انتهى زمن الخوف …( بقلم الدكتور محمد ضيف الله)

خرجت نتائج الانتخابات، التجمع عائد إليكم من جديد. وبذلك انتهت الشماريخ التي تطلق في مختلف أرجاء البلاد في أوقات موحدة. سحبت الزبالة من الشوارع بما في ذلك من أمام المدارس والمساجد ورياض الأطفال، دون أن نسمع حديثا عن زيادات في الأجور، والحقيقة أننا لم نسمع قبل ذلك عن مطالب ملحة ولا غير ملحة للمضربين عن رفع الزبالة. ولا داعي إلى التلميح هنا إلى وجود مؤامرة أو تخطيط من وراء ستار، فقط هي الصدفة أو استبشارا بمقدم القدامى العائدين . ألغي إضراب الموانئ، وإضراب الفلاحة، وإضراب عمال المخابز بصفاقس. وإضراب السكك بباجة… وعادت البورصة إلى نسقها الإيجابي، بحيث تحمس رجال الأعمال والعُمّال بالفكر والساعد، كما لو كنا بصدد أكبر عملية للتدليل على زيف النظرية القائلة بالصراع الطبقي، عندما تلتقي هكذا البرجوازية الوطنية والكمبرادورية والبروليتاريا زائد الطبقة الوسطى في “وحدة قومية صماء” والعبارة لبورقيبة.

بحيث تتوفر أفضل الظروف للحكومة القادمة كما لو أن هناك لمسة زر. والأكيد أنه في ظلها الظليل سيتوقف الحديث -على الأقل في المستقبل المنظور- عن الإضرابات القطاعية والإضرابات الجهوية، والإضرابات المفتوحة ولن نسمع بإضرابات شرعية، أو مطالب ملحة، ولن -الزمخشرية- يقع إضراب عام. ولن نرى العباسي يكشّر أو يقطّب من أجل “إنجاح الحوار الوطني”. ومن اليوم فصاعدا لن يقطع الماء لا صيفا ولا في الشتاء، فلا داعي للتدليل على فشل الحكومة القائمة.

 في الركن الأيمن بأعلى الصفحة الأولى مباشرة تحت عنوان الصحيفة، تعود الصورة التي لا ينزعها أحد من مكانها، الحريص على ذلك المدير العام ورئيس التحرير ورئيس القسم وصولا إلى الإنفوغرافيست، كما لو أنها شرط لتسميتهم هناك، ولن نسمع  نقابة الصحافيين تناضل من أجل أن يقع تشريكها في تلك التسميات، ولا عن نضالها من أجل حرية الصحافة ولا حرية التعبير. كذلك لن نرى قياديي نقابات الأمن من أصحاب العضلات المفتولة يتحدثون عما يقع في وزارة الداخلية، ولن يكشفوا لنا عن التسريبات التي حصلوا عليها من قلعة الرماد، ولا عن الإرهاب والإرهابيين إلا بما يعزز دولة البوليس، ويظهر مساهمتها في المجهود الدولي في مقاومة الإرهاب.

في المترو الخفيف وفي الحافلات الصفراء وفي أركان المقاهي حتى البعيدة منها سيعود الحديث شيئا فشيئا عن البطولة الوطنية لكرة القدم، وعن سوق الانتقالات الشتوية، وعن بيع اللاعبين.

التجمع/حزب الدستور عائد نعم. ولكن لن يحكم بمفرده. وبالتالي لن -الزمخشرية أيضا- يعود إلى ما كان عليه في العهدين البورقيبي والنوفمبري، وهذا ليس لأنه لا يرغب في أن يتغول أو أنه استخلص الدرس من تاريخه الاستبدادي، ولا اقتناعا منه بثوبه “الديمقراطي” الجديد بعد أن أصبح يدعي أنه من القوى الديمقراطية، وليس لوجود أحزاب أخرى إلى جانبه لها قاعدتها الشعبية التي تنافس قاعدته من حيث الاتساع والتمثيلية والنضالية، وليس لفقدانه لأي برنامج أو مشروع والخوف والتخويف يمكن أن يكون صالحا لبعض الوقت لا كل الوقت، وإنما خاصة لأن الشعب -بما في ذلك حتى بعض الذين صوتوا له- لن يسلم في مكسب الحرية، ولن يرضى بالتعدي على كرامته، ولن يرضى بعودة ماكينة القمع، ولن يسلم رقبته للجلاد، انتهى زمن الخوف. 

 

محمد ضيف الله

 

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: