيانات و البيانات المضادة مع الوزارة ،ثم وصل الأمر الى التكذيب المتبادل.. و بدأت تنخرط بعض العناصر في العمل النقابي علما و أنها ذات سوابق و التي لها ملفات إدارية و أحكام قضائية صادرة في شأنها زمن المخلوع وأسعفتها الثورة بقانون العفو العام على غرار المدعو ” شكري حمادة ” المحكوم عليه بالسجن في قضية مخدرات مع لاعب الترجي الرياضي سابقا هيثم عبيد..و غياب تواجد إطارات نقابية ذات مستوى عالي و خبرة تؤهلها للقيام بالعمل النقابي بحسب المعايير الدولية التي جاء بها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 ، و اتفاقيات منظمة العمل الدولية ، و العهد الدولي الخاص للحقوق الاقتصادية و الاجتماعية ، و العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية الصادرين عام 1966 . ثم تواصلت الاختراقات و هذه المرة من أطراف انهزمت في انتخابات 23 أكتوبر و لها عداء تاريخي مع حركة النهضة ،و أخرى تعمل في الظل، للدخول في مجالات لا علاقة لها بالعمل النقابي و ارتكاب أخطاء فادحة كرفعها لشعارات مثل ” ارحل ” للرئاسات الثلاثة أثناء الموكب الرسمي لتأبين شهداء الحرس الوطني بثكنة الحرس بالعوينة و من قبلها الولاء لبعض الأحزاب ” المعارضة” و خدمة أجندات سياسية للقوى المضادة للثورة بتسريب وثائق أمنية على درجة كبيرة من الخطورة، و مصنفة “سري للغاية” إلى إعلاميين متنطعين و متهورين من أزلام الرئيس المخلوع ..مما سيتسبب لها في مشاكل و ملاحقات قضائية و ربما يسحب المنخرطون الثقة منها.
هذا و ينص العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية على حق كل شخص في تكوين النقابات بالاشتراك مع آخرين ، لكنه أجاز إخضاع أفراد القوات المسلحة و رجال الشرطة و موظفي الإدارات الحكومية لقيود قانونية على ممارستهم لهذه الحقوق، و اتفاقية 151 التي حددت فئتين من الموظفين العاملين يجوز للتشريعات الوطنية أن تضع قيودا على حقهم في العمل النقابي عموما.
حادثة العوينة :
نلاحظ من خلال تصرف بعض النقابات المتهورة ، أن ثورة الأمنيين ( ” الأوفياء” لباني عقيدتهم ” الأمن الجمهوري ” الرئيس المخلوع ) ، على الشرعية و على إرادة الشعب المتمثلة في رئاساتها الثلاثة المنتخبة ، دليل واضح على أن البعض من هذه المؤسسة الأمنية لم تتطهر بعد من دنس المخلوع و مازالت وفية لسيدها ” حامي الحمى و الدين “. و قد جعلها تنكشف أمام الشعب و تظهر نواياها المبيتة و الخسيسة رغم كل ما انسكب من دماء و دموع في سبيل تحريرها من عبودية المخلوع، و الذي كان يسومها أشد العذاب و المذلة و المهانة..
إن الشعب الذي تحداهم يوم 14 جانفي و عجزوا عن حماية سيدهم الذي لاذ بالفرار و أطرد شر طردة، لقادر اليوم على هزمهم و هم أزلام يبحثون عن سيد جديد ليستعبدهم..
إن الذي حدث بساحة العلم بثكنة الحرس الوطني بالعوينة يوم 18 جانفي 2013 ، يعد انحرافا خطيرا عن العمل النقابي من حيث الشكل و المضمون و يكتسي طابعا سياسيا يصل إلى حد التهديد بالعصيان المدني و التمرد ، و رفع شعار ” ارحل ” هو تصرف أرعن من ثلة من ” الأمنيين ” الغوغائيين المتعصبين ينمّ عن قلة أدب و عدم انضباط و يخرج عن دائرة اللياقة تجاه رموز الدولة الذين انتخبهم الشعب ، و تجاه زملائهم الذين جيء بهم لتأبين في موكب جنائزي مهيب ،و استهتار كامل بإرادة الشعب الذي أنتخب ممثليه و استخفاف بدماء الشهداء الذين سقطوا من أجل الحرية و الكرامة و تحقيق أهداف الثورة ..و إن من يطالب بإرساء أمن جمهوري عليه أن لا يستقبل أحدا و لا يطرد أحدا ، و اللبيب بالإشارة يفهم..
إن الغلو أو التطرف لم يعد في الدين فقط، بل في مختلف ممارسات الحياة اليومية،فقد يكون التطرف في الفكر أو السلوك أو فيهما معا، و قد يكون في المعاملات داخل الأسرة ، أو مع أفراد المجتمع وممثليه كالذي وقع مع الرئاسات الثلاثة..و قد يكون التطرف من جانب معارضة غير مسئولة و غير ملتزمة بمسار الانتقال الديمقراطي لا تقبل الحوار و الرأي الآخر و الأحزاب الأخرى ، متسلطة رغم حجمها الصغير ، لا تؤمن إلا بالعنف الثوري الذي تجاوزه الزمن ، و التوافق الذي تدعيه تريد فرضه بالتهديد و الابتزاز عندما تفشل كل مخططاتها الانقلابية من خلال التغرير بالشباب للقيام بأعمال عنف و إرهاب ضد الدولة و مؤسساتها ، أو من خلال الإضرابات العشوائية و قطع الطريق و التهديد بالاعتصام.. بهدف إشاعة الفوضى و إرباك أعمال الحكومة للوصول إلى سدة الحكم بالقوة دون العودة إلى صندوق الاقتراع..ولنا في الحوار الرباعي خير دليل على ذلك..
و قد يكون التطرف في القانون أو في العرف العام أو الخاص أو في الإجرام و المخدرات و السرقة.
أما التطرف الديني فيعني سوء فهم النصوص الدينية الذي يؤدي إلى التشدد و الغلو، و يطلق عادة على بعض الأفراد الذين يلجئون إلى التفسير عن جهل في أمورهم الدينية و يضللون الناس عن غير علم.
إن الدين الإسلامي يتضمن العديد من الآداب و الأخلاقيات قد غابت عن مناهجنا التربوية لأكثر من عقدين فأحدثت فراغا دينيا لدى أبنائنا. فهي التي تجعل الفرد في المجتمع وفي أي مكان ، عضوا صالحا يتصف بالصدق و المحبة و التعاون و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الإخلاص و إتقان العمل و غيرها و الأدلة على ذلك من القرآن الكريم و السنة النبوية الشريفة كثيرة. يقول الله تعالى:” و تعاونوا على البر و التقوى و لا تعاونوا
على الإثم و العدوان.” و قوله تعالى: ” كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر ”
الإرهاب المحلي يخلط الأوراق :
بعد الجرائم الإرهابية المحلية التي اقترفت بجهة قبلاط من ولاية باجة و بجهة سيدي علي بن عون من ولاية سيدي بوزيد ،و التي راح ضحيتها أعوان حرس أبرياء وقع التغرير بهم و جرهم إلى كمائن معدة مسبقا من طرف عصابات إجرامية عميلة ، أعلن رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة المنصف المرزوقي سلسلة من المناطق و الجبال و سط و جنوب غرب البلاد ، بمناطق عمليات عسكرية و التي كانت مسرحا للعمليات الإرهابية الأخيرة،بغرض محاصرة الجناة و إلقاء القبض عليهم و كشفهم و معرفة من ورائهم وفتح تحقيق قضائي لتحديد المسؤولية و اتخاذ الإجراءات الملائمة و تقديم من ثبت تورطه للعدالة حتى يكون عبرة لمن يعتبر..
بعض النقابات المأجورة تعرقل العمل الأمني خاصة في هذه الأيام الأخيرة من مسار الانتقال الديمقراطي و في هذه الظروف الأمنية الصعبة التي تمر بها بلادنا. إن هذه الأعمال اللامسؤولة و خطاب التهديد و الوعيد و التوعد و الإمهال الذي يصدر من هنا و هناك تجاه مؤسسات الدولة (رغم أن الرئيس بن جعفر تعهد بإقرار قانون يجرم الاعتداءات على الأمنيين ) يكتسي طابعا سياسيا ينذر بالتمرد و العصيان المدني و يعرض صاحبه للمحاكة من أجل اقتراف جريمة كبرى تسمى جريمة أمن الدولة..
تجربة العمل النقابي في جهاز الأمن الفرنسي و إمكانية الاستئناس بها :
بدأ النشاط الفعلي للنقابات الأمنية الفرنسية منذ سنة 1969 تقريبا بعد الثورة التي حدثت في عام 1968 على الجنرال ديقول، تحت اسم الفدرالية المستقلة لنقابات الشرطة الفرنسية ، ثم توحدت في التسعينات لتصبح الإتحاد الوطني للنقابات المستقلة للشرطة الفرنسية وهي الهيكل الرسمي و القانوني الوحيد الذي يمثل كل رجال و نساء الأمن على التراب الفرنسي مع ملازمة الحياد و الإستقلالية ..وهي النقابة الوحيدة التي تتولى التحاور مع السلطة شعارها المرفوع هو العمل على أمن مستقر و قوي و محايد..
——————————————————————————————
* أستاذ العلوم العسكرية بالأكاديمية العسكرية سابقا mohsen.kaabi@hotmail.fr

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: