image

انتخاب رئيس أو مناظرة لانتدابه بقلم أماني براهيمي

انتخاب رئيس أو مناظرة لانتدابه
بقلم أماني براهيمي
قررت تونس فتح مناظرة لانتداب رئيس للجمهورية لمدة 5 سنوات، تقدم 27 مترشحا للفوز بهذا المنصب الهام داخل الدولة ولكن المرحلة النهائية من الاختبار لم تجمع سوى مترشحين اثنين وهما محمد المنصف المرزوقي (مترشح مستقل) والباجي قائد السبسي (زعيم حزب حركة نداء تونس).
وحسب المقاييس الأولية للانتداب فان أول ما يعتد به هي الخبرة التي تكتسب من خلال عدد سنوات العمل وبذلك يتفوق مرشح حركة نداء تونس بهذا المقياس وذلك من خلال مشاركته في الحياة السياسية منذ سنة 1955 خلافا لمنافسه محمد المنصف المرزوقي الذي بدأ رحلته السياسية سنة 1992 حين طرد من مدينة القلعة الكبرى بسبب مواقفه السياسية.
عدد سنوات العمل ليست الشرط الوحيد للانتداب هناك أيضا ماهية الأعمال التي قام بها كل مترشح ومدى اجتهاده في القيام بواجباته، الباجي قائد السبسي درس المحاماة ثم انتقل للعمل كمستشار للرئيس الحبيب بورقيبة ثم كمدير إدارة جهوية في وزارة الداخلية أما منافسه فاجتهد واعتبر أن مهانة الشعوب لا ترفع الا بالعلم والمثابرة فدرس وتحصل على الدكتوراه في الطب ثم تخصص في طب الاعصاب و الطب الباطني و الطب الوقائي كما تحصل على ميدالية فضية للمقيمين الباحثين في دراسة ميدانية عن أسباب الشلل النصفي عند الشبان، إضافة إلى إجازة في علم النفس، وعمل كأستاذ مساعد في كلية سترازبورغ وكان الذراع الأيمن لعميدھا البروفيسور “دورنر” الذي كان يعهد له بمرضاه الخاصين.
تقلد الباجي قائد السبسي منصب وزير للداخلية ووزير للدفاع واتهم بالتواطؤ المباشر في تعذيب اليوسفيين خاصة عندما شغل منصب مديرا للأمن الوطني و توفي الصحبي فرحات آن ذاك: واعتبر العديد من التونسيين أن قضية اليوسفيين هي قضية مازالت مفتوحة، بل هي وصمة عار على جبين مرشح حركة نداء تونس خاصة وأنه لم يعتذر للتونسيين في أي مناسبة بل ولم يقدم أي تبرير من شأنه إزالة التهمة عنه.
في حين أن محمد المنصف المرزوق اعتبر أن نداء الوطن قبل كل اعتبار فبعد أن استقر في فرنسا و كون عائلة عاد الى تونس ليرتقي بها وبمصلحتها العليا فعمل في صف الفقراء والمحتاجين وساهم الدفاع عن حقهم في حياة سليمة حيث ساهم في وضع برامج وقائية وتثقيفية للفئات البسيطة كما ساهم في إيجاد حلول جذرية لبعض الأمراض إضافة الى تقلده منصب رئيس فرع جمعية الدفاع عن المعاقين الحركيين في سوسة.
أما في سنة 1990 فشغل السبسي منصب رئيس مجلس النواب في عهد بن علي وأنهى فترته النيابية سنة 1994 ،وفي نفس تلك الفترة تقريبا طرد المرزوقي من القلعة الكبرى وأتلفت ألف نسخة من كتاب “مدخل الى الطب” تحت اشرافه ثم منع من كل بحث علمي كما رفضت مطالبه في التخصص إضافة الى اعتقاله لمدة أربعة أشهر في زنزانة انفرادية.
ولكن هذه الأزمات والعراقيل التي تخللت مسيرته لم تثنه عن النضال والدفاع على الحريات فأسس مع ثلة من رفاقه “المجلس الوطني للحريات” في 10 ديسمبر من عام 1997 بمناسبة الذكرى السنوية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وقد اختير أول رئيس لـــ”اللجنة العربية لحقوق الإنسان” من عام 1997 حتى 2000.
سنة 2001 نفي المرزوقي من البلاد التونسية ولكن ذلك لم يسكته ولم يقتل لديه الانحياز الى شق الدفاع عن الحريات فخرج عن صمته ودعا التونسيين الى النضال سنة 2006 ودعاهم الى استعمال كافة أساليب المقاومة السلمية لفرض الحقوق واستعادة الحرية.
من خلال تشبيه الاستحقاق الرئاسي بصورة الانتداب وقفت على أهمية أخذ الماضي بعين الاعتبار “فمن شب على شيء شاب عليه”، والمرزوقي الذي لبس جلباب الدفاع عن الحقوق والحريات والذي ظهر بنفس العباءة التي ترتديها الفئات الهشة عندما أصبح رئيسا للجمهورية خاطبهم بلغتهم، أما السبسي الذي تعود انتهاك الحريات ومارس التعذيب في وقت سابق مارس نفس العادات بعد ثورة الكرامة فتميزت فترة رئاسته للحكومة ابان الثورة بالصرامة ومنع التظاهر واستعمال الغاز المسيل للدموع وظهر أسلوبه المتغطرس في خطاباته فنعت الأمن –حامي الوطن- بـ”القردة” وهدد بنزع ثيابه في اجتماع شعبي إضافة الى عدم احترامه للإعلاميين في أكثر من موضع.
السبسي ذلك السياسي المخضرم الذي يبدع في حياكة الكلمات جاء ليظهر نفسه رجل الدولة ومخرجها من الأزمات ومنقذها من الإرهاب الذي عاشته تونس من خلال اغتيالين سياسيين وعدة تفجيرات إرهابية متهما بذلك المرزوقي بالتهاون في التعامل مع الإرهاب متناسيا أن الإرهاب لم يدخل تونس في تلك الفترة فقط بل شهدت فترة حكم بن علي العديد من التفجيرات الإرهابية ولكن الاعلام تعامل معها بتكتم شديد، منقذ الدولة اليوم هو نفسه الرجل الذي انتهك الحقوق والحريات سابقا، رجل الدولة ليس لا يجب أن ينتهك الحريات للدفاع عن دولته بل هو مطالب بحفظ هذه المكاسب الارتقاء بها، هل يملك هذا المحامي في رصيده أي قضية سياسية أو نقابية ضد أحكام ظالمة؟ هل دافع يوما عن مضطهد واحد؟.
لم أكن يوما من مناصري المرزوقي ولا من مسانديه ولكننا نقف اليوم أمام مشهد سياسي هش وأبرز ما يهدده هو إمكانية عودة المنظومة السابقة من خلال هيمنة الحزب الواحد على مجلس نواب الشعب ورئاسة الجمهورية وهو ما يعيدنا الى نفس المنظومة التي اكتوينا بها طيلة سنوات، منظومة أذاقت التونسيين شتى أشكال التهميش والفقر والمحسوبية وإلغاء لمعجم الديمقراطية.
تونس اليوم تقف في مفترق طرق فإما التعدد داخل مؤسسات الدولة والرقابة المتبادلة واما العودة الى المنظومة السابقة برموزها من وزراء ووسائل اعلام وأمن وكل أجهزة الدولة خاصة وأن حزب حركة نداء تونس يضم عددا هاما من رموز النظام السابق إضافة الى كونه مرشح حزب المبادرة ومرشح سليم الرياحي الذي يمثل المال الفاسد في تونس.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: