رمزي الهويدي 3

النهضة بين واقع السياسة واستحقاقات الثورة و إكراهات التوافق.. (مقال/ المدوّن رمزي هويدي)

النهضة بين واقع السياسة و استحقاقات الثورة و إكراهات التوافق.. (مقال/ المدوّن رمزي هويدي)

لم يشفع لحركة النهضة تنزيل صور قيادييها في التسعينات و هم قيد الاٍعتقال داخل المحاكم في اٍستجلاب عطف الناس و نسيان خيبة الأمل الكبيرة التي يشعر بها أنصارها و كل من وقف اٍلى جانبهم في الاٍنتخابات السابقة بعد الثورة .. تتضاعف اليوم خيبة الأمل لدى هؤلاء و هم يرون حركتهم التي مات المئات لأجلها في السجون و تشتت عائلات أغلب من نشطوا صلبها منذ الحركة الطلابية في الثمانيات و هي تصل اليوم اٍلى درجة متقدمة من النسيان و التخاذل في قضاياهم و مآسيهم و مشاغل الشعب المصيرية من مطالب بالمحاسبة و العدل و المساواة و الحياة الكريمة ..

فقد دأبت حركة الاٍتجاه الاٍسلامي التي سميت لاحقا بحركة النهضة و منذ نشأتها على المناورة في جميع مواجهاتها سواءا كان ذلك مع خصومها السياسيين أو حتى مع سلط البلد المتعاقبة بداية من الحقبة البورقيبة مرورا بفترة حكم بن علي و صولا لحكم أيتام حزب الدستور الحاليين حيث كان القاسم المشترك دائما ( الذي أدى اٍلى هلاكها لاحقا ) في كل تلك المواجهات هي تلك الثقة العمياء و المبالغ فيها كتعبير منها عن صدق النوايا لطمئنة العدو السياسي أو السلطة ..

و هو ما أدى بها في غالب الأحيان اٍن لم نقل في جلها اٍلى نَكْثُ الْعَهْدِ من الطرف المتفق معه .. و هو ما حدث فعلا في جل فترات تواجد النهضة في اٍتفاقيات مع أطراف أو خصوم سياسيين سواءا كان ذلك في الفترة البورقيبية أو النوفمبرية أو حتى في فترة حكم ما بعد الثورة و هو ما لا ينكره أغلب متتبعي المشهد العام التونسي الأكثر تعاطفا مع النهضة .. تبدو حركة النهضة في مسار سياستها الجديدة مع الواقع التونسي أكثر نضجا سياسيا و أقل عاطفة في تعاملاتها مع واقع الأحداث حيث بدت متجاهلة صور الثورة الروتينية بمعناها الكلاسيكي لتتحول اٍلى صورة نمطية جديدة اٍستغرب لها فيها أنصارها قبل أعدائها عبر مواقف سياسية جديدة أحجمت من خلالها على التضامن مع المقربين منها من شركاء قدامى لها في الترويكا السابقة كانوا أو من يخالفونها الرؤى الثورية سابقا أو حتى ممن شاطروها التفكير الاٍيديولوجي بمعناه القديم و ذلك اٍيمانا من قيادييها بأن سقوطها في قاع الصدام المجتمعي لن يشفع لها يوما في مواقفها اللاحقة مثلما لم يشفع لها في السابق ..

و هو ما خلق لها عدوات جديدة من أصدقاء قدامى لم تشفع لها مواقفها القديمة لديهم و لا عند أغلب فئات الطبقة الثورية التونسية الذين صارت النهضة لدى جلهم عدوا لدودا يحول دون اٍصابة أهداف ثورية جديدة و معرقلا أساسيا في الحيلولة دون اٍسترجاع مقود الحق و درأ الباطل .. يبدو في الحقيقة للدارس و العارف بخفايا الحركات الاٍسلامية على مر التاريخ أن صراع هاته الأخيرة مع السلطة في غالب الأحيان وجودي اٍيديولوجي بالأساس و لم يحمل يوما صبغة اٍجتماعية و لا حتى سياسية على مر التاريخ و هو ما جعل نظرة الجيل السياسي الجديد للواقع التونسي أكثر اٍرتباكا و اٍستغرابا و التي مثلت النهضة نموجها القديم الجديد الأكثر اٍثارة للجدل داخله حيث مثل الحوار و التفاهم على صيغة اٍتفاق يضمن لها وجودها في مربع الحكم حدثا جديدا في الصراع السياسي التونسي أربكت من خلاله أعدائها و جمدت كل تفكير عدائي اٍتجاهها ضمنت عبره تواجدها في الخارطة الاٍجتماعية السياسوية من جهة و كسبت من خلاله ود المجتمع الدولي من جهة ثانية مغامرة بذلك بتاريخها النضالي و السياسي لأجل التواجد في دائرة الحكم التشاركي لدولة تشتت بين طرف راهن على الثورة و آخر يريد عودة منظومة كان في وقت ليس بالبعيد أكثر شراسة و بطشا ..

هذا ما جعل لحركة النهضة متنفسا سياسيا مؤقت اٍمتصت من خلاله الغضب الشعبي في خطوة أولى و اٍتعاضا منها بما حدث للاٍخوان في مصر و لحركة حماس في فلسطين في خطوة ثانية و هو ما جعلها تتخذ إستراتجية جديدة في التعامل مع الأحداث في ظل العداء الإيديولوجي المسلط عليها ..

قد تبدو الأسباب للبعض مقنعة و للبعض الآخر واهية خاصة لما وصلت اٍليه حالة البلد من عودة لشخصيات قديمة و وجوه عرفها الشعب في النظام السابق اٍضافة لمطلوبين قدامى اٍلى العدالة الاٍنتقالية و التي وضعت النهضة يدها في يدهم لأسباب قد تكون سياسية و قد تكون اٍقتصادية ديبلوماسية سياسوية مساهمة بذلك في رجوع مؤقت للتضييفات الاٍيديولوجية و البولبيسية كان الفئة المتدينة من السلفية و الوسطية أبرز ضحاياه وسط سكوت تام لها متعللة بالتوافق و التفاهم و درء الاٍنقسام ..

في الضفة الأخرى و رغم ما قامت به من مجهودات جبارة لدفع عجلة المحاسبة لم تتمكن المعارضة من اٍقناع النهضة بالتوافق و التجانس على توحيد الصف و لم تستطع من جهة أخرى ملأ الفراغ الذي تركته لها كهدية منها و فرصة للمواجهة أمام العدو القديم الذي لبس جبة الثورة و الذي أسكت عبر اٍعلامه و آلته البوليسية كل الأصوات المطالبة بالمحاسبة و القصاص .. أمام هذا المشهد المتشعب يبقى الشعب المسكين ينتظر نتيجة هذا الصراع السياسي الذي قد يطول لسنوات و عقود ..

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: