اليسار العربي ومعول هدم أيديولوجيته.. مقال/ الكاتب الفلسطيني نزار السهلي

اليسار العربي ومعول هدم أيديولوجيته.. مقال/ الكاتب الفلسطيني نزار السهلي

تبدو علاقة اليسار العربي للوهلة الأولى غامضة مع الثورات العربية المندلعة، غير أن حالة التصاقه مع الاستبداد، والتنافر المشحون مع الشارع جعلاه يحتل زمن القطيعة مع الواقع من خلال أيديولوجيا كانت ربوتها التي تطل من فوقها تحليلا لطبيعة الصراع الطبقي وأبعاده الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفلسفية حتى أصيب بحالة الإغماء والدهشة والرعب من الثورات، وبقيت تساؤلات الشارع التي شملت الأحلام والأمنيات التي ناضل وحلم بها.

ظلت جوقة من أدعياء اليسار تعزف لحن الدفاع عن الاستبداد وتبلور ذاتها من خلال جملة مواقف مبنية على لفظ تلك الأحلام والأمنيات بمزيد من العجز الواضح وهي تطوي كل أدبياتها تحت معطف النظام الرسمي العربي، وهو ما شاهده وسمعه ولمسه الشارع متوجا التدخل العسكري الروسي في سوريا بالتبريك والتهليل.

لم يختلف يوما تقييم الواقع السوري عند أحزاب مذهبية ادعت في دفاعها المستميت عن الاستبداد أنها ما دخلت سوريا إلا حفاظا على مقامات دينية، وبعض أدعياء “يسار” عربي لا يزال يعتبر موسكو قبلة وكعبة الماركسية، ويرى أن سوريا تعيش “مؤامرة إمبريالية صهيونية”.

الخوض في العلاقات الروسية مع دولة الاحتلال كاف لإقناع أي كان بعد كل هذه السنوات بأن روسيا ليست الاتحاد السوفياتي، ويكفي البحث المجهري عن موقف محدد لموسكو من قضية الاقتحامات في الأقصى وغيابه عن خطاب روحاني في الأمم المتحدة برحلة البراغماتية والانتهازية في تغليب المصالح وتسليع القضية الفلسطينية ومن بعدها القضية السورية عند الطرفين.

بكل الأحوال، ثمة أسئلة مثارة عما آلت إليه خطابات تيار عربي يعيش هاجس مذهبة انتفاضة الشعب السوري، سواء أكان عند طبقة مثقفة ونخب سياسية ترفع لواء “الممانعة” أم في صفوف أحزاب وقوى رسمية بشمال أفريقيا والمشرق العربي.

لا داعي ربما في زحمة وتسارع الحدث للتذكير بأكبر عملية تحايل على الحراك السوري حين وصمه البعض بأنه حراك “سني متطرف” فقط لأنه خرج من المساجد، وظل ذلك الموقف مبررا لحالة العجز في اتخاذ موقف واضح غير الذي يحمل الضحية مسؤولية توحش الجلاد.

ومثلما كان شعار “حرمة” قتل الفلسطيني من دولة الاحتلال يعبر عن مأزق تحليل ذلك في مخيمات سوريا وتهجيرهم ومثلما هجروا من العراق على يد من أصبحوا اليوم جزءا مما يسمى “معسكر الممانعة” تحت مرأى ومسمع فصائل فلسطينية تعيش اليوم بنفسها انفصام التحليل والتحريم في استهداف الفلسطينيين فإن القوى التي رفعت في سوريا شعار “لا للتدخل الخارجي” يغيب عنها اليوم أن السيادة الوطنية عادة تبقى سيادة مخترقة، ولو كان الاختراق آت من موسكو وتل أبيب و طهران.

إن سياسة وفكر المناكفة والنكاية يؤشران في معظم أسئلة جيل عربي كامل على تلك النخب التي مارست أشد ممارسات النفاق والتحايل، والأمر ينسحب على الحالة المصرية الشديدة الوضوح منذ ما سميت “ثورة 30 يونيو” في التعاطي مع مطالب الشعب السوري في طلب الحماية القانونية الدولية ومنع الإفلات من العقاب وما جلبه من كوارث شظت المجتمع السوري وبنت بين مكوناته جدرانا من البغضاء ورغبات بالانتقام.

في المقابل، لم يفهم موقف هؤلاء المشار إليهم، سواء كانوا قوى تدعي بعض “قومية” أو “يسارية” من قضية الصمت على كل الإشارات الإسرائيلية الواضحة عن ضرورة الحفاظ على نظام دمشق بما يحققه ما بات يعرفه أصغر سوري بتدمير سوريا وإقامة تقسيمات مطلوبة تاريخيا في منطقتنا.

إذا عدنا إلى ديسمبر/كانون الأول 2011 للتذكير بخطاب حسن نصر الله بعد ترؤس الدكتور برهان غليون المجلس الوطني السوري حيث اتهمه واتهم المعارضة السورية بما سماه “تقديم أوراق اعتماد للولايات المتحدة وإسرائيل” فإن الأمر شبه المحسوم أن غليون وتركيبة المعارضة في ذلك الحين لم يكونا يعرفان ما يسميه اليوم استسهالا معسكر روسيا وإيران “الدواعش”.

ورغم ذلك وبعد كل تلك السنوات وتسارع الحدث وتراكمه وانكشاف الكثير من المستور بات الانفصام القائم على الحب والكراهية وتلاقي الخطاب الديني الغيبي مع ما يطلق على نفسه يساريا ثوريا يغيب تماما مسألة البحث عن الشرعية في واشنطن وتل أبيب وموسكو وباريس؟ فمن هو الذي يلهث ليكون في الحلف الدولي ضد داعش ويحاول أن يكسب رضا الغرب ويعيد تأهيل نفسه بمنطق الخدمات الأمنية عبر زيارات ومباحثات مكوكية في عاصمتين أوروبيتين وعاصمة عربية؟

بل إن المذهل في صمت تلك القوى أنها عكس ذلك حين يتعلق الأمر ببلد غير سوريا، وبطبيعة الحال مصر، هل سمعنا موقفا واضحا من محاولة إغراق حدود قطاع غزة لتشديد الحصار؟ خاصة من تلك القوى أو النخب التي تحولت في إطلالتها من نافذة إعلام السيسي وتحولت إلى “رديحة” وشاتمة بعد أن قدمت نفسها طوال عقود على أنها حاملة طليعة اليسار والقومية، ثم نظرت بازدراء إلى “بروليتاريا” مجتمعاتها “المتآمرة والرجعية”.

في نوفمبر/تشرين الثاني 2014 وقف عضو مكتب سياسي لفصيل فلسطيني يساري حتى العظم على منبر “دار الأوبرا” في ساحة الأمويين مخاطبا جمهوره بسؤال: لماذا لا يسمح لنا كيساريين وقوميين بالقتال دفاعا عن سوريا وقيادتها.. الأسد باق، الأسد باق؟ ووقف نائب أمين عام ذات الفصيل اليساري حتى النخاع موجها تحيته للجيش العربي السوري “الذي يقود معارك الشرف”.

هؤلاء هم الرفاق من بين ظهراني الفلسطينيين والسوريين يمارسون كل قبح الشعبوية وأمراض اليسار الحامل لمعول هدم أيديولوجيته، في ارتداد مذهبي وديني يؤدي الولاء عند عتبات بحر الظلام، وهؤلاء هم في سوريا يجسدون النضال الأممي بـ”التلطي” خلف فاشية متعددة العباءات، بل وبعضهم يجعلها وصية على اليسارية والعلمانية والقومية العربية.

الأشد وضوحا في أجوبة حجاج موسكو من المعارضين السوريين عن قصة رفض التدخل الخارجي، وفي صفهم فصائل كثيرة بالعمل الوطني الفلسطيني ممن يحبون تسميتهم يسارا أنهم كانوا يقصدون أي تدخل يمنع ما تنبأ الكثيرون بالوصول إليه في سوريا.

وعليه يبدو أن مقولة وليد المعلم ذات صباح “من يريد الاعتداء على سوريا عليه التنسيق معنا” لم تكن زلة لسان كما أراد تفسيرها بعض المتذاكين، فلو حضرت اليوم قوات واستخبارات ألمانيا (صاحبة قصة الباخرة الألمانية لمساعدة المسلحين) عبر بوابة علي مملوك لأصبحت برلينأيضا “من محور الممانعة ومن أهل الدار” مثلما تحولت طهران ذات يوم إلى “قبلة القومية العربية” في طهران نفسها وسفاراتها المنتشرة في عواصم العرب.

الانهيار والتفسخ الكبير لليسار العربي يطل بعقابيله الكبيرة والنخرية والأليمة منذ اندلاع الثورات، خاصة من نخبه القومية المتهافتة -وتحديدا في مصر وسوريا- على نحو فج وسافر لتقديم الولاء لأنظمة الاستبداد، وتعميق الفجوة مع الشارع الذي ادعى انحيازا له حتى بدت تلك النخب ملتصقة ومنصهرة مع شعارات نقيضة تماما لما استفاضت به أدبياتها، واقتسام كعكة السلطة في مواقع أخرى كديكور مكمل لنيشان “الديمقراطية ” في ذيل السلطة أو صدرها كما ظهر في بيانات اليسار السوري والمصري “المعارض” لتطلعات الشعب!

بعض أدعياء اليسار العربي في كل من مصر وسوريا وفلسطين ما زال بعضهم -ويا للسخرية- يحتفظون بمظلات تقيهم المطر، ويرون موسكو (المافيا) قبلتهم رغم ما قاله صديقهم ماتازوف عن “الثورة البلشفية” ليطعن بثورة السوريين والمصريين ويمجد مع بوتين بشار وهو يقدم سوريا وسيادتها واستقلالها عربون وقوفهم معه.. لكن لا أحد من رفاق الأمس يخبرنا وماذا عن موسكو المتصهينة؟

بالتأكيد، لم يحفظ السوري العادي ولا المصري ولا ابن الشارع العربي ما كتب لينين وتروتسكي، لكن فطرته وجسارته التي يدافع فيها عن حريته وكرامته وعدالته توازي كل المبادئ والأيديولوجيات، في حين أن ذاك اليسار لم يحافظ على مبدأ واحد من مبادئ تلك الأممية المتحولة إلى عبودية لشخص الأمين العام والقائد الخالد.

وبظننا أن المواطن الروسي الجديد لا يلقي بالا لمن يسمي نفسه يسارا، وهو الذي صفق لإزالة تماثيل لينين وأقطاب الشيوعية والجيش الأحمر والـ”كي جي بي” لن يهمه كثيرا من يحتفي في عالمنا العربي بيساريته فهو لو سمع هؤلاء بالتأكيد لانقلب على ظهره من الضحك على هؤلاء “الموسكويين” العرب.. وقد خانوا أهم المبادئ.

يبقى القول إننا إزاء أكبر عملية تحايل وتدمير لفكرة المقاومة والممانعة منذ خمسة أعوام حتى باتت محل تندر من القريب والبعيد، وأضحى سؤال السيادة الوطنية مطاطا بقدر ما يكون في خدمة مسح الدم عن أيدي “جمهوملكيات” وراثية مستبدة بغطاء من حركات وأحزاب ترفع شعارات الحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية، بينما أمناؤها العامون ومكاتبها السياسية وقياداتها إما تنتقل بالتوارث أو بفعل الموت.

والسؤال المطروح هنا: لماذا لا يكون بوتين ومدفيدف المثل الأعلى في معنى الديمقراطية التي يفهمها بعض “الرفاق” وهم لا يزالون رغم الأحلام الإمبريالية لموسكو يظنون أنها ما زالت كعبة الماركسية وقبلة الاشتراكية؟

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: