Iraq_(orthographic_projection).svg

بغداد.. هل من سامع لأنينها ؟!/ بقلم د. كواكب السامرائي

بغداد.. هل من سامع لأنينها ؟!/ بقلم د. كواكب السامرائي

 

لا أدري من اين ابدأ، وكيف أبدأ .. لكن قلبي يأخذني الى هناك… الى حيث النخيل الخضر الشامخات، التي تأبى الانحناء، تبقى شامخة في الافق، تزين سماء دجلة ، وشواطيء الفرات رغم الوجع، وعمق الجراح… ورغم أزيز الطائرات. إنها روح تنبعث في سماء بغداد كلما حاول البعض انتزاعها، تحاول تضميد الجروح النازفة، والتي لم تتوقف منذ سنين… تحاول ان تبقي ذلك الجريح حيا حتى يحضر الطبيب الذي يستطيع ان يضمد الجروح، يوقف الخوف والألم.. من القادم المجهول.
كنت أسير في شوارعها الهادئة الصاخبة، أحاول احياء الماضي من بين ركام الحاضر، انتزاع ايام مضت كانت فيها تلك الجميلة الوديعة تزدهر بأبطال الماضي، وصناع المجد، لكن تلك الصورة بدأت تخفت، وتتلاشى… حاولت مرارا وتكرارا ان ابعث ذلك الامل، ان اعيد بعض تلك الصور الجميلة ، لكن الحاضر كان اقسى من ان يسمح بتلك الصور ان تعود للذاكرة، وللتاريخ ان يرسم بسمة على سعفات نخيلها.
من يزور بغداد اليوم يجدها مكفنة بغبار يستر جمالها، يقطع التاريخ عن الحاضر، ويقطع مسلسل الايام من العمر…ايام لا بد ان تتواصل ليصب الماضي بعبقه على شمسها وقمرها ونجومها. لكن ورغم كل المحاولات، لم أقوَ على ربط ذلك التاريخ الجميل بالحاضر الاليم…
انها تجربة حزينة، عندما يجد الانسان نفسه غريبا في موطنه، ومسقط رأسه، واقرب بقعة في الارض الى قلبه ومشاعره، هنا تذكرت قول الشاعر السوري نزار قباني في ابياته (لان من احبها تعادل الدنيا.. ) فلا يلومنني احد ان قلت انها اقرب الى قلبي من اي بقعة في الدنيا!
لم اكن ادري اني سأغادرها فيطول الفراق….هكذا رأيتها… حزينة شاحبة جريحة، تغطيها رايات حاقدة، وصور لوجوه بائسة، وشعارات تستعير آيات القران الكريم بطريقة تبتعد عن احترام اياته المنزلة، وبلا حياء او خشية، او احترام لكلمات الله المقدسة.
وكم كانت لحظات تستحق ان يقف الانسان مذهولا .. عندما سارت أعيني للقاء بعض مساجدها القديمة … تلك المساجد العباسية التي غطتها صور وشعارات وعمائم سوداء وبيضاء… تكاد تسمع حجارتها تصرخ … تبحث عن مخلص من هذا المعتدي الغاصب الاثيم… الجديد القديم…
كيف لا اثور على دعاة العروبة والوطنية والقومية … وكل من يحمل شعارا بعيدا عن شعار سنيتي المغتصبة… وكيف لا أثور على رجال معممين بلباس الدين، يسكرون باحاديث قال وقيل… يعيشون في الماضي وامجاده رغم أنين ابناءها الابرياء، شبابها الجديد خلف قضبان الحقد والظلام، تسحقهم سياط الحقد الشيعي، وتحرق اجسادهم الطاهرة البريئة، ولا يجدون صوتا واحدا يبحث بين زوايا جدرانها المتهالكة عن بقايا اجسادهم المتناثرة… صور الدماء تسيل امامهم كالانهار… تعج مساجدهم بجثث الابرياء ، وفي كل يوم يصلون على العشرات، ثم يدسونها في ترابها… تمر على جثثهم الساعات والايام والسنين، تأكلها افة الارض … ورجال الدين ما زالوا سكارى ، يتغنون بالشعر والنثر ، وذكريات الاجداد.
ليتني لقيتها لترتوي روحي العطشى.. هذه (الاحرف الخمسة) التي غمرتني بحنانها وحنينها، بذلك العبق الجميل.. حاولت ملامسة شواطيء دجلة، عانقت أمواجه بشغاف قلبي، وخبايا روحي، ولكن دون جدوى.. انها غائبة عن الوجود رغم انينها الذي مزق سمعي، يبحث عمن يسمع، فيجيب، ويستجيب، لكي تعود الينا كما كانت، عشيقة الفرات، وعروس دجلة.. تزهو بايام العز والفخر في أمة امتد ظلها، ودامت ظلالها، ونخيلها الشامخات…
انها تنتظر فهل من مجيب.

القادسية

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: