inenni

بدايات نظام يتهاوى في مصر/ بقلم د. خليل العناني

استنفد نظام الجنرال عبد الفتاح السيسي فرص بقائه في السلطة، وبات على شفا جرفٍ سوف ينهار به في أي لحظة. هذا ليس تمنيّاً أو تفكيراً رغبوياً، وإنما قراءة في حالة التداعي التي يبدو عليها هذا النظام الذي فشل في جميع المهام التي قيل إنه جاء لأجلها. وهو فشلٌ لن تنفع معه حالة الاستنفار الإعلامي الكاذبة التي تحاول الآلة الإعلامية للسيسي وحلفائه شحنها، من أجل لفت الأنظار عن الكارثة التي تنتظر البلاد، وهي كارثةٌ بدأت أصواتٌ محسوبةٌ على السيسي في التحذير منها علانية.
ليس سقوط نظام السيسي سوى مسألة وقت، وقد بدأت مؤشراته بالفعل. وهو سقوطٌ بدأ بذوبان الفكرة الأصلية التي استند عليها، وهي أنه “جاء كي يستبدل النظام الفاشل لجماعة الإخوان المسلمين”، وذلك علي نحو ما يكرّر السيسي دائماً في خطبه، فقد ثبت بالدليل والبرهان أن فشل السيسي تجاوز، بعشرات المرات، فشل الرئيس المعزول محمد مرسي الذي كان يملك ولا يحكم. مع الفارق الكبير أن السيسي كان، ولا يزال، معه كل المؤسسات الرسمية وغير الرسمية في الدولة، بدءاً من المؤسسة العسكرية، مروراً بالداخلية والقضاء، وانتهاء بالإعلام ودعم قوى المعارضة اليمينية واليسارية، على مختلف جماعاتها وأحزابها. والأكثر من ذلك أنه نظامٌ حظي، ولا يزال، بدعم إقليمي ودولي لم يتوفر لمن سبقوه، بمن فيهم حسني مبارك، وانهمرت عليه الأموال من الشرق والغرب، وعلى الرغم من ذلك، فشل فشلاً ذريعاً في توفير حياةٍ كريمةٍ لملايين المصريين. فرأينا شاباً يحرق نفسه، بعد أن ضاقت به الدنيا. وبدأنا نسمع، بشكل يومي ومتكرّر، شكاوى المواطنين من صعوبة الظروف الاقتصادية والاجتماعية. وبدأت الأصوات تعلو بالنقد للسيسي، خصوصاً في الدوائر الشعبية التي صفقت ورقصت لها قبل عامين، وهي الأصوات التي يحاول الجهاز القمعي للسيسي إسكاتها والتعمية عليها.

ما فعله السيسي، سياسة واقتصاداً واجتماعاً، يتجاوز بمراحل كل ما فعله الرؤساء الذين حكموا مصر، منذ نهاية العهد الملكي أوائل الخمسينيات. ولا يمكن وضعه، على نحو ما يحاول ناصريون حالمون، في مرتبة جمال عبد الناصر الذي، على الرغم من سلطوية الأخير وقمعه، فقد كان يمتلك مشروعاً قومياً للتنمية والتحديث، استطاع من خلالها تغيير أسس النظام الاقتصادي والاجتماعي وبنيته لصالح ملايين المصريين، على عكس السيسي الذي لا يفوّت فرصةً لكي يطالب المصريين بأن يدفعوا من جيبوهم، كي يظل هو في السلطة، ووصل به الأمر، أخيراً، لكي يطالبهم بألا يأكلوا وألا يناموا، لو تطلب الأمر ذلك.
وعلى الرغم من الصورة التي يحاول نظام السيسي رسمها لنفسه، باعتباره نظاماً قوياً ومسيطراً، إلا أن الحقيقة تشي بعكس ذلك، فعندما يهتز نظام لمجرد توجيه سائق “توك توك” انتقاداتٍ لاذعةً له ولسياساته، فهو نظام فاشل. وعندما لا يتحمل نظامٌ سخرية مجموعة من الشباب، كما الحال مع فرقة “أطفال شوارع” التي اعتقلها قبل فترة، بسبب نشر فيديوهات سخرية علي الإنترنت، فاعلم أنه نظام واهٍ. وعندما لا يستطيع نظامٌ، على الرغم من سلاحه وعتاده الذي يفاخر به دوماً، حماية جنوده من رصاص مجموعات إرهابية شاردة، فاعلم أنه ضعيفٌ، ينخر السوس في عظمه. وعندما ينزعج جنرالٌ، يدّعي دوماً امتلاك المعرفة والحكمة والفلسفة، من مقالاتٍ نقدية عارضةٍ، تتحدث على استحياء، فاعلم أنه تافه.
وعلى عكس ما قد يعتقد بعضهم أن نظام السيسي يمثل “ضرورةً إقليمية ودولية”، بسبب الأوضاع التي تمر بها المنطقة الآن، فإن دوائر غربية تعبر، بشكل متواصل، عن قلقها من أن يؤدي استمرار السيسي في السلطة إلى انهيارٍ كامل للمنطقة، ولأكبر دولها. وقد خرجت تقارير غربية، أخيراً، تحذّر من وقوع انتفاضة فوضوية في مصر، إذا ما ظلت الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية على ما هي عليه. وقد راهن الغرب، خطأً، على قدرة السيسي على جلب الاستقرار إلى مصر، فتم دعمه دبلوماسياً وسياسياً، وتم الاعتراف بشرعيته تحت ضغوط الأمر الواقع. ولكن، بدأت عواصم غربية، أخيراً، في مراجعة استراتيجيتها تجاه مصر، وإنْ بشكل غير معلن. وحسب دوائر غربية، فإن ثمّة انتقاداتٍ لاذعةً يتم توجيهها إلى المسؤولين المصريين، في لقاءاتهم بنظرائهم الغربيين، وثمّة مطالباتٌ بأن يقوم السيسي بتغيير الاتجاه الحالي، “وإلا فإن الوقت لن يكون في صالحه”. وتتحدّث دوائر إقليمية عن ضرورة بدء التفكير في بدائل للسيسي، قبل أن يطيح مصالحها. ولعل ما يجعل الأطراف الدولية والإقليمية متردّدة في رفع الغطاء والدعم عن السيسي، هو غياب البديل المدني الجاهز الذي يمكنه أن يحلّ محل السيسي. وهو ما يُلقي بالمسؤولية على قوى التغيير التي ترفض، حتى الآن، الاتفاق علي برنامج سياسي موحد، يمكنه الخروج من البلاد من مأزقها الحالي. ولا تزال عاجزة عن التواصل مع الشارع، والاستفادة من حالة الغضب المتزايدة على وقع الفشل المتزايد للسيسي.
سقط نظام السيسي، فكرةً ومشروعاً، في عيون كثيرين وأذهانهم، خصوصاً من مؤيديه، ولم يعد سوى أن تُرفع عنه أجهزة الإنعاش الإقليمية والدولية، والتي لن تتحمل مزيداً من الإخفاق الذي قد يودي بها وبمصالحها، وهو أمر يبدو الآن أقرب من أي وقت مضى.

الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: