10933962_1532832000301207_2095260731888328475_n

بمناسبة ذكرى الثورة ” الخزي للظالمين !! ” بقلم رضا بلحاج

لا شكّ أنّ يوم 14 جانفي 2011 كان مشحونا بدلالات رمزية كبيرة في الأمة و في العالم أجمع.. فالمجرم الأكبر بن علي غادر البلاد مذموما و سواء أفعل ذلك هاربا أو مهرّبا فالأمران سيّان لأنّ ما ترتّب علن هذا الهروب هو انخلاع الطاغية عن السّلطة التي اتّخذها غنيمة و بها قهر البلاد و العباد.. و كان يوم 14 جانفي الذّي أريد له أن يكون يوم التهدئة و عودة المياه إلى مجاريها و يوم امتصاص الغضب.. كان هذا اليوم يوما ثوريا بكلّ معنى الكلمة في أغلب المناطق و لا سيما ذات الرمزية العالية. و احتدّت الشعارات ضدّ الطاغية و نظامه و حدث الانفلات الأمني و السياسي. هذه الرّغبة في التغيير كامنة في النّاس منذ عشرات السنين و يقع التحايل عليها أحيانا و العمل على تجفيف منابعها و لكن مع كلّ يوم تزداد رغبة النّاس في تجفيف مستنقع الحكّام الذي لا يليق بأمّة الإسلام.. تختلف صيغ التعبير و لكن المعبّر عنه واحد ( هؤلاء الحكّام ليسوا منّا و لسنا منهم) تتأكّد هذه الرّغبة مع كلّ فشل و عجز للحكّام عن الإيفاء بالحدّ الأدنى من قضايا الأمّة التي أدخلوها في أجواء النكبة و النكسة و الأزمة و حالة الطوارئ الدائمة..عجزوا منهجيّا حين فرضوا على النّاس أنظمة حكم مضادّة لطبيعة الأمة بوصفها إسلامية و عجزوا فكريّا حين فشلوا في إيجاد أيّ مفاهيم مركّزّة و منتجة قادرة على البناء و تقتضي الكفاح و التضحية من أجلها ونشروا مفاهيم منبتّة مستنسخة يصطنعون لها الأضواء لتكون برّاقة و يضمنون لها الإعادة و التكرار و الهرسلة لتصبح عرفا و أمرا واقعا لا واجبا وفي المحصلة لم تخلق لا تيّارا و لا منهجا و لا مسارا.. و عجزوا بالوقائع و الأرقام اذ أنّنا نجد أنّ حاصلهم الاقتصادي و لاسيما رأس الحربة الصناعة يقارب الصفر أو يعادله و نحن نجد أنّ حاصلهم من العلوم ولا سيما التكنولوجيا لا يكاد يذكر في سلّم الأمم إلا في باب النوادر..أما حاصلهم العسكري فهزيل و فضيحة إذ أنّهم يعتبرون الهزيمة مع السلامة لأنفسهم غنيمة و يعتبرون التدخّل الأجنبي انتصارا على جيرانهم أو أصدقائهم أو شعوبهم.
اليوم بان للجميع أنّ القوى المضادّة للثورة تسعى حثيثا بكلّ أنواع المكر و الإجرام إلى منع الثورة من أن تصبح تغييرا عميقا و جذريا فقرنت الثورة بالإرهاب الذي تصطنعه و تسهّله معوّلة على غباء النخبة في كشفها أو على تورّط جزء من هذه النخبة معها و معوّلة على تيّار موصوف بالإسلامي طالما ترك لنفسه بلا وعي و لا استنارة و بقدر حماسة أبنائه بقدر الأغبياء فيه و العملاء احدهما او كلاهما ثمّ قرنت هذه القوى المضادّة للثورة بين الانتخاب و الانقلاب فقالت لا بأس نعطي لهؤلاء شكليّة الانتخاب المغرية التي توهمهم بالثورة و التغيير و ليكن الانتخاب وسيلة مثلى و أسلم للانقلاب وذلك ما حصل خاصة في تونس و ليبيا في المرحلة الثانية للانتخابات فالارهاب المفاجئ و المريب يلوّح للثورجيين الجبناء بائعي الذمّة بالانقلاب و يخوّفهم به و يهدّد ثمّ تأتي الانتخابات لتتم هذا الانقلاب و تنجزه على مرأى من الجميع و في بهتة منهم.
الاستنتاجات لازمة اليوم لالتقاط الأنفاس و رفع الهمّة و هي:
1-هذه الأنظمة ضعيفة هشّة ليست قائمة قياما ذاتيّا تكفيها بضعة أيام من الغضب العارم لتتدهور و هذا ما حصل في تونس و مصر.
2-بمجرّد تزحزح هذه الأنظمة يغيب عنها السند الحزبي الموهوم و يضمحلّ و يتلاشى لأنّ هذه الاحزاب ليست حالة كفاحية نضالية و انّما هي براغماتية انتهازية ( الله ينصر من صبح) فأين حزب البعث في سوريا الحزب الحديدي المسلّح ؟ و أين التجمّع الدستوري الديمقراطي المزعوم حزب الملايين؟ .. تفكّك مفضوح في وقت قياسي.
3-إن الإسلام باعتباره منهجا و بديلا عن هذه الأنظمة الفاسدة مازال هو أمل الأمة رغم مكر الحكّام بالقمع و الاجتثاث و رغم عمالة البعض بتلوينه و تليينه و تطويعه ليصبح جزءا من النظام الرأسمالي الليبرالي و رغم الكم الهائل من التخويف و التنفير من التيّار الإسلامي العام تحت وطأة الإرهاب المصنوع من الغرب و عملائه على عين بصيرة.. و هذه الثقة في البديل الإسلامي تقتضي من المخلصين أقصى درجات الكفاح لتخليص الإسلام من الهوى أي من التسلّط بالدين أو التسلّط عليه و تقتضي إعطاء النّاس أعلى درجات الأمان و الضمان.
هذه السنوات الأربع بعد هروب الطاغية أفرزت ثلاثة مواقف متمايزة :
1-موقف واقعي خامل يرفض كلّ أنواع التغيير من باب الرضا بالدون ويمثّل واقعية عفنة عقّدت علينا شبكات العنكبوت.. و لا يهمّ هؤلاء ان حكم البلاد ظالم و فاسد طالما ضمن هؤلاء لنفسهم السلامة.
2-موقف انتهازي ماكر يمثّله كثير من السياسيين الجدد الذين رأوا في هذه الثورة الفرصة السانحة لأخذ نصيبهم من الحكم و النفوذ و كلّ أنواع الفساد و الغاية عندهم تبرّر الوسيلة و أوّل ضعفهم و هزالهم أنّهم يناقضون حتى مقولاتهم فتجد فكرهم و مواقفهم لاعنا و ملعونا و ناسخا و منسوخا.
3-موقف الهمّة العالية و لا يرضى أصحابها بالدون و يعتبرون أنّ الثورة هي حالة سياسية و نفسية ثمينة و عزيزة لتحقيق التغيير الشامل و العميق و تجاوز الوضعية الكارثية الطارئة التي عاشتها الأمة عقودا و أوّل هذه الهمة العالية أن نجعل الإسلام حاكما ولا محكوما و متبوعا لا تابعا و أن نجعل موقفنا يستند إلى المذخور الروحي لهذه الأمة و أن نفعّل طاقتها المعطّلة..
ذهب بورقيبة و لم يفد لا بروح و لا بدم و كان شعار المنافقين من حوله ” بالروح بالدم نفديك يا بورقيبة” تعالى على شعبه و سمّاه قبضة غبار و تعالى على أمته و سخر منها و تمنى لو كان موقع تونس الجغرافي في أوروبا.. و ذهب من بعده بن علي مذموما مدحورا بصورة الناهب لثروات البلد و صورة مصاص الدماء و صورة الجاهل المتغطرس.. ذهب دون أدنى وفاء له و كان الشّعار في عهده
“لا وفاء إلا لبن علي” و سيذهب كل من لم يفهم معنى أن تزمجر الأمة و تثور.. ها نحن اليوم نعيش الأحداث بحجم التاريخ لا بحجم السياسة فليفهم الأغبياء و ليفهم العملاء.
يقول النبي صلى الله عليه و سلّم:” خيار أئمتكم الذين تحبونهم و يحبونكم و يصلّون عليكم و تصلّون عليهم و شرار أئمتكم الذين تبغضونهم و يبغضونكم و تلعنونهم و يعلنونكم”.. و حتى يأتي خيار الأئمة تستمر الثورة بكلّ عناد و توكّل على الله و ثقة في الأمة.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: