تجربة العدالة والتنمية ،لماذا نجحوا وفشلنا

لقد كُتِبَ الكثير عن تجربة العدالة والتنمية في تركيا ولكن في رأي لم يقع الإستفادت من هذه الجربة على مستوى معرفي و تربوي و أكاديمي من خلال دراسة هذه التجربة من داخل الحزب نفسه حتى نفهم أسباب هذا النجاح رغم المؤامرات و المكائد من الداخل و الخارج ! لقد كُتٍِبَ و نوقش إنجاز و نجاح حزب العدالة و التنمية التركي وكأنها تجربة غريبة عن دائرة المحاولات الإسلامية ، وهي في حقيقة الأمر جزءا من هذا المشروع.

و هنا يطرح سؤال نفسه : لماذا نجحوا هم و فشلنا نحن ؟ حسب رأي يجب علينا تقييم تجربة العدالة والتنمية التركية من كل الجوانب ليس من الناحيتين السياسية والإقتصادية فقط ، بل لا بد من البحث و الدراسة داخل الحزب أي من دراسة مؤسساته وكيفية عملها ، وقياداته كيف تكونو وتربوا وقواعده كيف يقع إعدادهم وتأطيرهم، و علاقت القيادات بالقواعد و تأثير ذلك على المحيط والمجتمع و الجمهور مع كل تنوعاته و اختلافاته الثقافية والعرقية والدينية و الأيديولوجية….

حتى نفهم هذه الظاهرة الفريدة من نوعها داخل التجارب التي مر بها المشروع الإسلامي و إعادت التمكين منذ سقوط الخلافة العثمانية وإلى يوم الناس هذا . لأن نوعية الرجال والقادة الذين قاموا على إنجاح المشروع و لعبوا دورا أساسيا ومحوريا في ذلك، مثلما لعبت قواعد الحزب المتكونة أساسا من العمال والموظفين والطلبة والتلاميذ و التجار و الفلاحين دورا جبارا و محوريا و فعالا ورياديا في نجاح المشروع أولا و في حمايته و حماية مؤسساته و مقراته ثانيا وتوفير الدعم المادي له ثالثا. و كل هذا لا يمكن تحقيقه إلاّ إذا كانت التربية والتكوين على كل المستويات عقديا وفكريا وثقافيا واجتماعيا وسياسيا في الإتجاهين أولا أفقيا ثم بعد ذلك عموديا على مستوى عال من الجودة والإتقان !!! وذلك من خلال تربية وتكوين وصناعة قادة و رجال قاموا على هذا العمل و سيروه على منهج معين (منهج النبوة بالنسبة للحركات الإسلامية ) فأثمر في الأخير قواعد حاملة ومؤمنة بهذا المشروع على مستوى جيد جداً من التربية و التكوين والإنضباط مستعدة دوما لتضحية والعطاء في سبيل تحقيق الأهداف العامة للحزب (العدالة، التنمية، الحرية، الديمقراطية، تطبيق القوانين و الأحكام التي أمرنا الله بتحكيمها بين أفراد المجتمع مع اختلاف ديانتهم وثقافاتهم مثلما فعل الرسول في المدنة لما أقام أول دولة إسلامية في التاريخ) ، إذ لو كان هناك خلل أو إعوجاج في التربية أو سوء في التكوين لما إستطاعت هذه القيادات الإلتحام بالقواعد و تأدية دورهما في إنجاح هذه التجربة.

إن مشاريع الدولة سواءا كانت شيوعية أو لبرالية أو إسلامية تخذع لشروط نجاح معينة : و أهم هذه الشروط تكوين القادة والرجال الذين سوف يشرفون على مشروع البناء من خلال تكوين و تربية و تسيير القواعد والتخطيط لها والإشراف على تحقيق وتطبيق خطة الحزب الموضوعة للغرض ……! أما القاعدة فهي التي ستنفذ ذلك المشروع على الأرض من خلال الإتصال المباشر بالمجتمع والأفراد لتبليغ الفكرة و تبسيطها ، كما تقوم في نفس الوقت على حمايت هذا المشروع ورص الصفوف وحشد الجماهير عندما يتطلب الأمر ذلك، مثلا في المحطات الإنتخابية و الحفلات الشعبية و المناسبات الوطنية ، والمتأمل في تجربة النبي صلى الله عليه وسلم في تربيته وتكوينه للرجال والقادة الذين قاموا على مشروع الدولة الإسلامية ، يلاحظ أن كل التجارب الحديثة في العصر الحديث خاصة اليسارية قد إستفادة من هذه التجربة العظيمة و حاولت أن تطبقها خاصة في التربية والتكوين أثناء السرية ….!

لقد تحدث علماء كثر كالإمام الغزالي وابن كثير و الكافروي و……. عن مدرسة النبي صلى الله عليه وسلم لتكوين القادة والرجال و النشأ والشباب ….! ولكن لم يقع إفرادها ببحوث ودراسات خاصة يمكن الإستفادت منها خاصة من طرف الحركات الإسلامية…! وقد تفطن إلى أهمية هذه المدرسة العديد من السياسيين و الإسلاميين ، خاصة القادة : كالشيخ راشد الغنوشي والإمام حسن البنا وغيرهم ….. ولكن لمذا نجح طيب أردوقان بينما تعثروا هم ؟ ألأنه إستطاع أن يستفيد من المدرسة النوية الشريفة : فنجح في إختيار وتكوين الرجال و القادة، فنجح من خلالهم بعد ذلك في بناء وتكوين وتربية قاعدة ، “كقاعدة الأنصار في المدينة على يد أحد أهم الرجال الذين أعدهم النبي عليه الصلاة والسلام ليقوموا بهكذا عمل وهو سفيره إلى المدينة مصعب بن عمر!!! ” إستطاعت هذه القاعدة بعد ذلك أن تلتحم مع قيادتها فأصبحوا جسما وحدا متماسكا ومتراصا كالبنيان المرصوص، حمل في داخله كل مقومات النجاح والتفوق مثلما كان الأمر مع النبي محمد عليه أفضل الصلاة والسلام ! لقد إعتمد حزب العدالة والتنمية على التنظيم والإنظباط الجيد، وقادة يتعاملون مع القواعد بنجاح وقدرة كبيرة على الإقناع وحسن تصرف وعدل في إدارة الشأن الداخلي للحزب ، كما نجحت تلك القيادة في إزالة كل أسباب الخلاف ” فيما بينها” أولا وفي “ما بينها و بين القواعد ثانيا “. لقد فهم الزعيم الطيب أردوقان واقعه و محيطه الذي يعيش فيه واحترم سنن الكون و مشيئته في خلقه في طبائعهم و أخلاقهم خاصة التغيير، لأن الشعوب و المجتمعات تتغير مع الزمن في طبائعها و أخلاقياتها و تعاملاتها، و كذلك القادة الذين إختارهم ! فلقد حرروا أنفسهم من سجن الماضي وفقهه، فلعب المفكرين و المستشارين و المثقفين من أنصار المشروع الإسلامي و قيادات الحزب دورا هاما في تهذيب و تطوير وتوجيه الحزب إلى الإتجاه الصحيح، فتطور فقه المعاملات و الأوليات و فقه الواقع لديه ولدى قيادات و قواعد الحزب مما سهل على الحزب كثيراً أن يدخل كل البيوت و المقاهي و الإدارات ليجتاح بعد ذلك أغلب قلوب الشعب التركي الذي وقف لحماية العدالة والتنمية رغم كل المؤامرات والدسائس …..؟ و هذا يحتاج منا الدرس والتحليل حتى نفهم هذه التجربة المفرحة و نكررها في العصر الحديث لعل الله يفتح على أيدينا، و يمكن لهذا الدين من جديد ويعيد لهذه الأمة كرامتها ومكانتها بين الأمم ……!

لقد تعرض الدكتور علي بن محمد الصلابي في كتابه السيرة النبوية إلى مدرسة النبي محمد لتكون القادة والرجال، لمن يريد أن يطلع عل تجربة النبي بطريقة علمية يمكنه ذلك من خلال هذا الكتاب إن أصبت فمن عند الله وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان اللهم إغفر لي وللمؤمنين أجمعين ما تقدم وما تأخر من ذنوبنا .

– عبدالرحمان الهاشمي –

ميونخ في : 03/04/2014

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: