بنقردان : مشاغل و مشاكل مدينة مهمشة (بقلم محمد ضيف الله)

بنقردان هي احدى أكبر معتمديات ولاية مدنين, تقع في الجنوب الشرقي للبلاد التونسية , يبلغ عدد سكانها أكثر من مائة الف ساكن , مساحتها” 4732 كلم مربّع “, بعثت و تم تأسيسها بتاريخ 21 جوان 1956

تعتبر بنقردان منطقة شبه فلاحية تعتمد على اشجار الزيتون و تربية الماشية (الاغنام ) خاصة و ترتبط اقتصاديا بالجوار الليبي عبر تاريخها حيث يعيش سكانها على التجارة الحدودية عبر معبر رأس جدير الحدودي مع ليبيا الذي يبعد على المدينة 30 كلم.

و غالبا ما تعيش هذه المنطقة مشاكل و اضطرابات بسبب ارتباطها الوثيق بهذا المعبر الذي بات المورد الوحيد لاجيالها الحالية بعد الاقلاع التام عن الفلاحة في ظل التغيرات المناخية  و ايضا التغيرات في انماط العيش و اساليبه , و هذا القيد الذي كبل هذه المدينة اجبر أهلها في عديد المرات الى القيام باحتجاجات و بانتفاضات لعل اشدها في رمضان 2010 حين عمد الطرابلسية و ابناء القذافي الى غلق المعبر و ايقاف التجارة به خدمة لمصالحهم و لتجارتهم الخاصة لكن اصرار الاهالي كان اقوى و سارعا “المخلوع” و “القذافي” الى فتحه.

و هذه المدينة ثرية و متنوعة و ذات موقع استرتيجي لكن الاهمال و التهميش المتعمد من قبل الحكومات المتعاقبة جعلها تعيش تحت رحمة أمزجة الحكام في كل من ليبيا و تونس و ترتبط بمستوى و مدى علاقتهما , و من اهم ما تحتويه هذه المدينة نذكر :

-سواحل بحرية جميلة لكنها منسية و غير مهيئة اصلا

-ميناء الكتف البحري و هو ذو موقع استراتيجي و هام جدا لكنه يشكو من النسيان و الاهمال التام

– ملاحة “العذيبات” و هي حقول من الملح ثرية و ذات كثافة انتاجية لكنها بيعت في صفقات مشبوهة و لا تستنفع منها المدينة و لا البلاد بشيء و لا تشغل من اهالي المدينة الا بضع اشخاص قد لا يتجاوزون العشرة ذ

-غابات زيتونية كثيرة تشكو من الاهمال للظروف المناخية و غلاء كلفة العناية و عدم مساندة الدولة في ذلك

-مراعي شاسعة غير مهيكلة و غير مدعمة بالمياه مع صعوبة في ايصال “الاعلاف” لقلتها و غلائها و ايضا لسوء الطرقات التي تؤدي الى هناك و هي طرق رملية صعبة

– محمية سيدي التوي و هي محمية كبيرة من حيث المساحة و هامة لكن تفتقد الى العناية و الاهتمام و التخطيط الجيد لتكون احدى اهم المحميات في تونس

اما عن المشاغل و المشاكل فسنحاول ان نعرض و نستعرض بعضها لنقف على عدة مجالات بهذه المدينة المهمشة و المقيدة و التي تأثرت بما حدث في ليبيا و تبعثرت فيها الاوضاع الاقتصادية للاهالي و انتشرت بها البطالة لافتقادها التام للتنمية و قد اتصلت باهل الاختصاص في كل مجال لفهم المشاغل و المشاكل

[ads2]

————-

البطالة :

يفوق عدد العاطلين عن العمل في المدينة حسب أخر احصاء 18000 “بطال” منهم اكثر من 3000 يحملون شهائد عليا نصفهم او اكثر بقليل ذكور و البقية اناث –

يعاني هؤلاء من انعدام تام لفرص العمل لعدم وجود اليات تشغيلية واضحة وبسبب غياب المؤسسات الحاضنة بالمدينة و التي من الممكن ان توفر ذلك فلا معامل و لا مصانع و لا مشاريع كبرى و لا صغرى فيبقى العاطل عاطلا بلا حل و لا حيلة

– عدم تجاوب الدولة في مجال بعث المشاريع و قد تقدم العديد من هؤلاء بمشاريع لكن لم يلتفت اليهم أحد و لم تشجعهم الدولة

– يعمد الجزء الاكبر منهم الى الركون الى المقاهي و الجزء الاخر الى الخروج من المدينة الى مدن اخرى بحثا عن شغل فيما يلجئ جزء ثالث الى التجارة الموازية و الخدمات العامة

– يعاملون على انهم في مدينة تتوفر بها حلول و قد حضرت على والي “كمال بن علي” قالها بصريح العبارة “انتم لا تحتاجون الوظيفة عندكم التجارة “فلوووس”” بل الولايات الاخرى اولى منكم

– كونوا هيكلا خاص بهم هو “جمعية السند لاصحاب الشهادات المعطلين عن العمل ببنقردان” و قد واجه و يواجه عدة عراقيل و مشاكل منها أن الجمعية لم تتلقى اي تمويل أو اسناد من الدولة و هي هيكل مصدر دخله الوحيد انخراطات المعطلين عن العمل –

قدمت هذه الجمعية عدة مقترحات عملية بعد الثورة لرئاسة الحكومة و رئاسة الجمهورية و لكن لم يؤخذ بعين الاعتبار

—————–

التعليم :

تمتد بالمدينة معاهد و اعداديات و مدارس ابتدائية عديدة في اغلبها مهمشة ولا تتوفر بها مستلزمات العمل و ظروفه التعليم الابتدائي :

-قاعات قديمة متآكلة قد تسقط في اي لحظة

-مقاعد التلاميذ قديمة مكسرة في اغلبها

-انعدام الملاعب الرياضية

-انعدام قاعات للمعلمين و مكاتب لبعض المديرين

– افتقار بعض المدارس للربط بالمعبد و تحيط بها الرمال من كل جهة

-افتقار بعض المدارس لسياج (سور) يحميها و يحمي التلاميذ

-نقص في المواد الاولية الصابورات الطباشير ادوات هندسية و خرائط و مواد التجارب العلمية

– نقص في الاجهزة الاعلامية و قدمها و عدم اشتغالها و عدم توفر الالات الناسخة –

دورات مياه معطبة و غير صالحة و حنفيات في حالة يرثى لها

التعليم الثانوي:

-نقص في العديد من التجهيزات و مستلزمات العمل باغلب المعاهد –

الاكتظاظ الكبير في بعض المعاهد (اعدادية الشابي ) –

حالات انفلات و فوضى و تسيب امام المعاهد و غياب الرادع

-الانقطاع المبكر عن التعليم بسبب غموض المستقبل و تفشي البطالة

التكوين :

يوجد بالمدينة مركز تكوين واحد محدود الدور و الاختصاصات و يعاني من نقائص عدة في المعدات التقنية و ايضا نقص الاقبال من ابناء الجهة ربما بالنظر في المصير و في انسداد الافاق بعد التكوّن

—————-

الصحة :

يشكو الوضع الصحي بالمدينة من مشاكل لا تحصى و لا تعد و يتواجد بها مستشفى جهوي و عدة مستوصفات

المستشفى الجهوي : هو المستشفى الجهوي الوحيد و يفتقر الى التجهيزات و الآلات الطبية و حتى التي توجد هي في عطب في اغلب الاحيان كما انه يفتقر ل “سكانار” فيظطر المريض إلى الانتظار اسابيع حتى يتحصل على “موعد” في “مدنين”ليقوم بذلك , ايضا يشكو المستشفى من نقص فادح في الاطارات الطبية المتمكنة و ايضا الشبه طبية الى جانب النقص في الادوية و اضطرار المريض الى شرائها بنفسه

يشكو ايضا من حالة اكتظاظ كبيرة  بسبب عدم فاعلية المستوصفات و شبه انعدامها هذا  يولد فوضى و يكثر المشاكل فتتكاثر التجاوزات من بعض الاطارات فيه و يغيب الضمير المهني و يكثر الاهمال و اللامبلاة التي يشتكي منها الاهالي و ذهب ضحيتها عدة اشخاص

المستوصفات : اما المستوصفات فحدث و لا حرج فحالتهم اكثر من مزرية و لا تتوفر بهم ادنى شروط و ظروف المكان الصحي فلا تجهيزات و لا اطباء و لا حتى بناء فهم عبارة عن غرف فارغة لا شيء فيها غير بعض الحبوب التي تعطى لكل المرضى على اختلاف امراضهم و كانها دواء للكل و لكل الامراض

مراكز الرعاية و المصحات و مراكز تصفية الدم و و العيادات و المصحات تكاد تعتبر غير موجودة اصلا لذلك اغلب اهالي المدينة يسافرون الى جرجيس و جربة و مدنين للعلاج

————————

البنية التحتية :

تشكون المدينة من بنية تحتية سيئة و رديئة جدا

-طرقات ضيقة مهترئة تمتد بها الحفر و المطبات العشوائية و اخرى غير معبدة تغمرها الرمال و الاحجار

-غياب مسالك الصرف الصحي و شبكات التطهير كليا و انعدام التهيئة فكلما نزل المطر امتلأت الشوارع بالمياه و التي تبقى راكدة اسابيع باكملها

– الخدمات العمومية : غياب للمنتزهات و اماكن الترفيه العمومية

-غياب المصانع و المعامل و المؤسسات الكبرى التي من الممكن ان توفر فرص شغل

-غياب الجامعات و المعاهد العليا و مراكز التكوين المهني الكبرى ذات الاختصاصات المطلوبة

-شبكة كهرباء فوضوية و تتميز بضعف في اغلب المناطق و كثرة الاعطاب -شبكة مائية منعدمة الجودة من حيث الكم و الكيف تكاد لا تشتغل صيفا في اغلب مناطق المدينة و ان اشتغلت فان 80 في المائة منها “جفال ”

– شاطئ مهمل تغمره الاوساخ و “الذريع” و غير مهيئ بالحمامات و دورات المياه

-سوق اسبوعية في وسط المدينة تخنقها و تعطل سير الحركة بها و تمس من حرمة المسجد الكبير

—————————–

التجارة:

هي تجارة مفتوحة موازية تسميها الدولة “تهريب” و ما هي بتهريب لاسباب هي :

اولا هي تمر على معبر حدودي و امام انظار الديوانة و الشرطة و الجيش و الحرس الوطني و كل من يذهب هناك يحمل جواز سفر و يختم ذهابا و ايابا فاين التهريب ها هنا اذا ؟ 

ثانيا هي مورد الرزق الوحيد حاليا بالمدينة و تعيش حالة من الفوضى و العبثية بسبب سياسات الدولة و تعاملها معها المتذبذب مما جعلها تعاني من :

– كثرة الابتزاز و انتشار الارتشاء عند اعوان الدولة بمختلف تصنيفهم و تمييزهم بين صغار التجار و مافيا المال فهم يمررون الكبار و يفتكون “فتات” الصغار

– عدم الاستقرار على قانون محدد ينظم هذه التجارة و يهيكلها و يتعامل معها على انها شيئ لابد منه و لا غنا عنه , ظرفي و وقتي حت يتم ارساء و ايجاد بديل و حل جذري يخلص المدينة من هذا القيد المقلق و الحل هو تنمية شاملة مدروسة و في اقرب الايام و الاجال بعيدا عن الوعود الزائفة و المتكررة بين مختلف المتعاقبين على الحكم و قد طالب اجدادنا ثم اباؤنا و ها نحن نطالب و نتمنى ان لا يطالب ابناؤنا فابناء ابنائنا و تبقى المطالبة الى يوم الدين

—————-

النقل العمومي :

يعيش حالة من التهميش و النسيان الكامل تقريبا

-الداخلي :اسطول حافلات متآكل قديم يقتصر فقط على نقل التلاميذ الذين يشتكون من اكتظاظ و حالة السيئة تعرفها تلك الحافلات القديمة المهترئة

-الجهوي : هي نفس الحافلات و على نفس الحالة –

بين المدن : يشكو من اهمال تام حيث لا تتوفر الا رحلتين باتجاه العاصمة واحدة صباحا و الاخرى مساء و في حافلات هي الاخرى لا تصلح لسفر طويل بتلك المسافة و تكون دوما مكتظة و قد يركبها احينا واقفون للضرورة

————————–

مخطط الطريق السيارة مثل محل نقاش و اختلاف مع الدولة لانه سيعزل المدينة و يصيب نشاطها الاقتصادي المتآكمل اصلا فيعمق مشاكلها و يزيدها تعقيدا على ما هي فيه و قد اجتمع الاهالي معترضين محتجين و طالبوا بربط كل “المفترقات ” الاربعة المبرمجة بمدينة بنقردان مع تهيئة طريق معبدة من الطراز الرفيع مع التعهد باستعمال الطريق السيارة فقط للشاحنات الكبرى حتى لا تعزل المدينة

—————

المطالبة بالتنمية على مدى العقود السابقة طالب و يطالب اهالي بنقردان بالتنمية و الالتفات الى هذه المدينة ذات الموقع الاستراتيجي لكن لم يهتم احد لمطالبهم و قوبلت باللامبلات و الرفض فبقيت المدينة تعيش في وضعية “الصفر تنمية” و بقي اهلها يعيشون على عبثية التجارة مع ليبيا و التي عرفت مشاكل و تقطعات عدة انهكت الاهالي و اربكت حياتهم الاقتصادية لذلك نجد هذه المطالب تتجدد كل سنة بل كل شهر لا بل كل يوم لحاجة المدينة و اهالي المدينة لذلك و من اهم المطالب التي طالب بها اهل بنقردان و اعادوا المطالبة حتى حفظها ريضعهم و عجائزهم من كثرة التكرار نذكر :

-تهيئة مداخل المدينة

-تصنيف بنقردان مدينة سياحية

-تحديد اجال واضحة و يلتزم بها لتنفيذ و البدأ في وعود سابقة طال انتظارها المنطقة الحرة و المنطقة اللوجستية و المنطقة الصناعية و السوق الحرة و ادارة الفحص الفني

-التشجيع على الاستثمار و بعث المصانع و المصحات و المخابر الطبية و تقديم تسهيلات في ذلك

– توسيع “ملاحة العذيبات” و تهيئتها لاستقطاب اكثر عدد ممكن من العاطلين -توسيع ميناء الكتف و تهيئته

-تمكين بن قردان من إقليم كهرباء و تحسين الشبكة الكهربائية الضعيفة الى جانب ايجاد حلول للشبكة المائية و تحسين جودتها بالتحلية و تقوية ضخها تفاديا لانقطاعها المستمر بل لانعدامها اصلا في فصل الصيف بكل احياء المدينة

-تهيئة السوق المغاربية و مدها بالشبكة الكهربائية

-بعث مكاتب لصندوقي التظامن و التقاعد و اعفاء المواطن من التنقل لمدنين للخلاص

—————

هذه اذا هي بنقردان المدينة التي تحمل على كتفيها “رزمة”من المشاغل و المشاكل التي دارت بها بين كل الحكام على مر العصور و عرضتها و طرحتها و لكن لم تجد من بينهم من يسمع و يفهم و يتفهم و بقيت تعاني من فترة الى اخرى من الدخول في عمليات احتجاجية تصعيدية لعل آخرها قبل مدة “اعتصام الكتف”و التي تشكلت على اثره خلية أزمة اجتمع حولها كل اهالي المدينة و المنظمات الوطنية و هياكل المجتمع المدني:

خلية الازمة ببنقردان: عقدت عدة اجتماعات و لقاءات شعبية انبثقت عنها “هيئة المواطنة و التنمية” و التي تتكون من عشرة اعضاء ذو صفة و 16 عضوا ملحقين , رئيس الهيئة “بديع قتات ” و كاتبها العام “عماد عبد الكبير ” و قد انبثقت عن هذه الهيئة بعد عدة اجتماعات سبع لجان و هي :

1 : اللجنة الاستشارية الموسعة

2 : لجنة البلدية و المشاريع المعطلة

3: لجنة هيكلة التجارة الحدودية و شؤون المعبر

4: لجنة الصحة و الشؤون الاجتماعية و المعطلين عن العمل

5: لجنة الثقافة و الاعلام و السياحة

6: لجنة الفلاحة و الصيد البحري و الاراضي الاشتراكيةو الشؤون العقارية

7: لجنة الطريق السيارة

و قد التف حول هذه الهيئة و لجانها اهالي المدينة رغبة منهم في ايجاد حلول جذرية و دائمة للمشاكل و الصعوبات المزمنة التي تعرفها مدينة بنقردان امام غياب الارادة من الدولة عبر مختلف مراحلها و تجاهلها لمطالب هذه الجهة

وقد قدم اهالي بنقردان بتجمعهم هذا و بعملهم الممنهج و تنظّمهم من أجل البحث في حقيقة و حيثيات معاناتهم , قدموا طرحا و عرضا للدولة و فتحوا معها جسور تواصل و نقاشات عبر نواب المجلس عن الجهة و والي مدنين و تسعى للمحاورة الجميع و ابلاغ و تبليغ مطالبها بضرورة ايجاد الحلول اللازمة و عن طريق التفاوض و بمثل هذه الاساليب الحضارية الراقية و العملية فهل ستستجيب الدولة و تلتفت و تهتم و تثمن مثل هذه المجهودات و تشد عليها و هل ستفتح حوارا جادا و تستقطبه و تنطلق من خلاله الى ايجاد حلول جدية و فعلية بعيدة عن محاضر الجلسات الانشائية و الوعود الكاذبة التي تعطى في مكاتبب و مقرات مؤثثة بالبروتوكلات والتصفيق و التهليل , تتبخر في الهوى بمجرد مغادرة المسؤول و انتهاء اللقاء ؟

. تونس في 12 افريل 2015

محمد ضيف الله

مجمد ضيف الله بنقردان

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: