“اهتمام بالمرأة الريفية أم رقم في الانتخابات التشريعية؟” .. بقلم درّة بكوش

تنظّم تونس في تواريخ متفرقة على مدار السنة ندوات وورشات أعمال وتظاهرات… تزامنا مع أيام عالمية ودولية تُعنى على حدّ قولهم بالمرأة ومشاغلها؛ فتكون بذلك فرصة يتمّ فيها تذكّر حالها وما آلت إليه أوضاعها بعد آخر عيد تم الاحتفال به.

اليوم الدولي للمرأة الريفية هو يوم كباقي الأيام العالمية التي يلتفت فيها للمرأة وأوضاعها كاليوم العالمي للمرأة في الثامن من مارس (آذار) وقريبا اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة في الخامس والعشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) القادم.

في تونس، يستوقف تاريخ 15 أكتوبر (تشرين الأول) من كل سنة الهيئات الحكومية والجمعيات والإعلام لتفقّد حال المرأة في الأرياف والسؤال عن همومها وتقديم جملة من البرامج والوعود. وفي هذا الإطار، احتضنت عدة مراكز تكوينية وجمعيات ومقرات تابعة لكتابة الدولة بمناطق عدة من البلاد التونسية ندوات وفعاليات وطنية وورشات عمل نظمتها العديد من الأطراف نذكر منها الاتحاد الوطني للمرأة التونسية ورابطة النهوض بالمرأة الريفية بالتعاون مع ديوان تربية الماشية وتوفير المرعى، وكتابة الدولة للمرأة والأسرة ووزارة الفلاحة والاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) وجمعية تونسيات…

وللتذكير فقد تم تحديد اليوم الدولي للمرأة الريفية من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب قرارها المؤرخ في 18 ديسمبر 2007، وذلك تسليما منها “بما تضطلع به النساء الريفيات، بمن فيهن نساء الشعوب الأصلية، من دور وإسهام حاسمين في تعزيز التنمية الزراعية والريفية وتحسين مستوى الأمن الغذائي والقضاء على الفقر في الأرياف”.

وقد ركّزت أهم الفعاليات في الأسبوع الفارط على تسليط الأضواء على دور المرأة الريفية في الفلاحة العائلية من خلال عرض منتجاتها المتنوعة وأنشطة لصاحبات بعض المشاريع الصغرى كما اهتمّت بالاستماع إلى شواغل المشاركات والصعوبات التي تعترضهن وخاصة تمّ التركيز على ضرورة مشاركة المرأة الريفية في الحياة السياسية بالخوض في معترك الانتخابات التشريعية القادمة. ولذلك تم تخصيص ندوات لتحفيز تشريك المرأة الريفية في المسار الانتخابي وتثمين دورها وورشات عُنيت بتدريب المرأة الريفية على عملية الاقتراع (وكالة تونس إفريقيا للأنباء).

بأي مكتسبات عدت يا يوم؟؟؟

تمثّل المرأة الريفية في تونس 35.5٪ من مجموع عدد النساء و٪60 مـن اليــد العـاملــة في القطاع الفلاحي (حسب تصريح وزير الفلاحة 16 أكتوبر 2014 لإذاعة أُوَازيس) وتعمل النساء في الأوساط الريفية في مختلف مراحل الإنتاج الفلاحي بالإضافة إلى الصناعات الحرفية والتقليدية. وبالرغم من القوانين والبرامج والخطط التنموية التي زعموا أنهم وضعوها لتحسين أوضاع المرأة الريفية: الصحية والتعليمية والاقتصادية؛ كالخطة الوطنية للنهوض بالمرأة الريفية التي تمت المصادقة عليها عام 1998؛ نصطدم بواقع يكشف زيف كل تلك التشريعات ويتبرّأ منها. فقد نشر مركز الإعلام والتكوين والدراسات والتوثيق حول الجمعيات في 14/10/2014 النتائج النهائية لدراسة حديثة أعدّتها جمعية النساء الديمقراطيات حول العاملات في القطاع الفلاحي في سبع ولايات شمالية أشارت إلى أن أكثر من 75٪ من العاملات في القطاع الفلاحي عاجزات عن توفير حاجيات أسرهنّ وتأمين عيش كريم بالرغم من عملهن لأكثر من 12 ساعة يوميا. والمؤلم أنه بالرغم من تحمل مشقة العمل وساعاته الطوال تشكل نسبة العمل غير مدفوع الأجر للنساء في الوسط الريفي 97% من معدل ميزانية الوقت اليومي حسب دراسة أنجزت في “توزيع واستغلال الوقت لدى النساء والرجال 2005 – 2006” هذا بالإضافة إلى غياب التأطير وعدم قدرتهنّ على تسويق منتوجاتهنّ ممّا يضطرّهنّ في حالات كثيرة إلى إتلاف المحاصيل، وتكاد المرافق الطبية أن تكون شبه مغيّبة في الأوساط الريفية في ظروف عمل قاسية مع انعدام للتغطية الصحية؛ فالريفيّة تعمل في ظروف عمل قاسية لا يعيلها إلا جهدها إن قويت عملت وإن مرضت جاعت ولم تجد من يوفر لها حبّة دواء.

هذا هو حال المرأة في الريف، تشتكي فيه من أجر زهيد مقابل أعمال مضنية؛ تفتقر للرعاية والإحاطة؛ وتعيش وضعية أقل ما يقال عنها أنها كارثية. وإنك لتدهش من وجود دراسات تمجّد وضع المرأة في تونس كدراسة نشرتها «رويترز» في 12/11/2013 أعلنت فيها أن تونس تحتل المرتبة السادسة في تصنيف أحسن الدول العربية في معاملتها للمرأة وكأنّ لسان حال تلك الدراسات أنها لا تعترف بالمرأة الريفية ومعاناتها اليومية ولا تعنى بمسؤولية الدولة في معاناتها.

بعد هذا الجرد السّريع لبعض الإحصائيات والمعطيات الخاصّة بأوضاع المرأة الريفية كان لا بدّ أن نقف لنتبين مدى نجاعة الحلول والبرامج المقترحة في هذه الندوات: هل مجرّد سن قوانين تقر بحق المرأة الريفية في العيش الكريم وتعزز فرص حصولها على القروض الصغرى يغير وضعها؟ هل الاهتمام الموسمي بظروفها المعيشية سيحدث أيّ تغيير فيها؟ هل ستتحسن ظروفها الاقتصادية بمجرد إصدار البريد التونسي طابعا بريديا لهذه المناسبة أو بمجرد توفير تجهيزات لتربية النحل ومفاقس الدجاج أم بالبت في إشكالية الميراث في تونس – كما صرحت رئيسة الاتحاد الوطني للمرأة التونسية – اعتبارا أن ملكية الأراضي ترجع للابن بعد موت الأب، هل ستُحلّ مشاكل المرأة الريفية فرضا إن ورثت هي الأرض!! أم أنّ الحل السّحري لهذه المعاناة هو تدريب النساء الريفيات على عمليات الاقتراع!!!

إنه لمن المخزي أن يكون حتى التذكر الموسمي للمرأة الريفية مقترنا باستغلال عوزها وحاجتها للمساعدة وحثها على الإدلاء بصوتها لانتخاب من يشرّع ويسن قوانين مجحفة ظلمتها سابقا وستظلمها لاحقا. لو كانت هذه حلول جذرية لما وَرّثت بالفائض كل سنة مشاكلها للسنة التي تليها.

اهتمام بالمرأة الريفية أم رقم في الانتخابات التشريعية!

قام المركز التونسي المتوسطي باستشارة ميدانية في إطار مشروع دعم مشاركة المرأة الريفية في انتخابات سنة 2014 وقد شملت الاستشارة أكثر من 5200 امرأة في خمس ولايات هي توزر وقفصة والقصرين وجندوبة وزغوان. كشفت نتائج الدراسات على أن 77% من النساء الريفيات لم يشاركن في انتخابات 2011 و83% رافضات للانتخابات المقبلة كما أن 36% منهنّ لا يمتلكن بطاقات تعريف وطنية يستظهرن بها في مراكز الاقتراع. مؤشرات خطيرة تدق نواقيس الخطر لإمكانية خسارة رقم مهمّ في الانتخابات القادمة، أسباب كافية لانطلاق الحملات التوعوية والبرامج الميدانية والندوات التي تتدارس أسباب عزوف المرأة الريفية عن المشاركة في الانتخابات وتبحث عن آليات الحث عليها. ومن أهم التوصيات التي جرى العمل عليها تسهيل تنقل المرأة الريفية إلى مراكز الولايات من أجل التسجيل في الانتخابات (في حين أنها ما زالت تقطع الكيلومترات سيرا لجلب الماء وكسب لقمة العيش…) والتمديد في آجال التسجيل ووضع آلية تمكنهنّ من استخراج أو تجديد بطاقات تعريفهنّ لتدارك التسجيل بعد الآجال المحددة (مع أنهن ظللن طويلا دون بطاقات تعريف تمكنهنّ من التمتّع بأبسط الحقوق “الخدمات الصحية” و”التغطية الاجتماعية”…).

إن الأوضاع الهشة التي تعاني منها المرأة الريفية لن تحلها المشاريع التنموية ولا المساواة في الإرث ولا المشاركة في انتخابات تكرّس عبوديتها للعباد لأنّه مهما بلغت نسبة النموّ سيبقى النصيب الأوفر من الربح حكرا على الأقلية فالذي سيحل مشكلة الاقتصاد ليس زيادة الثروة بل توزيعها توزيعا عادلا.

إن النظام الاقتصادي في الإسلام هو الذي سيخرج الناس جميعا من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الرأسمالية إلى عدل الإسلام فهو وحده الكفيل الذي سيضمن للمرأة المسلمة حقها في العيش الكريم. فلا فرق بين امرأة في الريف وامرأة في المدينة بل يجب أن تنال المرأة المسلمة حقها أينما كانت لا منة أو شفقة.

بل هو واجب على الدولة إن لم تقم به تعتبر قد قصرت في رعاية شؤون رعيتها وهضمت حقوقها.

أيضا عند الحديث عن الدولة لا بد أن لا ننسى دورها الإشرافي على تطوير القطاعات فالأصل أن تؤطر الفلاحين والفلاحات وتعينهم على النهوض بالقطاع بكل الوسائل المتاحة من إقراضهم القروض غير الربوية وتوفير المعدّات المتطورة والبذور عالية الجودة وإعانتهم على تسويق منتوجاتهم وتطويرها لتكون قادرة على المنافسة؛ كذلك الأمر بالنسبة للحرفيين والحرفيّات.

كل هذا هو الكفيل بتغيير واقع المرأة الريفية وانتشالها من عوزها وعجزها وفقرها وقلة ذات حيلتها.

ولذلك فالأيام الموسمية من مثل اليوم الدولي للمرأة الريفية لا يغير من قتامة الواقع شيئا بل هو تذكير سنوي بتقاعس الدولة وتقصيرها وظلمها لرعيتها.

واقتران الاحتفال بذلك اليوم بحث الريفية على الإدلاء بصوتها يكشف النوايا والخبايا ويفضح حقارة القائمين عليه.

بقلم المهندسة درة بكوش – ناشطة سياسية في صفوف حزب التحرير –

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: