بي بي سي: مصر عادت للحكم العسكرى وجمهورية الجنرالات

قالت شبكة “بي بي سي” البريطانية أن الانقلاب العسكري ضد د. محمد مرسي أول رئيس شرعي منتخب للبلاد إعادها إلى الحكم العسكري مرة أخرى مشيرة إلى مشاهد العنف الذي أسفر عن مئات الضحايا والحملة التي تشنها الحكومة الانقلابية ضد الرافضين لهذا الانقلاب.

 
ونقلت الشبكة عن د. عمر عاشور خبير شئون الشرق الأوسط قوله ” التحديات التي تواجه البلاد في أعقاب الربيع العربي تعود إلى عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بنظرة إلى التاريخ وتراث الحكم العسكري في مصر في تلك الفترة” .
 
وأشارت “بي بي سي ” إلى ماكتبه المؤرخ المصري الشهير، عبد الرحمن الرافعي، في جريدة “الأخبار” في عددها الصادر أول أغسطس عام 1952 “زعيم الانقلاب – البطل “اللواء” محمد نجيب – أعطى مثالا للتواضع من خلال رفضه الترقية إلى رتبة الفريق، وهو ما يدل على أن الجيش المصري لا يريد السلطة، وقال إن رتبة لواء تكفي”.
وتابعت “بي بي سي “بحلول فبراير عام 1954 عزل الضباط الأصغر سنا – المتعطشين للسلطة- أول رئيس لمصر طامعين في السلطة بقيادة جمال عبد الناصر.
 
وسقطت مصر حينها كما هو الحال حاليا، في حالة انقسام بين معسكرين الأول يريد ديمقراطية برلمانية وعودة النظام الدستوري وأن يعود الجيش إلى ثكناته بينما يريد الطرف الثاني راعيا قويا يتمتع بكاريزما وسمات شخصية جذابة وعد بالاهتمام بهموم المواطنين في إشارة إلى عبد الناصر.
 
وبحلول نوفمبر عام 1954، لم يسحق الطرف الأخير الطرف الأول فحسب، بل عمل على تدمير مطالبه، وكانت الحريات الأساسية والنظام الدستوري البرلماني من بين الضحايا حيث صادر عبد الناصر الأراضي من الإقطاعيين وأعاد توزيعها على صغار الفلاحين، كما دخل في مواجهة مع المملكة المتحدة، القوة الاستعمارية السابقة، عام 1956.
وكان تكلفة تأسيس جمهورية الضباط دولة تتصدر فيها المؤسسات العسكرية المشهد وتعتلي المؤسسات المنتخبة.
 
وأضافت “بي بي سي” خلال ثورة يناير 2011 برزت تحديات للأوضاع التي كانت تمر بها البلاد عام 1954 في مناحي كثيرة حيث ظهرت مفاهيم إصلاح قطاع الأمن و الرقابة الديمقراطية على القوات المسلحة و رقابة المؤسسات المدنية على مؤسسات الجيش والشرطة إلى جانب توافر الشفافية بشأن ميزانية الجيش وكانت هذه المفاهيم غريبة على المؤسسة العسكرية وكانت بمثابة تهديدا للمحرمات ومن ثم كان ينبغي محوها أو تجريدها من مغزاها !
 
وعقب الإطاحة بمبارك في فبراير 2011، احتفظ المجلس الأعلى للقوات المسلحة بأدنى ثلاثة مطالب وهي: حق الاعتراض (الفيتو) على السياسات الكبرى، واستقلال ميزانية الجيش والامبراطورية الاقتصادية، والحصانة القانونية من المحاكمات في مواجهة أي اتهامات بالفساد او القمع كما أراد التمتع بامتيازات دستورية لضمان هذه الترتيبات.
 
وبرزت هذه المطالب في الإعلان الدستوري الصادر في يوليو 2012 الذي أعطى المجلس امتيازات في أول برلمان أعقب الثورة، والذي قام المجلس العسكري بحله بالقرار رقم 350 في 30 من يونيو2012 بعد حكم المحكمة الدستورية بأن القانون الانتخابي للبرلمان ليس دستوريا في أحد جوانبه.
وأعاد هذا القرار جميع السلطات التشريعية في يد المجلس العسكري قبل أيام من تولي أول رئيس مدني منتخب مهام سلطته في يوليو 2012.
وكانت للإمبراطورية الاقتصادية المستقلة للجيش، التي تستفيد من الجمارك الممتازة وأسعار الفائدة والإعفاء الضريبي وملكية الأراضي وحقوق المصادرة، وجيش من العمالة المجانية (من المجندين) مصدرا لزيادة نفوذ الجيش، ومن ثم فإن القضية الشائكة للجيش تكمن في انتخاب شخص مدني “رئيسا للبلاد”.
وتابعت “بي بي سي ” أن السياسيين المنتخبين في أعقاب الثورة ربما سعوا إلى تحسين الظروف الاقتصادية التي من خلال التحرك في اتجاه مضاد للأصول المدنية للجيش وفرض إشراف على ذلك، لكن في مارس 2012، أعلن الجنرال محمود ناصر، عضو المجلس العسكري والمسؤول عن الشؤون المالية، تحذيرا علنيا جاء فيه “هذا جهدنا وسنكافح من أجله، ولن نسمح لكأئن من كان أن يقترب من مشروعات القوات المسلحة.”
وأضاف “عمر عاشور” على الرغم من سلطته، كان المجلس حساسا جدا لعوامل معينة، من بينها الضغط من جانب الولايات المتحدة المتمثل في عناصر التسليح والتدريب والتجهيز والتمول.
والعامل الآخر هو الحشد في الشارع، فأغلب القرارات المؤيدة للديمقراطية التي اتخذها المجلس جاءت نتيجة ضغوط حاشدة من المتظاهرين في الشارع، وكان من بين هذه الضغوط الإطاحة بحسني مبارك ومحاكمته ومحاكمة شخصيات أخرى في النظام الحاكم وتحديد موعد للانتخابات الرئاسية وهو يونيو 2012 بدلا من يونيو 2013.
ولفت عاشور إلى أن العامل الثالث الذي أثر على صناعة القرار داخل المجلس هو الحفاظ على التماسك الداخلي للجيش مضيفا “قال لي ضابط سابق مشهد تظاهر ضباط يرتدون الزي العسكري في ميدان التحرير والتحدث إلى قناة الجزيرة مشهد أقلق المشير محمد حسين طنطاوي وزير الدفاع السابق”.
وكان أحد سبل الحفاظ على التماسك الداخلي للجيش هو خلق “فزاعات” – مثل الدرس المستفاد من “الحروب القذرة” في الجزائر في تسعينيات القرن الماضي والأرجنتين في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.
وبدأت عمليات شيطنة ممنهجة للمجموعات الثورية المعادية للمجلس العسكري، وتصاعد العنف الذي أعقب شهري نوفمبر و ديسمبر لخدمة نفس الغرض وبعد انقلاب 3 يوليو اتجهت الفزاعات “الجديدة القديمة” تجاه الإخوان المسلمين والاسلاميين وشيطنة هذه التيارات.
وقال عاشور أنه تم اتخاذ خطوة أخرى بهدف إحداث توازن في العلاقات المدنية العسكرية في أعقاب انتخاب الرئيس مرسي عام 2012 حيث لم يكن مرسي قادرا على تجميد الإعلان الدستوري الذي أصدره المجلس العسكري في يونيو 2012، ولكنه كان قادرا على تطهير المجلس العسكري من الجنرالات الذين أصدروا هذا الإعلان المشير محمد حسين طنطاوي، ونائبه الجنرال سامي عنان، لكن كان هناك ثمن ليدفعه مرسي مقابل مثل هذه الخطوات بحسب خبير الشرق الأوسط.
 
ويتابع عشور في دستور 2012، الذي وافق عليه 63 % من المصريين كانت العلاقات المدنية العسكرية بعيدة تماما عن التوازن، ليس فقط في أن من يتولى منصب وزير الدفاع يجب أن يكون عسكريا (المادة 195)، ولكن أيضا يجب أن تكون لمجلس الدفاع الوطني أغلبية من القادة العسكريين (المادة 197).
وهذا يقدم للجيش وبشكل فعال الحق في الاعتراض على أي أمور تتعلق بالأمن القومي أو الشؤون ذات الحساسية في السياسة الخارجية.
وقال اللواء ممدوح شاهين، ممثل القوات المسلحة في الجمعية التأسيسية للدستور: “إذا أضفت واحدا منكم، فسوف أضيف واحد منا،” وذلك في رده على القيادي الإخواني محمد البلتاجي المطلوب حاليا.
وكان الأخير قد اقترح إضافة مدني آخر في مجلس الدفاع الوطني، وهو رئيس لجنة الموازنة في البرلمان، لكن اقتراحه رفض، وكان كل ذلك يذاع عبر الكاميرات.
انقلاب يوليو: من 2013 إلى 1954؟
ربما يقود إنقلاب يوليو 2013 مصر إلى العديد من السناريوهات السيئة، وهي ليست سناريوهات مؤكدة، ولكن مستقبل الديمقراطية في مصر في خطر بالتأكيد.
فحينما يتم حل المؤسسات المنتخبة عن طريق القوة العسكرية، فإن نماذج الماضي تظهر أن النتيجة ستكون في الغالب غير جيدة على الإطلاق بالنسبة للديمقراطية: “ومن تلك النماذج” ديكتاتورية عسكرية كاملة، أو سيطرة عسكرية على السياسة بوجه مدني، أو حرب أهلية، أو عدم استقرار مدني، أو خليط من كل ما سبق.
ومن بين تلك النماذج القليلة أسبانيا في عام 1936، وإيران عام 1953، وتشيلي عام 1973، وتركيا عام 1980، والسودان عام 1989، والجزائر عام 1992.
ويعد انقلاب يوليو خطوة للخلف في العلاقات الديمقراطية المدنية العسكرية، كما أن ما يثير مزيدا من القلق هو الآثار الإقليمية المترتبة عليه.
والرسالة التي بعث بها الانقلاب إلى ليبيا، وسوريا، واليمن، وما وراءها هي بشأن عسكرة السياسة: فالسلاح وحده هو الذي يضمن الحقوق السياسية، وليس الدستور، وليست المؤسسات الديمقراطية وبالتأكيد ليست الأصوات الانتخابية. 
وفي النهاية، ما يظل أكيدا هو أنه لا يوجد هناك انتقال ديمقراطي كامل بدون استهداف الانتهاكات، والقضاء على التعذيب، وانهاء الإقصاء، وإلغاء حصانة الأجهزة الأمنية، مع وجود سيطرة مدنية فعالة وهادفة على كل من القوات المسلحة والمؤسسة الأمنية، وسيكون هذا دائما هو الاختبار النهائي للانتقال الديمقراطي في مصر.

 

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: