بحث مختصر: نزعة التشيع وأثرها في الكتابة التاريخية / مع د. سليمان العودة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وبعد :

أشير قبل البدء بهذا الموضوع ” في نزعة التشيع وأثرها في الكتابة التاريخية ” إلى نقطتين هامتين :

الأولى: أن فكرة البحث في هذا الموضوع قد راود تني منذ زمن الاحساسي بأهميته ، وقد حدثت بعض الزملاء من أهل الاختصاص بهذا الموضوع فشاركوني الرأي في أهميته ، ولذا جاءت ندوة ” نزعة التشيع ” تأكيداً واقعياً لهذه الهموم المشتركة والتي اشترك معي فيها الأخوة الزملاء : أ. محمد بن صامل السلمي ،أ. يحيى بن إبراهيم بن اليحيى المحاضران وقتها فى جامعة أم القرى ، والجامعة الإسلامية، وإذ أقدم اليوم هذا الموضوع بشكل أعمق فأنني أقدم الجهد الخاص بي في هذا الصدد ، وأشير إلى مجهود غيري في هذا المجال .

-3-

الثانية : أنني قدمت بحثاً آخر: حول كامل ابن الأثير ونزعة التشيع فيه ، ومع أن البحث يمكن أن يكون استكمالا للموضوع السابق فقد آثرت فصله حتى لا يظن المطلع لأول وهلة أنني أصنف ابن الأثير مع المؤلفين الشيعة، بل ولإبعاد هذا الاحتمال فقد رأيت عنونته بـ ” نظرة ” في كتاب الكامل لابن الأثير” ، وقد تم نشر البحث في مجلة البيان اللندنية في عددها الثاني عشر : شوال /1408هـ/ 1988م مع بعض التعديل الطفيف فيه .

-4-

نزعة التشيع وأثرها في الكتابة التاريخية

ماذا نقصد بنزعة التشيع ؟

يقابل الباحث في الشيعة والتشيع مصطلحات تحتاج إلى تحرير وتمييز، ذلك أن مصطلح الشيعة مرّ بعدة مراحل، تطور المفهوم خلالها من مسمى لم يكن يعد قصد أصحابه تفضيل بعض الصحابة على بعض مع الاحتفاظ لهم بالمحبة وسلامة الصدر، إلى مفهوم عقدي ومذهبي لم يكتف منتحلوه بمسألة الاختلاف بالتفضيل بين عثمان وعلى رضى الله عنهما، بل إلى اعتبار علي رضي الله عنه وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الأجدر والأحق بالخلافة من أبي بكر وعمر فضلا عن عثمان ، بل غالى بعض أصحاب هذه النزعة إلى اعتبار الخلفاء قبله مغتصبين للخلافة ، ومن لم ير ذلك من الأصحاب فهو متهم في دينه مختل في عقيدته ، ومن هنا انتحلت الروايات في انتقاص الصحابة ، والتجني عليهم ، في الوقت الذي انتحلت فيه روايات أخرى مبالغة في وصف علي ووصفه بما لا يرضى أن يوصف هو به (1) .
ــــــــــــــ
(1) ورد عن علي بأسانيد جيدة أنه قال لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر إلا جلدته حد المفترى . ( فتاوى ابن تيمية 28/475) .

-5-
وعلى ذلك فالشيعة الأولى مصطلح لا يدخل فيما نحن بصدده وحتى نميزه عن غيره نعرف به ونحدد المقصود منه .

الشيعة الأولى :

جاء في صحيح البخاري – في كتاب الجهاد – ” عن أبي عبد الرحمن وكان عثمانياً، فقال لابن عطية وكان علوياً إني لأعلم ما الذي جرّأ صاحبك- يعني علياً (*) – على الدماء … الخ (2) .

قال الحافظ في الفتح معلقاً: وقوله ” وكان عثمانياً ” أي يقدم عثمان على علي في الفضل، وقوله ” وكان علوياً ” أي يقدم علياً في الفضل على عثمان وهو مذهب مشهور لجماعة من أهل السنة بالكوفة (3) .
ـــــــــــــ
(*) كما جاء ذلك مصرحاً به في الرواية الأخرى في استتابة المرتدين، باب ما جاء في المتأويلين (صحيح البخاري8/45).
(2) 4/38 باب إذا اضطر الرجل إلى النظر في شعور أهل الذمة والمؤمنات إذا عصين الله وتجريدهن .
(3) فتح الباري 6/191 ، 21/306 .

-6-

وقال ابن عبد البر – رحمه الله – ” وقف جماعة من أئمة أهل السنة والسلف في علي عثمان – رضي الله عنهما – فلم يفضلوا أحداً منهما على صاحبه منهم مالك بن أنس، ويحيى نب سعيد القطان،وأما اختلاف السلف في تفضيل علي فقد ذكر ابن أبي خيثمة في كتابه من ذلك ما فيه كفاية، – ثم نقل ابن عبد البر إجماع عامة أهل السنة على تفيل عثمان فقال: وأهل السنة اليوم على ما ذكرت لك من تقديم أبي في الفضل على عمر، وتقديم عمر على عثمان، وتقديم عثمان على علي رضي الله عنهم ، وعلى هذا عامة أهل الحديث من زمن أحمد ابن حنبل إلا خواص من جلّة الفقهاء وأئمة العلماء فإنهم على ما ذكرنا عن مالك ويحيى القطان وابن معين، فهذا ما بين أهل الفقه والحديث في هذه المسألة،وهم أهل السنة، وأما اختلاف سائر

-7-

المسلمين في ذلك فيطول ذكره ، وقد جمعه القوم (4) .
وهذا الذي ذكره ابن عبد البر عن مالك في تقديم علي على عثمان ذكر ابن تيمية رحمه الله رواية أخرى عنه تخالفه، حين نقل ما استقر عليه أهل الحديث وأئمة الفقه في ذلك فقال: ” وأما جمهور الناي ففضلوا عثمان، وعليه استقر أمر أهل السنة،وهو مذهب أهل الحديث، ومشايخ الزهد والتصوف،وأئمة الفقهاء كالشافعي وأصاحبه، وأحمد وأصحابه، وأبي حنيفة وأصحابه، وإحدى الروايتين عن مالك وأصحابه، قال مالك: لا أجعل من خاض في الدماء كمن لم يخض فيها، وقال الشافعي وغيره إنه بهذا قصد والي المدينة الهاشمي، ضرب مالك، وجعل طلاق المكره سببا ظاهراُ ..(5)

كما نقل عن ” مالك ” – رحمه الله – رأياً ثالثاً يفيد توقفه
ــــــــــــــ
(5) منهاج السنة 4/202 .

-8-

وعدم تفضيل أحدهما على صاحبه وهو الذي حكاه ابن القاسم عن مالك عمن أدركه من المدنيين (6) .

ويحدد ابن تيمية مصطلح الشيعة الأولى ورأيهم في تقديم الصحابة فيقول: وكانت الشيعة الأولى لا يشكون في تقديم أبي بكر وعمر، وأما عثمان فكثير من الناس- يقصد من هؤلاء- يفضل عليه علياً، وهذا قول كثير من الكوفيين وغيرهم، وهذا القول الأول للشورى ثم رجع عنه.. وأما جمهور الناس ففضلوا عثمان وعليه استقر أمر أهل السنة… قال أيوب السختياني: من لم يقدم عثمان على علي فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار ” (7) .

وبعد أن ينقل ابن تيمية في الفتاوى استقرار أمر أهل
ـــــــــــــ
(6) المصدر السابق 4/202. وقال ابن تيمية معلقاً على هذا الرأي: وهذا يحتمل السكوت عن الكلام في ذلك فلا يكون قولا وهو الأظهر، ويحتمل التسوية بينهما .
(7) المصدر السابق 4/202، وقريبا منه في المصدر نفسه 2/178 .

-9-

السنة على تقديم عثمان يشير إلى أن هذه المسألة الخلافية ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن المسألة التي يضلل المخالف فيها هي مسألة الخلافة (8) .
وهو بهذا يؤكد الفرق الذي أشرنا إليه آنفاً، ويحدد مصطلح التشيع الذي نريد أن نتحدّث عنه كنزقة مذهبية كان لها أثرها في الكتابة التاريخية، فمتى نشأت هذه النزعة وما هو أثرها ؟

نشأة التشيع :

لا أريد هنا استعراض مختلف الآراء في نشأة التشيع والترجيح بينها- قلت أمر يطول، وليس هو المقصود بهذه الدراسة- بل الهدف الإشارة إلى تاريخ النشأة وأصولها .

ولئن كان الناس في الفتنة صاروا شيعتين – كما يقول
ــــــــــــ
(8) الفتاوى 3/153 .

-10-

ابن تيمية – شيعة عثمان وشيعة علوية، فهذا يؤكد أن زمن الفتنة بين الصحابة بداية الاختلاف لكن ذلك لا يعني استواء التشيع بالمفهوم المذهبي والانتحال العقدي الذي كان له أثره فيما بعد، وابن تيمية يؤكد هذا وهو يشير- في النص نفسه – إلى أنه ليس كل من قاتل مع علي كان يفضله على عثمان، بل كان كثير منهم يفضل عثمان عليه كما هو قول سائر أهل السنة (9) .

ولكن ذلك كذلك لا يعني عدم القوم بظهور بذور التشيع في تلك الفترة،وخاصة بعد ظهور عبد الله بن سبأ اليهودي – أواخر أيام عثمان – وإعلانه أفكاراً غريبة لم يقل بها أحد من قبله كالقول بالوصية لعلي ، والرجعة للأئمة، وسب الصحابة … وغيرها من الأفكار التي أصبحت بعد من أصول ومنطلقات التشيع،ولهذا نقل الأئمة عن سواهم اعتبار عبد الله بن سبأ مبدأ الرفض والتشيع (10) .
ـــــــــــــ
(9) منهاج السنة 2/178 .
(10) انظر: الفتاوى 28/483 .

-11-

ونقلوا أن علياً رضي الله عنه ” طلب أن يقتل عبدا لله بن سبأ أول الرافضة حتى هرب منه ” (11) .

وهذا ليس قصراً على أهل السنة وحدهم، بل لم يستطع الشيعة أنفسهم إنكار هذه الحقيقة، ومدونات الشيعة المتقدمة تثبت أهل أصل الرفض إنما كان من عبد الله بن سبأ (12) .

ومع التسليم بكون المصطلح لم يتبلور، والشيعة- الرافضة- لم تجتمع وتصير لهم قوة إلا بعد مقتل الحسين رضي الله عنه، بل لم يظهر اسم الرفض – كما يقول ابن تيمية – إلا حين خروج زيد بن علي بن الحسين بعد المائة الأولى لما أظهر
ـــــــــــــ
(10) الفتاوى 28/500 .
(11) انظر القمي: المقالات والفرق ص 20 ، النوبختي: فرق الشيعة ص 20، ابن المرتضى : طبقات المعتزلة ص 5-6.

-12-

الترحم على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما رفضته الرافضة فسمّوا ” رافضة ” اعتقدوا أن أبا جعفر هو الإمام المعصوم، واتبعه آخرون فسمّوا ” زيدية ” نسبة إليه (12) .

أقول مع التسليم بذلك فتبقى عقائد السبئية وأفكار عبد الله بن سبأ التي طرحها لأول مرّة، ومازالت الشيعة تتشبث بها في المنطلقات الأساسية والبذور الأولى لنزعة التشيع، ومن أبرزها : والوصية، والرجعة، وسب الصحابة.

ومعنى الوصية- كما وضعها بن سبأ – ” أنه كان ألف نبي ولكل نبي وصي، وكان علي وصي محمد، ثم قال: محمد خاتم الأنبياء وعلي خاتم الأوصياء، ثم قال بعد ذلك من أظلم ممن لم يجز وصية رسول اللهr ووثب على وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم” (13) .
وينشأ عن القول بالوصية القول بفرض إمامة الموصى
ـــــــــــــ
(12) الفتاوى 4/490 .
(13) انظر: تاريخ الطبري 4/430 .

-13-

له- وهذا هو المقصود – وكان ابن سبأ – كما يقول القمي أول من قال بفرض إمامة علي (14) .

وأول من أظهر القول بالنص بإمامة علي كما يقول الشهرستاني (15) .

أما الرجعة فتعني رجعة الأموات إلى الدنيا، وابن سبأ أول من قال ذلك (16) .

وكان يقول: العجب ممن يزعم أن عيسى يرجع ويكذب بأن محمداً يرجع، وقد قال الله (( إن الذين فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد )) فمحمد أحق بالرجوع من عيسى، ووضع لهم الرجعة فتكلموا فيها (17) .

ومن لوازم هذه العقيدة عندهم الاعتقاد بأن علياً حي لـم
ـــــــــــــــ
(14) المقالات والفرق ص20- والنظر لمزيد التفضيل كتب المقالات والفرق وكتاب عبد الله بن سبأ وأثره في أحداث الفتنة للمؤلف .
(15) الملل والنحل 1/155 .
(16) السكسكي: البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان ص 50 .
(17) تاريخ الطبري 4/140 .

-14-

يمت، ولهذا فالشيعة يقولون بأن علياً لم يقتل ولم يمت ولا يموت حتى يملك الأرض، ويسوق العرب بعصاه (18) .

أما سب الصحابة فيؤكد علمان من أعلام الشيعة – القمي، والنوبختي – بأن عبد الله بن سبأ كان أول من أظهر الطعن في أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرأ منهم (19) .

ويقول الهيتمي: أن السبأية – وهم أصل التشيع كما سبق- كانوا يسبون أصحاب رسول الله r إلا قليلا منهم، وينسبونهم إلى الكفر والزندقة ويتبرأون منهم (20) .

أكتفي بإيراد هذه النماذج من معتقدات الشيعة . لأنها ستبدوا لنا أكثر من غيرها وضوحا حين الحديث عن نماذج من أثر نزعة التشيع في الكتابة التاريخية .

والآن لنحدد أثر النزعة المذهبية – بشكل عام- في الكتابة
التاريخية ثم نتوقف بشيء من البيان والتفصيل عن أثر نزعة التشيع بشكل خاص .
ــــــــــــــ
(18) القمي: المقالات والفرق ص 19 .
(19) المصدر السابق ص 20، وفرق الشيعة للنوبختي ص 44 .
(20) الصواعق المحرقة ص 6 .

-15-

أثر النزعة المذهبية :

تشكل النزعة المذهبية – أيّاً كانت – مورداً من موارد الزلل والتحريف وتعد واحدة من أبرز أسباب الكذب في التاريخ،وكيف لا يكون ذلك كذلك وصاحب النزعة إنما يحاول بشكل إرادي أولا إرادي أن يفسر الحدث وفق مشربه، ويصور الأمور كما يشتهي ويعتقد .

ولقد تطرق ابن خلدون – رحمه الله- في مقدمته للكذب في الأخبار والأسباب المقتضية، فذكر – أول ما ذكر من ذلك – النزعة للمذهب والتشيع للآراء فقال: ” ولما كان الكذب متطرقاً للخبر بطبيعته وله أسباب تقتضيه، وفمنا التشيعات للآراء والمذاهب، فإن النفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبـول الخبر أعطته حقـه من التمحيص والنظر حتى تتبين

-16-

صدقه من كذبه، وإذا خامرها تشيع لرأي أو نحلة قبلت ما يوافقها من الأخبار لأول وهله، وكان ذلك الميل والتشيع غطاء على عين بصيرتها من الانتقاد والتمحيص فتقع في قبول الكذب ونقله (21) .

نزعة التشيع :

وإذا كان هذا في عموم النزعات المذهبية، فلنزعة التشيع – وهي موضع البحث – من ذلك نصيب وافر، ويشخص لنا شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – داء المذهبية عند الرافضة،وعمق الكذب عن الشيعة حين يقول: ولهذا كانوا أكذب فرق الأمة، فليس في الطوائف المنتسبة إلى القبلة أكثر كذبا ولا أكثر تصديقا للكذب وتكذيبا للصدق منهم، وسيما النفاق فيهم أظهر من في سائر الناس، وهي التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم ” آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان ” وفي رواية ” أربع من كن فيه كان منافقـا
ـــــــــــــ
(21) انظر: مقدمة ابن خلدون ” نشر دار إحياء التراث العربي ” ص 35 .

-17-

خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا وعد اخلف ،وإذا عاهد غدر،وإذا خاصم فجر” وكل من جربهم يعرف اشتمالهم على هذه الخصال، ولهذا يستعملون ” التقية ” التي هي سيما للمنافقين واليهود ويستعملونها مع المسلمين (( يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم )) ويحلفون ما قالوا وقد قالوا، ويحلفون بالله ليرضوا المؤمنين والله ورسوله أحق أن يرضوه .. (22) .

وينتهي – ابن تيمية – إلى أنهم شرّ من عامة أهل الأهواء، وأحق بالقتال من الخوارج، وهذا – كما يقول- هو السبب فيما شاع في العرف العام أن أهل البدع هم الرافضة (23) .

وأنهم إن لم يكونوا شراً من ” الخوارج ” المنصوصين فليسوا دونهم (24) ,

ثم يعرض للمقارنة بين النحلتين، ومؤكداً أن الخوارج
ـــــــــــــ
(22) انظر الفتاوى 28/479 .
(23) المصدر السابق 28/482 .
(24) المصدر السابق 28/477 .

-18-

أقل ضلالا من الروافض مع أن كل واحدة من الطائفتين مخالفة لكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومخالفة لصحابته وقرابته، ومخالفون لسنة خلفائه الراشدين ولعترته أهل بيته(25) .

وينقل لنا في كتابه ” منهاج السنة ” اتفاق أهل العلم بالنقل والرواية والإسناد على أن الرافضة أكذب الطوائف، وأن الكذب فيهم قديم (26) .

ثم يقول: ومن تأمل كتب الجرح والتعديل المصنفة في أسماء الرواة والنقلة وأحوالهم مثل كتب يحيى من معين، والبخاري، وأبي أحمد ن عدي، والدارقطني، وإبراهيم بن يعقوب الجزوجاني السعدي، ويعقوب بن سفيان الفسوي، وأحمد بن صالح العجلي، والعقيلي، ومحمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، والحاكم النيسابوري، والحافظ عبد الغني بن سعيد المصري ، وأمثال هؤلاء الذين هم جهابذة ونقاد وأهل
ـــــــــــــ
(25) المصدر السابق 28/483 -493 .
(26) منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية 1/16.

-19-

معرفة بأحوال الإسناد رأي المعروف عندهم الكذب في الشيعة أكثر منهم في جميع الطوائف (27) .

ثم ينقل – ابن تيمية – تحرج أصحاب الصحيح عن النقل عن خيارهم فضلا عن من دونهم فيقول: حتى أن أصحاب الصحيح كالبخاري لم يرو عن أحد من قدماء الشيعة مثل عاصم ين ضمرة، والحرث الأعور وعبد الله بن سلمة وأمثالهم، منع أن هؤلاء من خيار الشيعة (28) .

ثم يوثق (*) ابن تيمية نقولاً عن الأئمة الأعلام في كذب الرافضة، فيروي عن ” مالك ” قوله: وقد سئل عن الرافضة: لا تكلمهم ولا ترو عنهم فإنهم يكذبون (29) .
ــــــــــــ
(27) المصدر السابق 1/18 .
(28) المصدر السابق 1/18 .
(*) قال ابن تيمية معلقا على هذه النصوص: وهذه آثار ثابته قد رواها
أبو عبد الله بن بطة في الإبانة الكبرى هو وغيره .( المنهاج
1/16-17 ) .
(29) المصدر السابق 1/16 .

-20-

وكان يقول: نزّلوا أحاديث أهل العراق منزلة أحاديث أهل الكتاب لا تصدّقوهم ولا تكذّبوهم (30) .

ولما اشتهرت الكوفة اختصت بالكذب فقد شبّهها ” مالك” رحمه الله بدار الضرب، فقد قال له عبد الرحمن ابن مهدي: يا أبا عبد الله سمعنا في بلدكم أربعمائة حديث في أربعين يوماً، ونحن في يوم واحد نسمع هذا كله . فقال له عبد الرحمن: ومن أين لنا دار الضرب، أنتم عندكم دار الضرب تضربون بالليل وتنفقون بالنهار (31) .

وعن الشافعي قوله: لم أر أحد أشهد بالزور من الرافضة(32) ، وعن الأعمش أنه قال: أدركت الناس وما يسمّونهم إلا الكذابين يعني أصحاب المغيرة بن سعيد (33) – وهم من الرافضة .
ــــــــــــــ
(30) منهاج السنة 1/309 .
(31) المصدر السابق 1/309 = لهذا قال أحد الباحثين إن الكذب في الكوفة نشأ مع التشيع جنباً إلى جنب ” يحيى اليحي: مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري ص 40 .
(32) منهاج السنة 1/16 .
(33) المصدر السابق 1/16 .

-21-

كما نقل ابن تيمية عن يزيد بن هارون قوله: نكتب عن كل صاحب بدعة إذا لم يكن داعية إلا الرافضة فإنهم يكذبون(34) .

وعن شريك– مع أن فيه تشيعاً – قوله- أحمل العلم عن كل من لقيت إلا الرافضة فإنهم يضعون الحديث ويتخذونه ديناً

ويعلق ابن تيمية على كلام شريك هذا بقوله: وشريك هذا هو ابن عبد الله القاضي قاضي الكوفة من أقران الثوري وأبي حنيفة ، وهو من الشيعة الذي يقول بلسانه أنا من الشيعة، وهذه شهادة فيهم (35) .

وفوق ذلك ينقل الذهبي عن ابن المبارك قوله: الدين لأهل
ـــــــــــــ
(32) المصدر السابق 1/16 .
(34) المصدر السابق 1/16 .
(35) المصدر السابق 1/16 .

-22-

الحديث والكلام والحيل لأهل الرأي، والكذب للرافضة (36) .

وقد ثبت عن الشعبي أنه قال: ما رأيت أحمق من الخشبية (37) لو كانوا من الطير لكانوا رخماً، ولو كانوا من البهائم لكانوا حمراً، والله لو طلبت منهم أن يملؤا هذا البيت ذهباً على أن أكذب على علي أعطوني، ووالله ما أكذب عليه أبداً (38) .

وهو القائل: أحذركم أهل هذه الأهواء المضلّة وشرّها الرافضة (39) .

ولم تكن الشيعة تتورع عن الكذب البتة ، وفي هذا
ـــــــــــ
(36) المنتقى من منهاج الاعتدال ص480 ط: السلفية .
(37) المقصود بهم الشيعة، فقد نقل ابن تيمية النص في مواطن آخر
بلفظ ” الشيعة ” ( المنهاج 1/8 ) ، كما نقل ابن تيمية أن مصطلح
الرافضة إنما ظهر لما رفضوا زيد بن علي بن الحسين في خلافة
هشام ( المنهاج 1/9) .
(38) منهاج السنة 1/7-8 .
(39) المصدر السابق 1/7 .

-23-

يقول حماد بن سلمة: حدثني شيخ لهم قال: كنا إذا اجتمعنا استحسنا شيئا جعلنا حديثاً (40) .

ولفرط كذبهم وتزويرهم امتنع بعض الأئمة الأعلام عن الحديث في فضائل علي ، حتى قال سفيان الثوري: منعتنا الشيعة أن نذكر فضائل علي (41) .

وكان يقول: إذا كنت بالشام فاذكر مناقب علي وإذا كنت بالكوفة فاذكر مناقب أبي بكر وعمر (42) .

وقال الشعبي – قد ذكرت الرافضة يوماً عنده – ” لقد بغضوا إلينا حديث علي بن أبي طالب (43) .

وقد أكد ابن أبي الحديد – مع تشيعه (*) – تأصل الكذب
ـــــــــــــ
(40) الموضوعات لان الجوزي 1/39 .
(41) أبو نعيم: حلية الأولياء 7/27 .
(42) المصدر السابق 7/27 .
(43) ابن عبد ربه: العقد الفريد 2/223 .
(*) وصفه ابن كثير بالشيعي الغالي ( البداية والنهاية 13/190).

-24-

في الرافضة فقال: ” إن أصل الأكاذيب في أحاديث الفضائل كان من جهة الشيعة، فإنهم وضعوا في مبدأ الأمر أحاديث مختلفة في صاحبهم، وحملهم عل وضعها عداوة خصومهم”(44) ” .

أكتفي بإيراد هذه النصوص ولعل فيها كفاية لبيان المقصود، وإلا فهناك غيرها لمن تأمل .

ولعل آن الأوان لأن ننتقل من التوصيف النظري إلى التطبيق العملي لنتبين من خلاله كذب الشيعة وافتراؤهم من خلال المرويات التاريخية التي رووها، والمصنفات التي ألفوها.
ومن هنا سوف يكون الحديث عن نزعة التشيع جامعا بين الرواة والمصنفات .

ولئن لم يكن بالإمكان نقصي كل راو، والإحاطة بكل مصنف شيعي فحسبنا الوقوف على نماذج من هذا وذاك .
ـــــــــــ
(44) شرح نهج البلاغة 11/48-49 .

أولا : الرواة الشيعة :

سأكتفي بإيراد نموذجين لرواة الشيعة، ونموذجين آخرين للمصنفات الشيعية، لا بقصد الحصر لأثر نزعة التشيع في الكتابة التاريخية بقدر ما أقصد منها إبراز نموذج لأثر هذه النزعة في مروياتنا ومصنفات أسلافنا .

( أ ) لوط بن يحيى ” أبو مخنف ”

وهو من رواة المتقدمين ( ت 157 هـ) والمكثرين حتى بلغت مروياته في تاريخ الطبري (585) رواية، وفي فترة مهمة من فترات التاريخ الإسلامي ابتدأت من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم حتى سقوط الدولة الأموية سنة 132 هـ (45) .

وهذا الراوي غارق في التشيع من شحمة أذنيه حتى أخمص قدميه ولهذا قال عنه ابن عدي: شيعي محترق (46) .

ولئن كان أمره مكشوفا لعلماء الجرح والتعديل وأرباب
ــــــــــــــ
(45) انظر: يحي اليحى: مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري ص
487 .
(46) الكامل في ضعفاء الرجال 6/2110 .

-26-

التاريخ المتقدمين، فليس الأمر كذلك لبعض المؤرخين المتأخرين الذين تناقلوا مروياته دون نظر أن تمحيص، ويكشف لنا المتقدمين حقيقته فيقول ابن معين: ليس بشيء(47).

وقال ابن حيان: رافضي يشتم الصحابة ويروي الموضوعات عن الثقات (48) .

وقال فيه الذهبي: إخباري تالف لا يوثق به (49) ومثله قال ابن حجر (50) .

أما ابن عدي فقد فضل القول فيه فقال: ط حدث بأخبار من تقدم من السلف الصالحين، ولا يبعد منه أن يتناولهم، وهو شيعي محترق صاحب أخبارهم، وإنما وصفته للاستغناء عن ذكر حديثه فإني لا أعلم من الأحاديث المسندة ما أذكره ، وإنما له من الأخبار المكروه الذي لا أستجيز ذكره (51) .
ــــــــــــ
(47) يحي بن معين: تاريخ يحي بن معين 2/500 .
(48) لسان الميزان 4/366 .
(49) ميزان الاعتدال 3/419 ، 430 .
(50) لسان الميزان 4/492 .
(51) الكامل في ضعفاء الرجال 6/2110 .

-27-

وقد ذكره العقيلي في الضعفاء مشيراً إلى تضعيف ابن معين له (52) .

تلك نصوص تكفي لإدانة أبي مخنف وتعرف بهن وإليكم ما يثبت أدانته من خلال بعض مروياته وسأقتصر كذلك على نموذجين .

الرواية الأولى في سقيفة بني ساعدة :

ذكر الطبري ضمن أحداث سنة 11 للهجرة خبر ما جرى بين المهاجرين والأنصار في أمر الإمامة في سقيفة بن ساعدة- بسنده عن أبي مخنف قال:

اجتمعت الأنصار في سقفية بن ساعدة، فقالوا: نولى هذا الأمر بعد محمد عليه السلام سعد بن عبادة، وأخرجوا سعداً
ــــــــــــ
(52) الضعفاء الكبير 4/ 18-19 .

-28-

وهو مريض، فلما اجتمعوا تكلم فيهم بصوت ضعيف كان يبلغ القوم عنه ابن له أو بعض بني عمه، وكان مما قاله – بعد أن ذكره سابقة الأنصار وجهادهم وأن لهم سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب !! وأن العرب دانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأسيافهم وتوفى الله ورسوله وهو راض الناس ” (53) .

ثم أن القوم أجابوه بأجمعهم: أن قد ورفقت في الرأي وأصبت في القول ولن نعد ما رأيت ونوليك هذا الأمر، ثم ترادوا الكلام بينهم فقالوا فإن أبت مهاجرة قريش فقالوا: نحن المهاجرون وصحابة رسول الله الأولون ونحن عشيرته وأولياؤه فعلام تنازعوننا هذا الأمر بعده !

فقالت طائفة منهم: فإنا نقول إذاً: منّا أمير ومنكم أمير، ولن نرضى بدون هذا الأمـر أبداً، فقال سعد بن عبادة حين سمعها : هذا أول الوهن (54) .
ــــــــــــــ
(53) تاريخ الطبري 3/218 .
(54) المصدر السابق 3/219، 220، 221 .

-29-

وأتى عمر الخبر فأقبل إلى منزل النبي صلى الله عليه وسلم ، فأرسل إلى أبي بك ر وأبو بك ر في الدار، وعلي بن أبي طالب دائب في جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعد مجيئه تكل أبو بكر، ثم عمر، ثم قال الحباب بن المنذر فتكلم، ومما قال:

” يا معشر الأنصار املكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فإن أبوا عليكم ما سألتموه فأجلوهم عن هذه البلاد .. فأنتم والله أحق بهذا الأمر منهم .. إلى أن قال: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، أما والله لئن شئتم لتقيدنها جذعة، فقال عمر: إذاً يقتلك الله ! قال: بل إياك يقتل ..(55) .

وعن أبي مخنف قال عبد الله بن عبد الرحمن: فأقبل الناس من كل جانب يبايعون أبا بكر وكادوا يطئون سعد بن
ـــــــــــــــــ
(55) انظر: تاريخ الطبري 3/219 .

-30-

عبادة، فقال ناس من أصحاب سعد، اتقوا سعداً لا تطئوه، فقال عمر: اقتلوه قتله الله ! ثم قام على رأسه فقال: لقد هممت أن أطأك حتى تندر عضدك، فأخذ يعد بلحية عمر فقال: والله لو حصصت منه شعرة ما رجعت وفي فيك واضحة، فقال أبو بكر: مهلا يا عمر! الرفق ها هنا أبلغ، فأعرض عنه عمر ، وقال سعد: وأما والله لو أن بي قوة ما أقوى على النهوض لسمعت مني في أقطارها وسككها زئيراً يحجرك وأصحابك … الخ (56) .

هذه مقتطفات من رواية أبي مخنف الطويلة في حادثة السقيفة ويظهر منها التعدي على الصحابة وتصويرهم بصورة لا تليق بمن هو أقل منهم من صالحي المسلمين فكيف بخيار الأمة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

فهو يصوّر القضية صراعا على السلطة يتناسى معه الأصحاب كل فضيلة وسابقة في الدين لمن سواهم ، وهـل
ـــــــــــ
(56) انظر تاريخ الطبري 3/222 .

-31-

يليق بالأنصار أن ينسبوا لأنفسهم فضلا دون المهاجرين فيعتبروا أنفسهم أصحاب سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب! وهو يعلمون تقديم المهاجرين عليهم في القرآن، أو أن يستبدوا لهذا الأمر دون الناس ؟

وهل يعقل أن يعتبر زعماء الأنصار أن اختيار أمير من المهاجرين وآخر من الأنصار أول الوهن !

كما يلاحظ رائحة التشيع التي تفوح من الرواية وأبو مخنف يبرز عليا رضي الله عنه وحده مهتما بجهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وغيره من أمثال أبي بكر في داره وعمر لا يعلم حتى يأتيه الخبر؟

وليت شعري أيليق بنبلاء الرجال الذين جمع الله قلوبهم على التقى، وآخى الرسول صلى الله عليه وسلم بينهم حتى كان الرجل منهم يرث أخاه بعد موته – حتى نسخ ذلك – هل يليق بهؤلاء أن تصدر منهم لإخوانهم عبارات الجلاء عن بلادهم ؟ ” فإن أبو عليكم ما سألتم فأجلوهم عن هذه البلاد ” .

-32-

أما إعادة نعرات الجاهلية، فتلك قد اندثرت في نفوس أولئك الأخيار، لكنها حية في نفوس الشعوبيين وأصحاب النزعات المذهبية المنحرفة، وبالتالي يحاولون إسقاطها على أولئك القرون الظاهرة وهم منها براء .

وهكذا تمتلئ الرواية بألفاظ المهاترة والكلمات البذيئة ، بل ربما وصلت إلى الاعتداء والضرب بين الصحابة! وتلك آفة الروايات المختلقة، وهي أثر من آثار معتقد الشيعة في سب الصحابة والنيل منهم، فهل ينتبه قرّاء التاريخ لمثل هذه المرويات الساقطة، وهل يستتبع ذلك همم عالية لنقدها سنداً ومتناً ؟!
خاصة إذا علم أن هناك مرويات أخرى في مصادر أخرى، وعن طريق رواة موثقين في هذه الحادثة أو غيرها(33) .
ـــــــــــــــ
(33) ذكر الأستاذ يحيى اليحيى أن البخاري أخرج في صحيحه ثلاث روايات في السقبفة، وأخرج الإمام أحمد في مسنده خمس روايات، والنسائي رواية واحدة ، وابن أبي شيبة أربع روايات، وابن سعد ثلاث روايات، هذا فضلا عن روايات المؤرخين كالبلاذرري ، والذهبي وابن كثير، وغيرهم، بل أن الطبري نفسه ساق روايات آخر لا ينتهي سندها إلى أبي مخنف ( انظر مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري ص 112، 126) وقد استقصى، =

-33-
الرواية الثانية: في قصة الشورى :

وقد ساقها الطبري في تاريخه بسند فيه” أبو مخنف ” وبمتن طويل أقبس منه الفقرات التالية :

قال العباس لعلي ( رضي الله عنهما) – بعد أن حدّد عمر الستة النفر الذين تكون فيهم – لا تدخل معهم، قال علي: أكره الخلاف، فقال له العباس: إذاً ترى ما تكره (34) .

وهكذا يبدأ أبو مخنف الرواية بامتعاض العباس من دخول علي ويحذره مما يكره إن قبل، وكأنه بذلك يصـوّر العبـاس
ــــــــــــــ
= وقارن اليحيى بين هذه الروايات ورواية أبي مخنف فليرجع إليه .
(34) تاريخ الطبري 4/228 .

-34-

مدركاً لأمر غاب عن علي، وأن الأمر مبيت على غير ما يأملون ؟! قال علي للعباس – حين تلقاه – عدلت عنّا، فقال: وما علمك ؟ قال: قرن بي عثمان، وقال كونوا مع الأكثر فإن رضي رجلان رجلاً، ورجلان رجلاً، فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، فسعد لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن، وعبد الرحمن صهر عثمان عبد الرحمن، فلو كان الآخران معي لم ينفعاني، بله أني لا أرجو إلا أحدهما … فرد عليه العباس مذكرا بما قاله له حين سمي في الستة ثم أوصاه قائلا: أحفظ عني واحدة: كلما عرض عليك القوم فقل: لا ، إلا أن يولوك، واحذر هؤلاء الرهط فإنهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الأمر حتى يقوم لنابه غيرنا .. فقال علي: أما لئن بقي عثمان لأذكرته ما أتى، ولئن مات ليتداولنها بينهم ، ولئن فعلوا ليجدني حيث يكرهون (35) .
ــــــــــــــ
(35) المصدر السابق 4/229 –230 .

-35-

واعتقد أن ما ورد في الرواية من عبارات نابية غريبة، واتهام مشين بين الصحابة كاف لسقوطها متناً، فضلا عن سقوطها سنداً !!

كما ورد في الرواية أن عبد الرحمن بن عوف دعا علياً فقال: عليك عهد الله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده ؟ قال: أرجو أن أفعل وأعمل بمبلغ علمي وطاقتي، ودعا عثمان فقال له مثل ما قال لعلي، قال: نعم فبايعه، فقال علي: حبوته حبو دهر ، ليس هذا أول يوم تظاهر ثم فيه علينا، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون، والله ما وليت عثمان إلا ليرد الأمر إليك، والله كل يوم هو في شأن … (36) .

وهذا الجزء من الرواية لا يختلف في غرابته عما قبله، وقد كفانا الحافظ ابن كثير مؤنة الرد عليه، حيث أبان في تاريخه بكلام جزل تفرد الرواة الشيعة وغيرهم من القصاص بروايـة هـذه الأخبـار الساقطـة حيـث قال مـا نصه :
ـــــــــــــ
(36) تاريخ الطبري 4/233 .

-36-

” وما يذكره كثير من المؤرخين كابن جرير وغيره عن رجال لا يعرفون أن علياً قال لعبد الرحمن: خدعتني، وإنك إنما وليته لأنه صهرك وليشاورك كل يوم في شأنه …

إلى غير ذلك من الأخبار المخالفة لما ثبت في الصحاح فهي مردودة على قاليها وناقليها، والله أعلم. والمظنون بالصحابة خلاف ما يتوهم كثير من الرافضة وأغبياء القصاص الذين لا تمييز عندهم بين صحيح الأخبار وضعيفها ومستقيمها وسقيمها وميادها وقويمها والله الموفق للصواب (37) .

وهكذا تمتلي الرواية بكثير من الأخطاء والتجاوزات والمغالطات ويكشف عورها غيرهما من الروايات الصحيحة(38) .
ــــــــــــــ
(37) البداية والنهاية 7/161 .
(38) وردت قصة الشورى بروايات صحيحة وبمصادر أخرى ، فقد أخرجها البخاري في صحيحه من طريقين، وابن حبان وغيرهما ( انظر: يحيى اليحى: مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري ص 170، 180) . كما تطرق العلماء لقصة البيعة لعثمان ولم يذكروا غرائب رواية أبي مخنف بل أكدوا بيعة علي وغيره لعثمان، ومن قدم علياً =

-37-

(ب) هشام بن محمد بن السائب الكلبي :

وهذا راو آخر من رواة الشيعة، وممن أكثر الرواية عنهم إمام المؤرخين ابن جرير الطبري، إذ بلغت رواياته في تاريخ الطبري ما يقرب من ثلاثمائة رواية شملت تاريخ الأنبياء والسيرة النبوية وتاريخ الخلفاء وطرفا من أخبار الدولة الأموية(39) .
وقد تحث أئمة الجرح والتعديل عن تشيعه وغرابة مروياته قال العقيلي: حدثنا عبد الله بن أحمد قال: سمعت أبي
ـــــــــــــ
= عليه فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار واتهمهم بما ليس فيهم … ( انظر: فتاوى ابن تيمية 4/427-428 ، مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري ص175) .
(39) محمد السلمي: نزعة التشيع وأثرها في الكتابة التاريخية، ندوة مسجلة اشترك في إلقائها د/ سليمان بن حمد العودة ، أ/محمد بن صامل السلمي، أ/يحيى بن إبراهيم اليحيى – وقد سحبت على (الاستنسل) ولم تطبع في كتاب حتى كتابة هذا البحث– ص17، وانظر في كثرة مرويات هشام في تاريخ الطبري فهارس الطبري 10/443-444 .

-38-

يقول: هشام بن محمد بن السائب الكلبي من يحدّث عنه! إنما هو صاحب سمر ونسب، ما ظننت أن أحداً يحدّث عنه (40) .

وقال عنه ابن حبان: من أهل الكوفة، يروي عن أبيه ومعروف مولى سليمان والعراقيين العجائب والأخبار التي لا أصول لها، وكان غالياً في التشيع ، وأخباره في الأغلوطات أشهر من أن يحتاج إلى الإغراق في وصفها (41) .

وقال الذهبي: هشام لا يوثق به، ونقل عن ابن عساكر قوله: رافضي ليس بثقة، مات سنة أربع ومائتين، وقيل: أن مصنفاته أزيد من مائة وخمسين مصنفاً ؟! (42) .

وهاك نموذجين من مروياته :
ــــــــــــ
(40) الضعفاء الكبير 4/339 .
(41) المجروحين من المحدثين والمتروكين 3/91 .
(42) ميزان الاعتدال 4/304-305 .

-39-

النموذج الأول: اتهام معاوية باختلاق الكتب :

روى الطبري من حديث هشام عن أبي مخنف أن معاوية أن معاوية لما أيس من قيس أن يتابعه على أمره شق عليه ذلك لما يعرف من حزمه ويأسه وأظهر للناس قبله أن قيس بن سعد قن تابعكم فادعوا الله له وقرأ عليهم كتابه الذي لأن فيه وقاربه، قال: واختلق معاوية كتابا من قيس بن سعد فقرأه على أهل الشام .

ثم أورد الطبري نص الخطاب، وموقف علي بن أبي طالب t واستنكاره لذلك، ثم رد قيس بن سعد عليه، وما جرى بينهما من محاورة في كلام يطول (43) .

هكذا يقتفي هشام أثر شيخه أبي مخنف في النيل من الصحابة وتشويه صورتهم، مستخدما في ذلك تزوير الحقائق، وهل بعد اتهام معاوية t باختلاق الكتب لتدعيهم موقفه شيء؟!
ـــــــــــــ
(43) تاريخ الطبري 4/553 .

-40-

النموذج الأخر: وصف معاوية بأوصاف مشينة

وفي مقابل الصورة الأخرى يختلق هشام رواية أخرى، يتهم فيها معاوية – على لسان قيس بن سعد – بالزيغ والضلال، وقول الزور، بل وفوق ذلك بكونه طاغوتا من طواغيت إبليس ؟! وإليك قطعة من نص هذه الرسالة :

“.. من قيس بن سعد إلى معاوية بن أبي سفيان أما بعد: فإن العجب من اغترارك بي وطمعك في واستسقائك رأيي، أتسومني الخروج من طاعة أولى الناس بالإمرة، وأقوالهم للحق، وأهداهم سبيلا، وأقربهم من رسول الله r وسيلة، وتأمرني بالدخول في طاعتك، طاعة أبعد الناس من هذا الأمر، وأقولهم للزور، وأضلهم سبيلا وأبعدهم من الله عز وجل ورسولهr ، ولد ضالون مضلين، طاغوت من طواغيت إبليس !!..(44) .
ـــــــــــــــ
(44) المصدر السابق 4/551، وانظر: سند الرواية عن هشام عن أشياخه 4/547 من المصدر نفسه .

-41-

أكتفي بهذين النموذجين من رواة الشيعة، وأكتفي بهذه النماذج الواقعية من مروياتهم، لأن الدراسة لا تهدف إلى حصر النماذج والمرويات قدر ما تهدف إلى إبراز النزعة وأثرها في المرويات التاريخية، لانتقل بعد ذلك إلى نماذج المصادر الشيعية وما تفطح به من غثاء المرويات السقيمة والأخبار الواهية والتشويه المتعمد خير قرون الأمة !

ثانياً: المصنفات الشيعة :

( أ ) وقعة صفين :

وهو أحد كتب نصر بن مزاحم المنقري الكوفي المتوفى سنة 212هـ، وله كتب أخرى أمثال: الغارات ، كتاب الجمل، مقتل حجر ابن عدي، مقتل الحسين بن علي (45) .

ونصر بن مزاحم هذا من أعلام الشيعة الغالين، قال فيه العقيلي: كان يذهب إلى التشيع وفي حديثه اضطراب وخطـأ

ــــــــــــــــ
(45) انظر: محمد السلمي: منهج كتابة التاريخ الإسلامي ص 489 .

-42-

كثير، ثم ساق له نموذجا يمثل انحرافه في المرويات في تفسير قوله تعالى: (( والذي جاء بالصدق وصدق به )) ” الآية 33: الزمر ” .

قال نصر: الذي جاء بالصدق محمد صلى الله عليه وسلم ، والذي صدق به علي رضي الله عنه ، ثم علق العقيلي على ذلك بقوله: وهذا لا يتابع عليه(46) .

كما ترجم له الخطيب في تاريخه، ونقل طرفا من أقوال العلماء فيه، فعن الجوزجاني قولهك كان نصر زائغاً عن الحق مائلاً ، ثم علق الخطيب بقوله: أراد بذلك علوّه في الرفض، كما أنه نقل عن صالح بن محمد قوله: نصر بن مزاحم روى عن الضعفاء أحاديث مناكير، وعن الحافظ أبي الفتح محمد بن الحسين قوله: نصر بن مزاحم غال في مذهبه (47) ,

وقال عنه الذهبي: رافضي جلد تركوه، ثم نقل عن أبي خيثمة: كان كذّاباً .
ــــــــــــــ
(46) الضعفاء الكبير 4/300 .
(47) تاريخ بغداد 13/283 .

-43-

وعن أبي حاتم: واهي الحديث متروك، وقال الدارقطني: ضعيف (48) .

كما ذكره ابن عدي في الضعفاء وساق عدداً من أحاديث رواها، ثم علق ابن عدي بقوله: ” وهذه الأحاديث لنصر بن مزاحم مع غيرها مما لم أذكرها عمن رواها عامتها غير محفوظة ” (49) .

نماذج من وقعة صفّين :

ومن مروياته أسوق النماذج التالية :

نقل أو اختلق صاحب ” وقعة صفين ” خطبة علي – رضي الله عنه- حين عزم على الخروج إلى صفين، وكان مما جاء فيها :”… سيروا إلى أعداء السنن والقرآن، سيروا إلى بقية الأحزاب ، قتلة المهاجرين والأنصار ….. ” (50) .
ــــــــــــــ
(48) الميزان 4/235 ، 254 .
(49) الكامل في ضعفاء الرجال 7/2502 .
(50) نصر بن مزاحم: وقعة صفين ص 94 .

-44-

وفي خطبة أخرى لا تقل سوء عن سابقتها ينسب نصر ابن مزاحم إلى علي – رضي الله عنه – أن سبب امتناع معاوية عن البيعة إنما كان ثأراً لدماء في الجاهلية إذ يقول: ” ثم التفت – يعني علياً – إلى الناس فقال: فكيف يبايع معاوية علياً وقد قتل أخاه حنظلة ، وخاله الوليد، وجدّه عتبة في موقف واحد، والله ما أظن أن يفعلوا، ولن يستقيموا لكم دون أن نقصد فيه المرّان، وتقطع على هامتهم السيوف وتشرحوا حواجبهم يعمد الحديد، وتكون أمور جمة بين الفريقين (51) .

وحاشا علياً أن يقول مثل ذلك، وقاتل الله داء النزعة المذهبية وتلك آثارها .

وفي رواية ثالثة يصوّر – صاحب وقعة صفين – معاوية
ــــــــــــــ
(51) وقعة صفين ص 102 .

-45-

رجلا محتالاً يبحث عن رجال يتحدثوا له في مسبّة علي ويقول:
” لما قدم عبيد الله بن عمر بن الخطاب على معاوية بالشام أرسل معاوية إلى عمرو بن العاص فقال: إن الله قد أحيا لك ” عمر ” بالشام بقدوم ” عبيد الله ” وقد رأيت أن أقيمه خطيبا فيشهد على علي بقبل عثمان وينال منه، فقال الرأي ما رأيت، فبعث إلى عبيد الله فأتاه فقال له معاوية: يا ابن أخي إن لك اسم أبيك فانظر بملء عينيك وتكلم بكل فيك … فاصعد المنبر واشتم علياً واشهد عليه أنه قتل عثمان ” .

فاقتنع بذلك، ولكنه حينما صعد المنبر وبدا له غير ذلك، وأحجم عن الحديث عن علي هجره معاوية واستخف بحقه وفسقه !! (52) .

ولنصر في وقعة صفين مرويات غير هذه، وهي تخرج من مشكاتها .
ـــــــــــــــ
(52) المصدر السابق ص82 .

-46-

وفوق ذلك نقل عنه الطبري في تاريخه روايات لا تقف عند سب معاوية واتهامه وحده، بل تشمل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وطلحة، وأبا موسى الأشعري وغيرهم من الصحابة أجمعين، وحتى علي لم يسلم من أذاه .

فهو يرى – في إحدى رواياته – أن دم عثمان ثلاثة أثلاث: ثلث على صاحبة الهودج – يعني عائشة – وثلث على صاحب الجمل الأحمر – يعني طلحة – وثلث على علي بن أبي طالب (53) .

بل ينسب إلى عائشة ما هو أكبر من ذلك فقد روى أنها قالت: اقتلوا نعثلا – تعني عثمان – فقد كفر ؟! (54) .

أما أبو موسى فعداده في المنافقين في مرويات ” نصر” حيث ينقل على لسنان ” الأشتر “: أنه قال له: فوالله إنك لمن
ــــــــــــ
(53) تاريخ الطبري 4/465 .
(54) المصدر السابق 4/459 .

-47-

المنافقين قديما، ثم أمره الأشتر بالخروج من القصر، وأن الناس دخلوا ينتهبون متاع أبي موسى حتى منعهم الأشتر فكفوا عنه !! (55) .

(ب) تاريخ المسعودي ( مروج الذهب )

وهو نموذج أخر للمصنفات الشيعية التي مزخر بالمرويات الواهية، وتشيع السمعودي وانحرافه في الكتابة التاريخية وبخاصة تاريخ الصحابة غير خاف على العلماء قديما وحديثا .

فابن العربي المتوفى سنة 543 هـ حذر منه في كتابه القيّم: العواصم من القواصم في عاصمة: ” الاحتراز من المفسرين والمؤرخين وأهل الآداب حيث نسبهم إلى الجهالة بحرمات الدين، أوهم على البدعة مصرين (56) إلى أن قال :
ــــــــــــــ
(55) المصدر نفسه 4/487 .
(56) هذا القول من ابن العربي – رحمه الله – ليس على إطلاقه فهناك من أصحاب هذه الفنون أئمة موثُقُون، ويكفي أن يستثني ابن العربي=

-48-

ومن أشد الناس شيء على الناس جاهل عاقل أو مبتدع محتال (57) إلى أن قال :
” وأما المبتدع المحتال فالمسعودي، فإنه يأتي منه متاخمة الإلحاد فيما روى من ذلك، وأما البدعة فلا شك فيه ” (58) .

وكثير ما ينعى ابن العربي على بعض أرباب التاريخ ويصفهم بـ ” الطائفة التاريخية الركيكة ” (59) . وهم الذين يصفون بعض الصحابة بالبلاهة والضعف والخداع، ولعل “المسعودي ” في عداد هؤلاء عند ” ابن العربي ” .

وكيف لا يكون كذلك وابن العربي يتحدث عن الذين
ــــــــــــــ
= من هؤلاء الإمام الطبري فحسب ، فهناك غيره على كالته ، بل لقد أجاد المحقق ” محب الدين الخطيب ” حين لقت النظر إلى أن في تاريخ الطبري من الأخبار الواهية ما لا يقبل وقد أبان عنه الطبري في مقدمته، والمعول في ذلك على دراسة الأسانيد ونقد المتون سواء أكان عند الطبري أم غيره .
(57) العواصم من القواصم ( تحقيق محب الدين الخطيب ” ص 248 .
(58) المصدر السابق ص 249 .
(59) المصدر نفسه ص 174 .

-49-

ينشئون أحاديث فيها استحقار الصحابة والسلف، والاستخفاف بهم واختراع الاسترسال في الأقوال والأفعال عنهم، وخروج مقاصدهم عن الدين إلى الدنيا ، وعن الحق إلى الهوى … (60) ثم يتحدث بعد ذلك عن المسعودي .

أما بن تيمية فقد ال: ” وفي تاريخ المسعودي من الأكاذيب ما لا يحصيه إلا الله تعالى (61) .

كما تعرض الحافظ ابن حجر لنقد المسعودي وكتبه فقال:
” وكتبه طافحة بأنه كان شيعياً معتزلياً حتى أنه قال في حق ابن عمر أنه امتنع من بيعة علي بن أبي طالب ثم بايع بعد ذلك يزيد بن معاوية والحجاج لعبد الملك بن مروان، وله من ذلك أشياء كثيرة ” (62) .
ــــــــــــــ
(60) المصدر نفسه ص248 .
(61) منهاج السنة 2/163 .
(62) لسان الميزان 4/225 .

-50-

أما ابن خلدون فقد ترددت عباراته عن المسعودي بين القدح والمدح، والإعجاب والذم، ففي بداية حديثه في ” المقدمة” ذكر وهو يتحدث عن مشاهير المؤرخين ما في كتب المسعودي من المطاعن والمغامز فقال:
” وإن كان في كتب المسعودي والواقدي من الطعن والغمز ما هو معروف عند الإثبات و مشهور بين الحفظة الثقات ” (63) .

ثم ذكر ابن خلدون نماذج من الوهم والخطأ في تاريخ المسعودي (64) .

وفي موطن آخر يشير ” ابن خلدون ” إلى نوع من أنواع التأليف في التاريخ، هو ذكر الأحوال العامة للآفاق والأخبار والأعصار، ثم قال: فذلك أسّ للمؤرخ، ومثل ذلك بمروج الذهـب للمسعودي ، قال : إن المسعودي بذلك صـار إماماً
ــــــــــــــ
(62) مقدمة ابن خلدون ص 4 .
(63) المصدر السابق ص10، 12 .

-51-

للمؤرخين يرجعون إليه، واصلا يعولون في تحقيق الكثير من أخبارهم عليه (64) .

والذي يظهر أن مدح ابن خلدون للمسعودي لعموم منهجه، وشموله في كتابه لأحداث المشرق والمغرب، والعرب والعجم ، ووصفه الجبال والبلدان والبحار، والممالك والدول، وهذا حق، لكن فرق بين هذا وبين تحقيق الروايات والبعد عن السواقط والمنكرات، وهو ما نحن بصدده (65) .

ومن الباحثين المحدثين يؤكد الدكتور السويكت على الميول الشيعية القوية عند المسعودي (66)، وعلى تعاطفه العلوي في معالجته التاريخ الإسلامي وأثرها على أحكامه على الرغم من محاولته الظهور بالمؤرخ الحيادي المصنف! (67) .
ـــــــــــــــ
(64) مقدمة ابن خلدون ص 32 .
(65) وهذا الرأي الذي أره هو ما استلمحه من رأي الدكتور سليمان السويكت في كتابه: منهج المسعودي في كتابه التاريخ ص 442 .
(66) سليمان السويكت: منهج السمعودي في كتابه التاريخ ص 74 ، 358 .
(67) المرجع السابق ص 397 ، 359 .

-52-

وأنه خدم التشيع جيداً وبطريقة تخفي على كثير من الناس (68) .
وأن ما دونه في مؤلفاته من معلومات عن التاريخ الإسلامي الأول يم يكن محل رضا من العلماء المسلمين المحققين، بسبب عدم التزامه في بالمنهج الإسلامي القويم الذي يحفظ لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانتهم في النفوس (69) .

كما يلاحظ أن نزعة المسعودي الشيعية قد أثرت على كتابته في تاريخ الخلفاء الراشدين والأمويين، ولم يستطع أن يكتب تاريخا مجردا من الهوى …(70) .

وبعد فقد آن الأوان لنقل بعض مرويات المسعودي التي لم تكن ولن تكون محل رضا العلماء المسلمين والباحثين المنصفين .
ــــــــــــــ
(68) المرجع نفسه ص 400.
(69) المرجع السابق ص 444 .
(70) منهج المسعودي في كتابة التاريخ ص 368 .

-53-

نماذج لروايات في كتاب المسعودي ( مروج الذهب)

إذا كان للمسعودي عدد من المصنفات في التاريخ (71) فحسبنا في هذه الدراسة أن نقف على واحد من أشهر كتبه وأكثرها رواجا وهو ” مروج الذهب ” .

وقبل نقل المرويات يسجل على المسعودي في ” مروج الذهب” الملاحظات التالية :

(1) اختصر الحديث في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه اختصارا مخلا، حيث لم يتجاوز حديثه ثماني صفحات قال في نهايتها معللا ذلك: وقد أعرضنا عن ذكر كثير من الأخبار في هذا الكتاب للاختصار والإيجاز (72) .
ـــــــــــــــ
(71) انظر: السويكت: منهج المسعودي في كتابة التاريخ – الفصل الخامس: المسعودي مؤرخا – ص 305 .
(72) مروج الذهب 2/310 .

-54-

ولا أدري لماذا يكون الاختصار هنا، بينما في خلافة علي رضي الله عنه تبلغ ثمانين صفحة، ومع ذلك يعتذر في النهاية عن حصر مناقب علي وفضائله معللا ذلك بعرضه في كتب أخرى(73) .

(2) ليس ذلك فحسب بل الأدعى من ذلك أن المتأمل بالتمرد الندم على قبول الخلافة (74) .

وهو لم يقبلها إلا خشية الفتنة (75) .

وإشارة المسعودي – في معرض حديثه عن خلافة أبي بكر – إلى إمامة المفضول (76) يؤكد ذلك كله ؟!
ـــــــــــــــــ
(73) مروج الذهب 2/437 .
(74) المصدر السابق 2/308 .
(75) المصدر السابق 2/307 .
(76) المصدر السابق 2/311 .

-55-

(3) يصف المسعودي نهاية عمر وعثمان بالقتل (77) ونهاية علي بالاستشهاد (78) .

(4) تعدى المسعودي وتجاوز في حديثه على كثير من الصحابة الذين كانت لهم مواقف مع علي y، ووصفهم بما لا يليق بمكانتهم، كطلحة والزبير، وعائشة، ومعاوية رضي الله عنهم أجمعين (79) .

ـــــــــــــــ
(77) المصدر السابق 2/329، 355 .
(78) انظر: منهج المسعودي في كتابة التاريخ ص 359 = ولم أقف على ذلك في حديث المسعودي عن علي، بل ذكر مقتل أمير المؤمنين علي 2/423 .
(79) انظر: منهج المسعودي في كتابة التاريخ ص 260 .

-56-

نماذج من كتابة المسعودي في ” المروج ”

النموذج الأول : التهكم بمعاوية ومن معه ؟

يقول السمعودي (80) : وبلغ – يعني معاوية- من إحكامه للسياسة وإتقانه لها واجتذابه قلوب خواصه وعوامه أن رجلا من أهل الكوفة دخل على بعير له إلى دمشق في حالة منصرفهم عن صفين فتعلق به رجل من دمشق فقال: هذه ناقتي أخذت مني بصفين، فارتفع أمرهما إلى معاوية، وأقام الدمشقي خمسين رجلا بينه يشهدون أنها ناقته، فقضى معاوية على الكوفي، وأمره بتسليم البعير إليه ، فقال الكوفي: أصلحك الله إنه جمل وليس بناقة، فقال معاوية: هذا حكم قد مضى، ودس إلى الكوفة بعد تفرقهم فأحضره وسأله عن ثمن بعير فدفع إليه ضعفه ، وبرّه وأحسن إليه، وقال له: أبلغ علياً أني أقاتله بمائة ألف ما فيهم من يفرق بين الناقة والجمل .
ــــــــــــ
(80) يلاحظ أن المسعودي في كتابه لا يستخدم الإسناد في الروايات، وإنما كتفي قال المسعودي، وذكر بعض الإخباريين أو نحوها من العبارات .

-57-

ثم يتمادى المسعودي – في بقية ورايته – بالتهكم والسخرية بمعاوية واستغفال من معه إلى درجة يقول معها :

وقد بلغ من أمرهم ف طاعتهم له أنه صلّى بهم عند مسيرهم إلى صفين الجمعة في يوم الأربعاء ؟! إلى أن يقول:

ثم ارتقى بهم الأمر في طاعته إلى أن جعلوا لعن علي سنة ينشأ عليها الصغير ويهلك عليها الكبير ! (81) .

ثم يقول السمعودي: وذكر بعض الإخباريين أن قال لرجل من أهل الشام من زعمائهم وأهل الرأي والعقل منهم : من أبو تراب هذا الذي يلعنه الإمام على المنبر ؟ قال: أراه لصاً من لصوص الفتن (82)
ــــــــــــــ
(81) مروج الذهب 3/41-42 .
(82) المصدر السابق 3/43 .

-58-

النموذج التالي: بين معاوية والحسن ( رضي الله عنهما)

ومع أن الحسين بن علي رضي الله عنهما صالح معاوية رضي الله عنه، وتنازل له عن الخلافة، وحقق بذلك نبوءة النبي r حيث قال :
” إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين ” (83) .

وباركت الأمة هذه الخطوة، وأكبرت للحسن صنيعه، وخرج المعتزلون للفتنة من الصحابة وبايعوا معاوية وسمي العام عام الجماعة لاجتماع الناس وانقطاع الحرب (84) . إلا أن الرافضة لم ترض بذلك ، وبات علماؤهم يسردون روايات ساقطة في الوقيعة بين الحسن ومعاوية .

فالمسعودي يذكر– مثلا– أن معاوية وراء قتل الحسن بن
ــــــــــــــ
(83) صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة 7/94 من فتح الباري، وفي كتاب الفتن 13/61 من الفتح .
(84) ابن الحجر: الفتح 13/63 .

-59-

علي وأنه دسّ إلى زوجته ” جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي ” إنك إن احتلت في قتل الحسن وجهت إليك بمائة ألف درهم، وزوجتك من يزيد، فكان ذلك الذي بعثها على سمّه(85)

وثمة رواية أخرى ينقلها المسعودي وعزوها إلى ابن جرير الطبري ويسندها إ‘لى محمد بن حميد الرازي وفيها سرور معاوية حين بلغه موت الحسن،وأنه كبر وتكبيرة كبر معه أهل الخضراء، ثم كبر أهل المسجد بتكبيرهم، وأن ابن عباس حين بلغه ذلك دخل على معاوية فقال علمت يا ابن عباس أن الحسن توفى، قال ألذلك كبرت ؟ قال: نعم، قال: أما والله ما موته بالذي يؤخر أجلك ولا حفرته بسادة حفرتك، ولئن أصبنا به لفقد أصبنا قبله بسيد المرسلين وإمام المتقين ورسول رب العالمين ثم بعـده بسيد الأوصياء، فجبر الله تلك
ــــــــــــــ
(85) مروج الذهب 3/5 .

-60-

المصيبة، ورفع تلك العترة، فقال ويحك يا ابن عباس ما كلمتك قط إلا وجدتك معداً (86) .

وهكذا يبدو النفس الشيعي واضحاً في هذه الرواية، فالحسن وابن عباس في جانب، ومعاوية في جانب آخر، وفوق ذلك فعلي رضي الله عنه يحشر في الرواية حشراً، ويوصف بسيد الأوصياء!!

ومعاوية لا يسر فحسب بموت الحسن ويخفى ذلك في نفسه، بل يعلنه على الملأ، وتتلاقى تكبيرات أهل الخضراء وأهل المسجد مع تكبيراته، أذلك لانتصار المسلمين في معركة، أم تراه لهلاك طاغية ؟! كلا وإنما فرحاً بموت سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم !!
وبعد فهذه نماذد مختصرة أكتفي بإيرادها، واقتصر بها عن ما سواها من نماذج، لأن هذه الدراسة لا تهدف إلى حصر الرواة الشيعة وليس القصد منها جمع المرويات الشيعية وإنما
ـــــــــــــ
(86) مروج الذهب 3/8 .

-61-

القصد الإبانة عن هذه النزعة أثرها في الكتابة التاريخية، والتمثيل لها القدر الذي يكشف للقارئ وجودها وخطرها ، ويهديه بعد إلى تتبع نظائرها، ورصد مثيلاتها، والتعرف على أصحابها، وأرجو أن تكون حلقة في سلسلة لدراسات أوسع، وبداية لبحوث أعمق في هذا الميدان، فليس ينقصنا في الدراسات التاريخية جمع النصوص والتأليف بينها. وإنما الذي نحتاج إليه كشف مخبوء النصوص ومعرفة من وراءها، وتتبع عورات بعض الرواة والكشف عن مناهجهم ونزعاتهم وأثر ذلك على مروياتهم، وهذا وذاك من الوسائل الناجعة لإعادة كتابة تاريخنا ، وهو المنهج الأقوم والأسلوب الأمثل لرسم الصورة الحقيقية لحضارتنا وتاريخ أسلافنا .

والله من وراء القصد وصلى الله على نبينا محمد .

-62-

يلاحظ أن المسعودي في كتابه لا يستخدم الإسناد في الروايات، وإنما كتفي قال المسعودي، وذكر بعض الإخباريين أو نحوها من العبارات .
صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة 7/94 من فتح الباري، وفي كتاب الفتن 13/61 من الفتح .
ابن الحجر: الفتح 13/63 .
مروج الذهب 3/5 .
مروج الذهب 3/8 .

موقع الدكتور سليمان بن حمد العودة

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: