mohamed-hnid-le-livre-noir-a-ete-fuite-de-l-imprimerie-officielle

“انتفاضة الجنوب” بقلم محمد هنيد

“انتفاضة الجنوب” في تونس تعيش مدينة “قبلي” الواقعة بالجريد التونسي في جنوب غرب البلاد انتفاضة شعبية حقيقية يطالب من خلالها أبناؤها من المعطلين والمفقّرين بالكرامة و بالتشغيل وبالتوزيع العادل للثروة من النفط والغاز والملح والفسفاط …التي تستخرج من أرضهم في حين يلفّهم الفقر والأمراض والاحتقار منذ عقود الاستبداد التي دشنها الوكيل الأول “الحبيب بورقيبة” ثم الوكيل الثاني “بن علي”. المطالب قُوبلت بالرصاص الحي والمطاطي والغازات الخانقة وقُوبلت خاصة بتعتيم إعلامي من “إعلام العصابات” الذي استعاد ترسانة اتهامات ” بن علي” لثوار 17 ديسمبر بأنهم “حثالة” “أوباش” على لسان مُخبِره في اليونسكو بل إن إحدى الصحف الصفراء ذات التمويل البعثي من نظام الأسد قد اتهمتهم صراحة “بالإرهابيين”. صفحات الحزب الحاكم أي ” التجمع الدستوري الديمقراطي” في ثوبه الجديد نفثت كل حقدها الطبقي وكراهيتها العنصرية لأهل الجنوب ممن يسمونهم “بالأوباش” و”النزوح ” والقادمين من وراء أسوار الحضارة وخاصة ب”الجبورة” وهو لفظ عنصري احتقاري يطلق على البدوي الباحث عن شغل في أزقة المدن الكبرى بعد أن صودرت أرضه وثروته. يسميه المترفون من عصابات الشمال والساحل كذلك وتناسوا أن ثروتهم هي من عرق هؤلاء الحفاة العراة ومن دماء أبنائهم. إعلام العار التونسي تحدث عن تحصين الجيش للمنشئات الحكومية “بالفوّار” وهي مثلها مثل “ذهيبة ” في الجنوب الشرقي لا توجد فيها منشأة حكومية واحدة باستثناء مركز الحرس الوطني وشركات التنقيب عن النفط ونهب البترول. نفس هذا الإعلام البوليسي وصف المتظاهرين “بالحيوانات” وطالب أحد أقطاب العصابات في حزب نداء التجمع وصاحب “إعلام المعدنوس” بضربهم بالرصاص الحي بعد أن عصفت ثورة الحفاة في 17 ديسمبر بولي نعمته الهارب. يستعيد “ثوار قبلي” بذلك شعارات الثورة التونسية الخالدة أي ثورة الفقراء والمهمشين في قرى الشمال الغربي ” ثورة القصرين وسيدي بوزيد وبوزيان وتالة ” ثورة ديسمبر 2010 المجيدة قبل أن تنقض عليها نخب الايدولوجيا السياسية من اليساريين والإسلاميين والقوميين واللبراليين فتقضيَ عليها وتُحيلها رمادا وتَبعث الدولة العميقة من الأعماق إلى السطح مقابل البقاء في المشهد السياسي والتطبيع مع السلطة. ” ثورة الشمال الغربي الأولى” طالبت بالكف عن التهميش والاحتقار وطالبت بنصيب الشمال الغربي ـ الذي يلفه الفقر والخراب ـ من ثرواته التي تُنهب أمام أعين شبابه كل يوم فتحوَّل نحو عصابات الشمال والساحل الغني ويبقى لأهل القصرين وسيدي بوزيد فقرهم مع كثير من الأمراض والسرطانات الفتاكة. ما تعيشه منطقة ” الفوّار ” اليوم من اضطرابات وما تشهده منطقة الحوض المنجمي في ” قفصة” و”الرديف” وغيرها من القرى الفقيرة من تحركات شعبية كبيرة التي لا يبثها إعلام العار التونسي توحي بأن الموجة الثورية الثانية غير بعيدة عن المشهد بعد عودة منظومة الفساد والنهب إلى الاشتغال بنسق يتجاوز ما كان عليه قبل 2010. هذه القرى والنجوع هي المصدر الحقيقي للثروة الوطنية التي تتكدس عند عصابات النهب المنظم ولدى عائلات بأسمائها كشفها مؤخرا تسريب “سويسليكس” الشهير الذي أحصى ما يزيد عن ستة آلاف ثري ـ من بينهم 70 مليارديرا ـ نهبوا عبر العقود الاستعمارية والتهرب الضريبي ما يزيد عن 40 ألف مليار من الثروة الوطنية ومن دماء العمال وقوت أبنائهم. منطقة الجنوب التونسي شرقا وغربا ومنطقة الوسط والشمال هي أقرب في الوصف إلى مناطق الحروب أو المجاعات باستثناء بعض جيوب الرفاه هنا وهناك والتي تخصص عادة للعصابات المحلية أو للسياح الأجانب ويكتفي السكان المحليون بدور النادل أو الدليل السياحي. منطقة الجنوب الشرقي مثلا بولايات ضخمة مثل ولايتي ” تطاوين” و”مدنين” ـ ما يقارب المليون نسمة ـ لا تحتوي على مركّب جامعي واحد ويضطر أبناؤها إلى النزوح نحو الشمال ليضافوا إلى قوافل المهمشين والعاطلين وهي ولايات قد هجرها أبنائها بالآلاف وتحولت إلى كيانات أشبه بمدن الأشباح. منطقة ” قابس ” مثلا بالجنوب الشرقي هي منطقة السرطانات والأوبئة بامتياز حيث ورث أبناؤها عن دولة الاستقلال المزيف أكبر المجمعات الكيمائية في البلاد وهي خزانات للموت تنفث سمومها كل ثانية في الهواء الطلق فتزرع الأمراض بين سكان الولاية التي تموت في صمت وسط مقابر النفايات الكيمائية وحتى النووية السرية مما قضى نهائيا على نسيج الواحات الخلابة الذي كان علامة ” قابس” الأبرز وقد ذكره كل المؤرخين والرحالة في كتبهم. مدن الموت والطوب والبطالة والاحتقار هي العنوان الأكبر للعمق التونسي العميق حيث يصمد آباؤنا وأمهاتنا أمام الفقر المنظم من أجل لقمة العيش ومن أجل مستقبل أبنائهم. هم صامدون دائما في الوقت الذي يضارب فيه مرتزقة النظام القديم والجديد ـ ونخاسو حقوق الإنسان وبائعو الورع والتقوى ومهربو الصراع الطبقي ـ بالنضال والمقاومة غير بعيد عن مقاولي المقاومة والممانعة الذين عراهم ربيع العرب في المشرق وبلاد الشام. حالة الصمود هذه قد تتحول في كل وقت إلى موجة عاتية يصعب احتواؤها خاصة عندما يعجز السياسي عن تحقيق العدل الاجتماعي وعندما تنتقل المطالب إلى الشارع المشتعل أصلا وعندما تدرك الجماهير بحدسها الفطري أن الشوارع والساحات لا أروقة النفاق السياسي هي الفيصل في نزع أنياب الاستبداد مثلما أكدت ذلك حارات القصرين وتالة وبوزيد الأبية. المشروع الاستعماري بتجفيف الجنوب التونسي والشمال الغربي الصامد من أبنائه لا يزال متواصلا على يد نفس العصابة التي استلمت السلطة منذ نهاية الاستعمار العسكري المباشر وتدشين مرحلة الاستعمار الاقتصادي المباشر. هذا المشروع الذي رفضت النخب السياسية التونسية وخاصة المحسوبة على الإسلام السياسي مواجهته بالثورية الكافية هو الذي سيشحن الموجة الثورية القادمة التي ستستعيد شعار الثورة التونسية الخالدة ” التشغيل استحقاقْ يا عصابة السرّاقْ “. محمد هنيد

[ads1] [ads2]

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: