بين القضية الأركانية والقضية الفلسطينية

جمع القدر بين القضيتين الفلسطينية والأركانية عبر تشابه كبير فى قضايا مفصلية. ولعل في هذا رسالة توفر لقضية أراكان فرصة الاستفادة من أختها الكبيرة القضية الفلسطينية في استشراف المستقبل ورسم خارطة الطريق.
ولقد لمسنا تشابها واضحا بين القضيتين على عدة أصعدة، منها التاريخي، ومنها الواقعي المعاش وطبيعة الاحتلال وغيرها من الوجوه التي سنمر عليها في هذا المقال إن شاء الله.

واقعين متشابهين

1. التاريخ الحديث

قد لا يكون من قبيل الصدفة أن تقوم بريطانيا بإهداء أراكان وفلسطين لأعدائهما في نفس الفترة تقريبا (نهاية الأربعينات وتحديدا سنة 1948) تحت مسمى إنهاء الاحتلال البريطاني والاستقلال، إذ أن أفضل وصفة لتحييد العنصر الإسلامي القوي على جغرافية هامة مثل فلسطين وأراكان هو وضعهما تحت احتلال ديني وعسكري يضمن غيابهما عن الساحة لعقود قادمة.

في تلك الفترة سلمت أراكان للبورمين البوذيين العنصريين، وسلمت فلسطين للصهاينة القوميين والمتدينين العنصريين أيضا لتتوالى النكبات تلو النكبات حتى وقتنا الراهن. وهذه السياسة هي نفسها التي اتبعتها بريطانيا عند استقلال إثيوبيا حين قامت بإهداء إقليم أوغادين المسلم التابع للصومال للحكم الإثيوبي النصراني عام 1954

2.صمود الشعبين

يتشابه الشعبان الفلسطيني والأراكاني في قدرتهما على الصمود في وجه احتلالين من اسوأ انواع الاحتلالات في العصر الحديث، ورغم الاختلاف في مظاهر الصمود لدى الشعبين، فإنهما يشتركان في الحفاظ الواضح على الهوية، إذتجسد ذلك في الشعب الفلسطيني عبر المقاومة المسلحة المستمرة (عكس المقاومة السلمية على طريقة غاندي في الهند)، الأمر الذي جعله في بؤرة التركيز العالمي ورفعه إلى مرتبة القدوة للأحرار حول العالم.

وتجسد الصمود لدى الشعب الأراكاني من خلال الهوية الدينية التي لم تنكسر رغم قوة البطش البورمي والتجهيل والترحيل ومحاولات تغيير المعتقد الاسلامي، إذ لم تسجل سوى حالات ردة دينية محدودة خلال عقود. والحمد لله ما زال الشعب الأراكاني على حالته الفطرية في تمسكه بالإسلام. وهذا ما شكل العنصر الجوهري في استمرار الوجود الاسلامي في أراكان حتى الان، على خلاف ما حصل في حالات متشابهة مثل إسبانيا أو جورجيا مثلا.

3. استراتيجية الموقع

تقع فلسطين وأراكان على مفصل جيوسياسي وجيواقتصادي هام لا يمكن أن تخطئه العين الخبيرة، فموقع فلسطين في قلب العالم والفاصل بين آسيا وإفريقيا، وهي قلب العالم العربي الإسلامي مع موقع مهم على البحر المتوسط. كل ذلك جعل منها موقعا إستراتيجيا سياسيا واقتصاديا هاما بلا شك.

وتقع أراكان في القلب بين أكبر تجمعين سكانيين دينيين في العالم هما الصين البوذية (في المجمل)، والهند الهندوسية، ولا أحد يرغب في وجود إسلامي في هذه النقطة الحيوية بين هذين التجمعين الهامين، كما تقع أراكان على مشارف خليج البنغال المشرف على كل الخطوط التجارية بين الشرق الأقصى وجنوب شرق آسيا من جهة، وبين بقية العالم من جهة أخرى. وبلغت أهمية أراكان أنها المتنفس البحري الغربي لعملاق التجارة العالمية (الصين)، بحيث أنها افتتحت مرفأها البحري على أرض أراكان، وتقوم بانشاء أطول خط للسكة الحديد كي يصل الصين بالمحيط الهندي عبر أراكان أيضا، مما سيخلق ممرا لوجستيا من وإلى الصين يجنبها كلفة عالية من الوقت والمال.

4.طبيعة الاحتلال: احتلال الأرض وإقصاء السكان

تتشابه القضية الأراكانية مع القضية الفلسطينية في طبيعة الاحتلال وعقليته وسياساته، فالاحتلالين البورمي والصهيوني هما احتلالان عسكرياندينيان قاسيان بامتياز، وكلاهما من نوع الاحتلال الإقصائيةالمنهج.

لقد كان هدف الاحتلالين هو الاستيلاء على الثروات والمقدرات، وإقصاء الشعب وتفريغ الأرض من سكانها الأصليين، واستخدما لهذا الغرض كافة الطرق غير الأخلاقية، وفي مقدمتها المذابح، ومن تبقى من أهل فلسطين المحتلة عام 48 كان بالخطأ بحسب قادة الحركة الصهيونية، فضلا عن صمود الفلسطينيين، ورغم أن القمع والعنف العسكري هو السمة الأبرز للسياسة الاحتلالية فإن سياسات أخرى لا تقل أهمية ومنها:

التزوير التاريخي للوجود الشرعي للشعبين

فكما يدعي الاحتلال الصهيوني الحق التاريخي في أرض فلسطين، وأن الوجود الفلسطيني وجود طارئ على تلك الأرض، يدعي الاحتلال البوذي دخول العنصر الوهني إلى أرض أراكان من بنغلاديش.

وكما تقوم في فلسطين محاولات “علمية” وأكاديمية لتزوير التاريخ واصطناع آثار قديمة تدعم المقولة الصهيونية (لم تنجح إلى الآن)، فهناك محاولات مشابهة من الاحتلال البوذي لطمس الآثار الإسلامية في أراكان والدفاع في المحافل الرسمية عن فكرة أن العرقية الروهنجية هي ذات أصول بنغالية. ويدللون على ذلك بلون البشرة وسحنة الوجه الروهنجية الأقرب إلى البنغالية، بينما البشرة والخلقة البورمية هي أقرب للصينية.

التركيز على تغيير الديموغرافيا والخريطة السكانية على الأرض

حرب الأرقام والسكان هي علامة فارقة تميز هذين الاحتلالين، فسياسة التفريغ من السكان، نتج عنها تهجير النسبة الأكبر من الشعبين الفلسطيني والأراكاني إلى خارج بلادهما (بحدود 6 مليون فلسطيني و 3 مليون روهنجي) وتم إحلال العنصر الصهيوني فى الحالةالفلسطينية، والبوذي فيالحالة الروهنجية، ليصبح المحتل هو صاحب الوجود الواقعي على الأرض. وتعرف هذه السياسة في أدبيات القضية الفلسطينية بسياسة تهويد الأرض وتهجير السكان.

ومن اللافت في هذا الشأن أن العدد الهائل من اللاجئين الفلسطينيين والأراكانين، فإنهم لا يذكرون في إحصاءات الأمم المتحدة بشكل مباشر عند ذكر أعداد اللاجئين في العالم.ويكتفى بذكرهم بعد الدول الأخرى بطريقة إنشائية استطرادية. ويتم التغطية على ذلك بعبارة (عدد اللاجئين من ذوي الاهتمام لمفوضية شؤون اللاجئين).

يضاف إلى ما سبق سن القوانين المتعلقة بتحديد النسل، وعدم الاعتراف بشرعية المواليد ولا حقوقهم في الجنسية وهي السياسة التي يمارسها الاحتلال البوذي بشكل صارخ في أراكان.

التغيير المنهج لأسماء الأماكن والشعوب

كما أن فلسطين أصبحت إسرائيل، والقدس أورشاليم، وتل الربيع تل أبيب، فقد أصبحت أراكان راخين وسكانها راخين وأكياب سيتوي (وهي عاصمة إقليم أراكان).

كذلك قام الاحتلال الصهيوني بعبرنة (بتحويلالأسماء العربية إلى عبرية). حدث ذلك لأكثر من 7 آلاف موقع فلسطيني في القدس، و بسبب الأهميةالبالغة لهذا النهج ، فقد قامت الوكالة الصهيونية بتشكيل لجنة لهذه الغاية سنه 1922 ومازالت هذه اللجنةقائمةحتى يومناهذا، وتضم فى عضويتها 24 من العلماء الصهاينة.وهذه السياسة لها أثر واضح على قطع الأواصر التاريخية وضياع ونسيان القضية، والذوبان في الحالة الجديدة للاحتلال.

واقعين مختلفين

أما أوجه الخلاف بين الواقعين الفلسطيني والأراكاني، فيتجلى في عدة أمور جديرة بالاهتمام قد يكون أبرزها العنصرين التاليين:

1.حجم الحضور العالمي والإسلامي

إن الحضور العالمي للقضية الفلسطينية في المحافل الدولية وعلى كافة المستويات هو حقيقة واقعة، فالصراع الفلسطيني الصهيوني معروف من روسيا إلى أمريكا اللاتينية. وقد ساهم في هذا الحضور العالمي عدة أمور ليس هذا مجال ذكرها، ولكن منزلة فلسطين الدينية كما تؤكدها النصوص الإسلامية من كتب وسنة، ومنزلتها الدينية عند اليهود والنصارى أيضا، قد ساهمت بلا شك في هذه الشهرة وهذا الحضور.

في المقابل يصعب أن تجد من يعرف القضية الروهنجية، إلا من له ارتباط معين بالقضية، كأن يكون من إحدى الدول المجاورة أو الناشطين في أحد المجالات ذات العلاقة.

وعندما تسأل أحدا في الدول غير الإسلامية عن أراكان، الروهنجيا، بورما فإنهم لن يعرفوا غير بورما أو ماينمار. بالمقابل لا تجد من لا يعرف فلسطين أو ما يسمى بالصراع العربي الصهيوني.

2.العمق الاستراتيجي واللوجستي:

لا يخفى على أحد أن فلسطين لها عمق استراتيجي في المحيط العربي، حيث يعتبر العالم العربي امتدادا طبيعيا لفلسطين، دينيا واجتماعيا وسياسيا وتاريخيا. لا يكون الفلسطيني غريبا في محيطه بالشكل الذي يكون فيه الوهني، وقد ساهم هذا العمق الاستراتيجي في سهولة الدعم للفلسطينيين في الداخل وبتوفير الحاضنة السياسية والاجتماعية، لكن حاضنة للمقاومة لم تتوفر للشعب الأراكاني في بيئته المعادية، وأقله غير الصديقة.

3.حجم التمكين الداخلي للشعبين:

التمكين الداخلى يقصد بة الدعم المتنوع المقدم للشعب فى الداخل لتمكينه من الصمود علي كافة الأصعدة والمستويات.

لم تكن فرصة الشعبين الفلسطيني والأراكاني متساوية، فقد حظي الشعب الفلسطيني بدعم عربي وإسلامي ودولي كبير -مع ما صاحب ذلك من حجم مؤامرات مواز لذلك الدعم -مكنه بفضل الله من الصمود على عدة أصعدة، سواء على الصعيد الخارجي، أم على صعيد التمكين الداخلي.

وتنوع الدعم من التعليم إلى الإغاثة الإنسانية. ومن الدعم المادي إلى الدعم السياسي وحتى العسكري، مما انعكس على الروح المعنوية للفرد الفلسطيني وتنوع خياراته وتقوية موقعه التفاوضي وموقفه على الأرض. بينما انعدم هذا تماما مع نظيره الوهني.

فلو أخذنا جزئية التعليم مثلا، فلطالما كان الدعم التعليمي متوفراللفلسطينيين منخلال برامجتعليم متنوعة ، وتعددت الدول المستقبلة لطلاب الدراسات العليا من الفلسطينيين حتي آن نسبة التعليم بينالفلسطينيين تقدر ب 96٪، وهي قريبة من نسبة التعليم لدى المحتل 97٪.

أما في الحالةالروهنجية ، فقد كان الدعم التعليمي شبه معدوم، حتى أن نسبة التعليم لدى الروهنجيا لا تتجاوز 40٪ مقارنة بالمحتل 90٪.

وإن كان هذا مثال على التعليم، فإنه يمكن مقارنة باقي أنواع الدعم المقدمة للشعبين بنفس الطريقة.

التمكين الداخلي يصنع الفرق

التمكين الداخلي يساوي الصمود وهو يساوي الفرق بين الحياة والموت وبين الحرية والأسر.

الصمود مرتبط بالفرد وليس بالأرض، أو غيرها. وهو مرتبط بشكل مباشر بعد الاعتماد علي الله بقوة الارادة والوعي البرنامج المفضل أكثر من اي مقوم أخر. وأما باقي المقومات فهي لخدمة هذه العناصر. فالذي يصمد أو ينهزم، والذي يناضل أو يستسلم هو الفرد في الداخل وليس من في الخارج. فلو تنازل كل فلسطينيي الشتات عن فلسطين لن يستطيع الاحتلال بسط سيطرته على كل الأرض إلا بعد كسر إرادة فلسطينيي الداخل. صمود الداخل هو من أعطى أوراق التفاوض للخارج، وهو من دعم مطالب الخارج وهو من أوقف عدوان الداخل.

بالنسبة للروهنجيا لا يمكن إنجاز أي هدف على الأرض دون العنصر الداخلي وهو الشعب، فسواء كانت مطالب الأراكانيين هي الحكم الذاتي أو الجنسية أو الحقوق المتساوية أو الرخاء الاقتصادي، فما لم يكن الشعب نفسه مصابرا مكابرا مناضلا لن يحصل على شيء لأن المعادلة الداخلية هي الأساس. ولن يأتي الحل من الخارج من دون نوع من الضغط الداخلي الثابت والشامل كما حدث مع الفلسطينيين.

ما يجب أن يفهمه قادة القضية الروهنجية، والمهتمون بها أن الأساس هو التمكين الداخلي، وأما العمل الخارجي فهو تبع للداخل وليس العكس.

لا تعرف حاله تم فيها إنصاف المظلوم من الظالم القوي دون آن يكون الاساس نضال الداخل اقتراحات ما يمكن آن نسميه الردع الداخلى اقتراحات الذاتي . توازن الردع هو ما يوقف المجازر ويعيد الحقوق. وهذا لا يتحقق إلا بتمكين الفرد الأراكاني بالروح المعنوية والوعي.

يجب التأكيد هنا على أن التمسك بالدين كان وما زال أهم وأقوى عوامل الصمود والوعي. ويردف هذا كله من الإعلام والتعليم والحاضنة الإنسانية البديلة للظروف التي تخلقها حالة الاحتلال من عدم الأمن والخوف والعوز والفقر والتشرد.

الحاضنة البديلة الانسانيه يمكن آن تترجم عمليا القمة الدعم المادي والإيواء والتعليم والصحة. فعندما يحول الاحتلال بين الوهني ورزقه، يجد بديلا من المنظمات الإسلامية أو روهنجيا الشتات، فيساعده هذا على الاستعلاء على جلاده والثبات على موقفه، وعندما يشرده العدو يجد الملجأ والإيواء أو على الأقل يجد التعويض والدعم النفسي. وعندما يقوم بعمل بطولي يجد من يعلي شأنه ويوصل مآثره ويحض غيره.

يجب أن نفهم جميعا أن الجبهة الداخلية هي التحدي، وكل ما عداها إنما يجب إيجاده كي يصب في خانتها ودعمها. إذ أنها وحدها ستصنع الفرق بإذن الله بين الانتصار والهزيمة.

بين القضية الأراكانية والقضية الفلسطينية

إن للقدر الإلهي حكمة، وإذا كان هذا التشابه بين القضيتين، ومعاصرتهما لبعضهما البعض يوحي لنا بحكمة فإن من أقواها

دراسة القضية الفلسطينية والاستفادة من تجربتها، والإفادة من رجالاتها وأديباتها النافعة لحرق المراحل والبناء السريع للخبرة والاستعداد للمستقبل، ورسم خطة طريق واضحة ثابتة للقضية الأراكانية.

ولعل من الضروري التذكير هنا بفارق حجم التآمر على القضية الفلسطينية والذي يفوق حجمه على القضية الأراكانية، إن كان بسبب حاجة قوى الإمبريالية والاستعمار لوجود محتل في فلسطين يمزق وحدة الأمة، أم بسبب هيمنة اللوبيات الصهيونية داخل الولايات المتحدة والغرب، وهذا يعطي فرصة للقضية الأراكانية يمكن من خلالها جلب تعاطف أكبر لأن الطرف الآخر لا يتمتع بحضور دولي كبير.

وأخيرا يمكننا القول أن من فاته العمل للقضية الفلسطينية، فلديه الفرصة لتدارك ذلك في دعم القضية الأراكانية.

نشر في موقع بوابة بادر العالمية.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: