بوتفليقة.. رغم أنف الجميع.. (بقلم أحمد منصور)

في شهر ابريل من العام 1999 اجريت اربعة حوارات في برنامجي التليفزيوني «بلاحدود » مع اربعة من ابرز المرشحين للرئاسة في الانتخابات الجزائرية آنذاك وكانت حواراتي مع المرشحين احمد طالب الابراهيمي وزير الخارجية الاسبق ومولود حمروش رئيس الوزراء الاسبق والمرشحة اليسارية لويزة حنون اما حواري الرابع و الاخير فكان مع عبد العزيز بوتفليقة وزير الخارجية الاسبق ومرشح الجيش.

حينما تقدمت بطلب للحصول على تأشيرة لدخول الجزائر لاجراء حواراتي الاولى رفضت السلطات الجزائرية منحي التأشيرة، لكني حينما اتصلت على صانع الرؤساء الجنرال العربي بالخير عراب الانتخابات الرئاسية و الذي كان من اوسع الجنرالات نفوذا في ذلك الوقت ومديرا للديوان الرئاسي في الجزائر والمفتاح الرئيسي للوصول الى بوتفليقة، فوجئت باتصال من السفير الجزائري في الدوحة يبلغني ان تأشيرتي جاهزة للذهاب الى الجزائر وكل التسهيلات متاحة لاجراء الحوار مع المرشح عبد العزيز بوتفليقة، فقلت له: انتم رفضتم ذهابي طوال الاسابيع الثلاثة الماضية واضررت لاجراء حواراتي مع المرشحين الثلاثة عبر الساتلايت واذا كنتم تعطون بوتفليقة افضلية وتميزا باعتباره مرشح الجيش فإني لن امنحه هذه الافضلية وسوف اجري الحوار معه عبر الساتلايت مثلما اجريته مع المرشحين الآخرين، كلمني الجنرال العربي بالخير هو الآخر حتى اذهب للجزائر فاعتذرت له اما كل ترتيبات المقابلة مع بوتفليقة فقد اجريتها مع الجنرال العربي بالخير الذي كان العراب الاساسي، وهو الذي اقترح بوتفليقة على قيادات الجيش بعدما كان بوتفليقة يعيش في المنفى الاختياري بين سويسرا وابوظبي منذ العام 1981.
وكان من الواضح ان جنرالات الجيش جاؤوا بعبد العزيز بوتفليقة الذي ولد في 2 مارس عام 1937 في مدينة وجدة المغربية وانتمى الى جيش التحرير الوطني وكان اصغر وزير في حكومة الاستقلال الاولى التي رأسها احمد بن بيلا حيث كان عمره خمسة وعشرين عاما حينما اصبح وزيرا للشباب والرياضة والسياحة في العام 1962، وقد عين وعمره 26 عاما وزيرا للخارجية بعد اغتيال وزير الخارجية محمد خميستي في ظروف غامضة امام المجلس الوطني «البرلمان» في 11 ابريل عام 1963، وقد بقي في هذا المنصب ستة عشر عاما حيث كان يحظى برعاية وعلاقة خاصة مع الرئيس هواري بومدين لكنه تعرض للتهميش واتهمات بالفساد بعد وفاة بومدين في ديسمبر عام 1978، ثم اقيل واختار ان يبتعد عن الحياة السياسية حتى العام 1999 حينما اخذ الجنرالات يبحثون في صندوق النظام عن افضل المرشحين للرئاسة بعد فترة اضطراب طويلة في الجزائر حتى توصلوا الى بوتفليقة الذي لبى النداء وجاء ليكون رئيسا وليس مرشحا.
و قد كان بوتفليقة يتعامل مع الجميع خلال فترة الترشح على انه الرئيس القادم حيث اجرى التليفزيون الرسمي الجزائري مقابلة معه قبل مقابلتي التي كانت قبيل الانتخابات مباشرة وكان الصحفيون الذين تحلقوا حوله وأجروا الحوار يتعاملون معه كأنه رئيس الجزائر وليس المرشح للرئاسة، لكني حينما اجريت حواري معه تعاملت معه مثل باقي المرشحين ولأنه كان يطرح نفسه على انه امتداد لعهد بومدين فقد سألته عن الاتهامات الموجهة لبومدين باغتيال خصومه السياسيين في أوروبا.
غضب بوتفليقة غضبا شديدا من أسئلتي لكني حينما أخرجت له وثيقة من مجلس المحاسبة في الجزائر تتهمه باختلاس حوالي 12 مليون دولار حينما كان وزيرا للخارجية كانت هذه هي الضربة القاصمة، بعدها صب بوتفليقة غضبه عليّ وأخذ يوجه لي الاتهامات أنني أشوه الجزائر و أشوه عهد الرئيس بومدين، و كان أول قرار اتخذه بعد إعلانه رئيسا للجزائر هو إغلاق مكتب قناة الجزيرة الذي لازال مغلقا حتى الآن وربما سيبقى مغلقا طالما بقي بوتفليقة رئيسا.
و أذكر أني في عام 2000 ذهبت لليمن لإجراء حوار مع الرئيس علي عبدالله صالح بمناسبة مرور عشر سنوات على إعلان الوحدة اليمنية. وكان قد وجه الدعوة لمعظم القادة العرب للحضور وقد وجه لي الدعوة لحضور حفل الغداء الخاص بالقادة العرب والدخول للقاعة الخاصة بهم، فوجدت نفسي وسط الجميع بلا حواجز ولا حرّاس وفجأة وجدت نفسي وجها لوجه مع الرئيس بوتفليقة فمددت يدي لأسلم عليه مثلما سلمت على من قبله ففوجئت به يلقاني بحرارة كبيرة ويضمني ويقبلني وكأنما نحن أصدقاء التقينا بعد فراق سنوات طويلة، حتى أنه تفوّق على ياسر عرفات في القبل والأحضان فقلت لعل الرجل تناسى ما حدث بيننا ويريد فتح صفحة جديدة ويعطي أوامره بفتح مكتب قناة الجزيرة الذي أغلق بسبب حواري معه، لكني اكتشفت أن بوتفليقة كان يفعل ذلك مع الجميع وأنه أصبح في ذلك الوقت أكثر شهرة من ياسر عرفات في توزيع القبل و الأحضان.

الأكثر من ذلك أن بوتفليقة عصف بالجنرال العربي بالخير عرابه في الانتخابات وداعمه الرئيسي ونفاه سفيرا في المغرب حتى توفي بالمرض الخبيث، بعد ذلك كما كان بوتفليقة أصبح أول رئيس جزائري يخاطب شعبه بالفرنسية، وسرعان ما بدأت الأوضاع تتغير في الجزائر حتى ضرب المرض بوتفليقة في عام 2005، ودخل المستشفى العسكري في باريس للعلاج من قرحة في المعدة، وبدأ غيابه بعد ذلك يثير التساؤلات دون أن يتحدث أحد عن إبعاده حتى حدثت له الجلطة الدماغية في شهر إبريل من العام الماضي 2013 والتي أبعدته عن الجزائر ثلاثة أشهر في باريس لم تتوقف الإشاعات خلالها حتى ظهر على كرسي متحرك وهو في النقاهة التي لم يخرج منها حتى اليوم.

و كانت المفاجأة أن يعلن عن ترشحه لفترة رئاسية لم يظهر فيها إلا و هو يشكو منافسه الرئيسي في الانتخابات رئيس الحكومة السابق علي بن فليس الذي فوجئ الجميع بشعبيته العارمة التي ربما تكون نكاية في بوتفليقة ورسالة من الشعب أنه يريد رئيسا جديدا، فشن هجوما على بن فليس في حضور وزير الخارجية الإسباني خلال المؤتمر الصحفي الذي ظهر فيه معه وكان ظهوره ربما الوحيد خلال الحملة الانتخابية التي وصفها بعض المراقبين بأنها عرس بلا عريس، حيث حشدت الدولة كل إمكاناتها والتف معظم المسؤولين السابقين لدعم الرجل المريض ليتولى الرئاسة لمرة رابعة ويبلغ مرضه درجة أنه حينما تحدث في حضور وزير الخارجية الإسباني كان صوته خافتا كأنما يتكلم من فراش المرض، وقد اتهم بن فليس بالإرهاب وتهديد الولاة حال تزوير الانتخابات وهو ما نفاه بن فليس وشن هجوما على بوتفليقة قال فيه «إذا انتخبت فلن أجلب إخوتي وأصدقائي للرئاسة» وهو إسقاط مباشر على بوتفليقة الذي يتهم بأنه جلب إخوته وأصدقاءه حتى أن أقوى رجل في الرئاسة بعده هو شقيقه الأصغر ومستشاره الخاص سعيد بوتفليقة الذي تقول الصحف الجزائرية إنه يتمتع بصلاحيات واسعة.

الجزائر الآن على مفترق طرق و كما يقول الخبراء إذا جرت انتخابات نزيهة فإن بن فليس هو الرئيس القادم أما إذا جرت كما تجرى كل مرة فإن بوتفليقة المريض هو الرئيس لولاية رابعة رغم أنف الجميع.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: