“النهضة” تنقذ جلاد الشعب بقلم محمد هنيد

“النهضة” تنقذ جلاد الشعب بقلم محمد هنيد

[ads2]
للمرة الألف تنجح حركة النهضة التونسية المحسوبة على التيار الإسلامي في إنقاذ “نظام بن على” أي نظام الدولة العميقة من السقوط وذلك عبر القبول المهين بالمشاركة في حكومة الحبيب الصيد الثانية. الحكومة الجديدة ضمت وزيرا من حركة النهضة وثلاثة كتاب دولة وهو ما يجبر الحركة إلى دفع نوابها نحو التصويت لمنح هذه الحكومة الثقة في برلمان نواب الشعب علما بأنها تملك داخل المجلس تسعة وستين نائبا من المنضبطين لقرارات قيادة الحركة وهي كذلك ثاني حزب ممثلا في المجلس التأسيسي. المشهد إذن يذكّر بلقاء باريس الشهير والذي جمع عقب الانقلاب المصري بالثلاثي المهيمن اليوم على المجلس النيابي وهم راشد الغنوشي عن “حركة النهضة” والباجي قايد السبسي عن “حزب نداء تونس” أو “التجمع الدستوري الديمقراطي” وهو حزب الرئيس الهارب بن علي و “الإتحاد الوطني الحر” حزب رجل المال والأعمال سليم الرياحي.
حركة النهضة أنقذت حكومة التجمع الجديدة من الانهيار بالمشاركة فيها ورضيت بحضور مذل ومهين جدا أمام قواعدها والمتعاطفين معها من أجل أن لا تخرج صفر اليدين من السلطة. الحركة حسب الكثير من الملاحظين من خارجها ومن داخلها أُرغمت إرغاما من طرف العناصر القوية داخلها وعلى رأسهم الشيخ والحلقة القريبة منه على القبول بالمشاركة في حكومة الثورة المضادة ووضع اليد في يد الدولة العميقة ونظام العصابات الذي مازال يمسك بزمام الدولة بعد هروب رأس النظام. الثورة العربية التي انطلقت من تونس كشفت شيئا عظيما خاصا بطبيعة النخب العربية على مختلف ألوانها السياسية وهو أن حددت خصائصها الحقيقية داخل حركة التغيير الاجتماعي وخارج الأنساق النظرية. الفرق بين حركة النهضة كحركة معارضة سياسية ملتحفة بالرداء العقائدي في تسعينات القرن الماضي وبين الحركة كمشارك فاعل في الحياة السياسية وفي صياغة خيارات المرحلة اليوم هو فرق شاسع وكبير بسبب تغير المعطيات على الأرض وتغير السياقات.

[ads2]
اعتراضات المناصرين لحركة النهضة في الرد على ما يعتبرونها اتهامات مجانية بحقهم تتلخص في معطى رئيسي وهو إكراهات السلطة وتضاريس السياسة والمراعاة المصلحة العليا للوطن وغيرها من التعلات الواهية والتي لا تصمد أمام التحليل العلمي والقراءة الموضوعية. النهضة لم تشارك في ثورة الحرية التي انطلقت من تونس يوم 17 ديسمبر 2010 وتحديدا من ريف سيدي بوزيد الفقير وقرى القصرين النائية فقد كانت قيادات الحركة في المهجر وكانت الحركة في حالة سبات شتوي لأكثر من عقدين من الزمن وهو سبات منع تجدد قياداتها وحافظ على التركيبة القديمة لمكتبها السياسي ولمجلس شورى الحركة. هذا التكلس الذي فرضه الاستبداد العربي من ناحية وخيار الحركة مواجهة بن علي في بداية التسعينات هو الذي ساهم كذلك في القضاء على الحياة السياسية في تونس وفتح الباب على مصراعيه لنظام بن علي ليحكم دون حسيب أو رقيب.
أنقذت حركة النهضة نظام بن علي عندما حاولت جر الشارع التونسي إلى المواجهة فلم يستجب الشارع لذلك وهو ما سمح لبن علي بقمع الحركة خلال التسعينات لمواجهة “العنف الإسلامي” ثم واصل الرجل سياسته القمعية بناء على التخويف من فزاعة الإسلاميين ونجح في ذلك نجاحا كبيرا عبر قمع ما تبقى من قواعد الحركة في الداخل خاصة مسنودا بكتائب اليسار من الاستئصاليين. في 17 ديسمبر 2010 نجحت الثورة التونسية بفضل غياب الأحزاب السياسية عن المشهد وعلى رأسهم الإسلاميون وهو ما يفسر إلى حد كبير عجز نظام بن علي على السيطرة على الجماهير عندما تكون غير المتحزبة. بل نذهب إلى القول أن شرط نجاح الثورة التونسية والثورات العربية عامة هو غياب الايدولوجيا السياسية عن مطالب الجماهير لكن عندما وصلت هذه الأحزاب إلى السلطة رأينا كيف ساهمت بشكل كبير في عودة الدولة العميقة عندما رجعت إلى التصارع والتناحر فيما بينها خدمة لأغراض شخصية لا علاقة لها بالثورة ومطالبها.
عندما نرى اليوم حكومة تضم بين أعضائها وزيرا للشؤون الدينية خدم بولاء كبير نظام بن علي بل ورفض إقامة الصلاة على روح سيد شهداء الثورة التونسية محمد البوعزيزي ونرى وزيرا آخر لم يدخر جهدا في نعت التونسيين ممن صوتوا ضد حزب التجمع بأنهم متخلفون وناقصو وطنية يتحصل على وزارة سيادية بحجم وزارة التربية فإننا ندرك أن الثورة قد صودرت. الأغرب هو أنه أمام عجز الرئيس التسعيني عن القيام بمهامه تم استحداث خطة جديدة غير دستورية برتبة وزير وممثل شخصي لرئيس الجمهورية. وزراء الحكومة الجديدة هي توليفة انتهازية بامتياز تعتمد مبدأ الولاء الحزبي لا الوطني وتربطها بمنظومة العصابات الفاعلة في تونس من رجال الظل والمال والسلطة والسفارات الأجنبية علاقات وطيدة .
ملخص المشهد البائس في تونس هو أن الدولة العميقة عادت إلى السلطة بكل مكوناتها المؤسَّسة على نظام العصابات خاصة وأن الحكومة المستقيلة قامت في الفترة الأخيرة بالتوقيع على اتفاقيات وعقود سترهن البلد وثرواته وأجياله لعقود قادمة وليس القرض الرقاعي بمليار دولار الذي تحصلت عليه تونس مؤخرا بفائض خيالي يقارب 6 بالمائة وبشروط مجحفة تهدد سيادة البلاد وقطاعاتها العمومية وتدفع نحو مزيد الخصخصة المتوحشة إلا دليلا على المسار الجديد الذي أخذته الثورة. هذا المشهد البائس ساهمت فيه حركة النهضة بشكل كبير من خلال خيارات خاطئة حيث رفضت كل القرارات الثورية داخل المجلس التأسيسي بدءا بقانون تحصين الثورة وقانون العزل السياسي وصولا إلى الاعتراف بانتخابات يعلم الجميع أنها مزورة بقسميها التشريعية والرئاسية. بل الأمرُّ من ذلك هو أن القيادات الهرمة للحركة تنكرت لمحرقة قواعدها خلال التسعينات عندما فرّ كبار التنظيم تاركين البسطاء من الإسلاميين يواجهون الجلاد وحدهم كما رفضت اليوم القصاص ممن عذب واغتصب وقتل الآلاف من الأبرياء عندما كان القادة يناضلون في مقاهي لندن وباريس حيث يدرس أبناؤهم.
ليست حركة النهضة المحسوبة على التيار الإسلامي إلا جزءا من الطيف الكبير للنخب التونسية التي فاجأتها الثورة كما فاجأت كل النخب العربية التي تنكرت لمطالب الجماهير وتقوقعت داخل فضائها الإيديولوجي الضيق وسمحت من حيث تدري أو لا تدري بعودة دولة العصابات والنهب. لكن الجليل في المشهد هو أن تعرية النخب الايديولوجية العربية وكشف زيفها وزيف نضالاتها هو المدخل الحقيقي لوعي جديد سيقود المرحلة القادمة بإذن الله.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: