اليرموك المحاصر بعين فنان:”لنا في الحلم حياة..انا ازرق”بقلم هيثم أبو طالب واكرام أبو سمرة

لنا في الحلم حياة .. أنا أزرق

هيثم أبو طالب إكرام أبو سمرة

بعد كل الليالي الباردة يستيقظون ، ولا ماء لغسل الوجوه من بقايا النوم إن كان قد حل فعلاً ،فلا ماء لنبض تفاصيل الحياة هناك ، نغرق في ذكرياتنا وأحلامنا لأمكنتنا ؛ يستيقظ هو في الحلم ، هو الذي تلفه غربة المكان كما تلفنا ، وتلمع أمام عينيه قصص شقاوة الطفل داخله يعيد سرد قصص لبعض الذكريات بحسب ما تلامس قدماه بعض الأزقة والشوارع من خبايا مخيمه ،التزاماته الأولى للعمل ، جرائده المنتظرة في مكتبة الرشيد ،شجرة الكينا والعصافير التي كانت ،جنازات الشهداء ،ملعب أبو شاكر ، تبعثر التراب منه ، وحول خطواته مع أصدقائه , في لعبة لكرة القدم .                                                               كانت عدسة الكاميرا لامعة بالقدر الكافي لنقل حجم البؤس في الشارع موضوعة في المنتصف، تنقل صورة لأجساد هزيلة تسير بهدوء فراشات على طرفي الرصيف، بعضهم من أطلق العنان لأقدامه لتسير على الإسفلت، و لم لا فالشارع خاوي تماماً من حركة السيارات ،بإستثناء سيارات الإسعاف القادمة مسرعة من نقطة التماس في أول المخيم ،حيث تَجمهر الناس ، يفسحون لها المجال و هم ينظرون إليها ويتابعون مسيرهم العبثي في ذلك الشارع؛ الوقت يبدو أقرب إلى العصر فالشمس الخجلى تكتسي آخر أطراف العمارات و توشك على الانتهاء من جولتها اليومية على أرجاء المخيم ، لم تفلح العينان، بل لم تحاولا، سوى أن تكونا بوابتين مشرعتين لالتقاط كل التفاصيل التي تظهرها تلك الوَمْضَة التي استمرت لعشرين ثانية فالمخيم بيئة خصبة لعيون أبنائه الذين أصبحوا خارجه.                                             هكذا يفتتح المخرج الفلسطيني محمد نور أحمد ( أبو غابي ) فيلمه” أنا أزرق” و الذي يوثق من خلاله صور لمعاناة أبناء مخيم اليرموك في جنوب العاصمة الدمشقية الذين يقبعون تحت حصار أوشك بدخول عامه الثاني دون كلل أو ملل، مستعنياً- ذلك الأخير- بجوع حاد و عطش حديث ليكمل مرارته.                                                                                                                                               “أي أيهم وين صورتكون” ؛ينطق( أبو غابي) بأول كلماته التي خرجت مرتجفة من فمه مخاطباً صديقه أيهم أحمد عازف البيانو المحاصر داخل المخيم عبر السكايب ، لم يكن تدفق الانترنت لدى أيهم على استعداد لينقل صورته و التي كانت تظهر متكسرة رغم المحاولات العديدة في إنهاء المكالمة و إعادة الاتصال من جديد ، علَّ (أبو غابي) يستطيع رؤية وجه صديقه المحاصر ،الذي ورث نبض الموسيقا فيه من أبيه العوَّاد ، و يحمل هموم من حوله على طريقته ،يشتعل ملح حياتهم على أصابعه لحناً ويحملهم على أن يغردوا المرار بحناجر لا تخضع لذل الحكام ، وتصدح فوق أصوات الرصاص والقذائف وكل القتل لتفاصيلهم العصية على الموت ” آه على الأيام ، ما عاد فينا نام و الله حرام ، و كترت هالوفود ، وصار معها وعود ، وعود مع وعود ، و الناس عم بتموت ” يبدو أن القائم على عملية تصوير الفيلم كان يريد أسر المشاهد له، بل و تحطيمه و جعله ذليلاً لا يقوى على أن ينام دون تذكر وجه ذلك الطفل الذي تظهر عليه ملامح البؤس و الشقاء ،كان واقفاً بالقرب من أيهم أثناء عزفه على آلته البيانو ، يقوم المصور بالتركيز على ذلك الوجه (يزوم) عليه جاعلاً من أصابع أيهم التي تتراقص على البيانو تداعب ذلك الوجه البريء دون مسه ، فيحرك الطفل رأسه متناغماً مع الموسيقى و يحرك شفتيه دون إطلاق أي صوت ، فهو لا يعلم معنى الكلمات التي يتفوه بها أعضاء الفرقة الذين يغنون و البسمة مرتسمة على وجوههم رغم مرارة الحصار ، يبدو أن هذا الطفل الصغير يرسم على وجوه المحاصرين سطور من الصبر في زمان أوشك الأمل به أن ينتهي لهم. تتابع الكاميرا و يزداد غباش الصورة ، ونشهد تشيعاً لمن جف القمح من جسده “الحالة رقم 80 ” مع كل هذا الضجيج المليء بالصمت ،لا شيء يدخل مسمعه إلا الصوت المتسلل لأذنيه ، لترانيم يألفها وكأنها مقام الصبا ،تأسر روحه وتعلق عينيه على صديقه ، ذاك الذي لا يتكؤ على ثلاثينه بقدر ما يتكؤ على عربة البيانو الخاصة به التي تتسع لآلته و لكرسيه الخشبي ؛ يجرها موزعاً نبض لحنه على الشوراع والأزقة وعلى مسامع المتعبين ، يركز المخرج على هذه الحالة التي خلفها الحصار ،مدعماً ذلك بلقطات موجعة لا تنتهي وثقت على مر تاريخ الحصار .                              يزداد التشابك في الحلم وتضعف الرؤية ،ولا عصافير تزقزق على شجرة الكينا هنا إلا عصافير البطون العجاف ؛ بريق عيونهم يشبه أملهم المعتق كحبهم للحياة ، يلفّنا غباش المكان وضجيجه وصدى صوتهم الذي لا حواجز تقف له ، نحمل أصواتهم ونصرخ أنا و صديقتي معهم بكل ما نالهم من وجع الحياة ” هنا مخيم اليرموك “.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: