بغداد: ميليشيات متناسلة ومتصادمة وكلها مدعومة من إيران.. (مقال/ د. نزار السامرائي)

يقول أسير عراقي عاش مع «الأسرى العراقيين التوابين» في معسكر تختي في طهران، إن هذا المعسكر شهد أول عرض عسكري لما سمي حينها بـ»فوج بدر 9» والذي أخذ بالتوسع السريع حتى أصبح في غضون أشهر «لواءً» ثم فرقة وأخيرا فيلقا من الأسرى الذين ضعفوا أمام الإغراءات أو الشحن الطائفي أو التعذيب الذي لا طاقة لبشر على أن يتحمله.

معسكر تختي هو في الأصل ملعب رياضي يحمل الاسم نفسه أقيم في زمن الشاه محمد رضا بهلوي وهو في حي راق من أحياء طهران، ولكن السلطات الإيرانية حولته إلى معسكر للأسرى في زمن التحولات التي عاشتها إيران وغياب الرؤى وعدم وضوح الموقف الفقهي لآية الله روح الله الموسوي الخميني من الرياضة والكثير من العادات والممارسات السائدة في إيران منذ زمن طويل، فعلقها الخميني من دون رد لأنه كان منشغلا بتثبيت أركان سلطته، ولكنه مع الوقت بدأ يتراجع عن آراء أخذت طابع الفتوى الملزمة للمجتمع الإيراني بحكم أنه يحمل صفتي القيادة الدنيوية والدينية. وعلى سبيل المثال أن الخميني كان قد حرم إنتاج الكافيار الإيراني ذي السمعة التجارية الدولية، ولكن عند اشتداد معارك حرب الثماني سنوات مع العراق، وأمام إلحاح جهات اقتصادية أقنعته أن صادرات الكافيار تشغل مئات الآلاف من العائلات المطلة على بحر قزين «بحر الخزر» وأن هذه الصناعة تدر سنويا على إيران 30 مليون دولار من العملات الصعبة في زمن الصعوبات المالية التي تواجهها البلاد، فأصدر الخميني فتوى بجواز العمل في هذا القطاع شريطة تصدير الإنتاج إلى خارج إيران.
و قد جعلت الاستخبارات الإيرانية معسكر تختي، مركزا لممارسة الضغوط النفسية والبدنية على أسرى الحرب العراقيين بهدف تسقيطهم عبر أشكال متعددة من التعذيب البدني الخارج عن أي وصف، على أيدي أسرى عراقيين آخرين لأنهم خانوا وطنهم فإنهم عملوا على أن يتساوى الجميع في الموقف ظنا منهم أن ذلك يخفف من المسؤولية الجنائية في حال أصرت إيران على إعادتهم إلى بلدهم.

هذا المعسكر نفسه شهد في تشرين الثاني/نوفمبر 1982 أول عرض عسكري لقوات بدر بحضور محمد باقر الحكيم المتحدث باسم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، وهاشم شاهرودي رئيس المجلس والذي أصبح فيما بعد رئيسا للسلطة القضائية الإيرانية، وعبد العزيز الحكيم الذي خلف شقيقه في زعامة المجلس الأعلى وهادي العامري الذي أصبح لاحقا قائد فيلق بدر.

لكن هذا لم يكن أول ولادة للميليشيات التي تمت ولادتها على يد القابلة الإيرانية بعد وصول الخميني للحكم، إذ يورد السيد عادل رؤوف في كتابه (عراق بلا قيادة) شهادة لأحد ضباط ميليشيا بدر في الندوة التي عقدها (المركز العراقي للإعلام والدراسات)، يقول فيها «بعد التصفية الدموية لحزب الدعوة الإسلامية في العراق اتخذ الهاربون من العراق من بقايا حزب الدعوة، من منطقة الأهواز مقرا لهم. وكان المعسكر عبارة عن مبنى سكني لشركة نفط، وشكّلوا أول نواة مسلحة وكان ذلك عام 1979، قبل انطلاق الحرب العراقية الإيرانية، بعدها أصدر الإمام الخميني فتوى بتحريم الإنتماء للقوات المسلحة للأحزاب، وقد أثرّت هذه الفتوى على المعارضة العراقية، وقد اتخذ بعض الإيرانيين تلك الفتوى حجة لسحبها على الحركة الإسلامية، وتشكيل يرتبط بالإيرانيين بصورة مباشرة، وأدى بالكثير من أنصار حزب الدعوة لأنْ يتركوا المعسكر وينشئوا معسكرا آخر، بينما بقي دعاة آخرون في المعسكر الأول، وأصبحوا نواة لفيلق بدر فكانت الدورة الأولى تتكون من الأعضاء السابقين بالإضافة إلى آخرين».
ثم يمضي حسين حربي في شهادته كما أوردها عادل رؤوف فيقول:
«تم تشكيل الفيلق على ضوء هذه الأحداث، فكان لابدّ للإيرانيين أنْ يعملوا على تشكيل ينسجم معهم بعيدا عن الأحزاب العراقية، فشكّلوا الدورة الأولى، ثم الدورة الثانية عام 1980».

لكن الخطوة الإيرانية لم تكن نهاية المطاف، إذ أن إيران وعلى عادتها لم تكتف بحليف واحد، وإنما كانت تسعى ومن أجل ابتزاز حلفائها بإشعارهم أنها ليست بحاجة إليهم، فكانت حريصة على إيجاد كيانات سياسية ومسلحة مرتبطة ومتنافسة فيما بينها في تقديم فروض الولاء لدولة الولي الفقيه، بل كانت أحيانا تشعل فتيل الخلافات بين عملائها لتدخل كوسيط من أجل إحكام السيطرة عليهم.

لهذا رأينا أن إيران وبعد أن مدت أصابعها في العراق بعد الاحتلال الأمريكي، أنشأت جيش المهدي الذي بدأ في عروض عسكرية في شوارع بغداد ومدن الجنوب، في رسالة للولايات المتحدة مفادها أن هذه الميليشيات هي ذراع إيرانية جاهزة لإلحاق الأذى بالقوات الأمريكية في العراق والمنطقة في حال انتقلت أمريكا لتنفيذ الصفحة المعلنة الثانية في شن الحرب على الضلع الثاني من مثلث الشر أي إيران.
لكن جيش المهدي الذي تولى قيادته مقتدى الصدر رجل الدين المتقلب المزاج، سرعان ما تحول إلى مفقس لإنتاج عشرات الميليشيات المسلحة، واللافت أن بعضها دخل في صراعات دموية مع التشكيل الأم، كما هو حال الصراع مع عصائب أهل الحق الذي يقوده قيس الخزعلي أحد المساعدين المقربين السابقين من مقتدى الصدر.

هناك في الوقت الحاضر أعداد تتكاثر بالانشطارات الأميبية ومن العسير معرفة أعدادها الحقيقية، ولكن يبدو أنها تقرــب من عشرين ميليشيا كلها متنازعة مع بعضها، ولكن تلتقي في ولائها لإيران وتتلقى الدعم منها وتتبادل التخادم معها.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: