10858620_636932319767872_3970142466467398838_n

تدجين الـثّـورة على أرخبيل الـثّـروة.. مقال/ الكاتب سامي باللّعج

تدجين الـثّـورة على أرخبيل الـثّـروة.. مقال/ الكاتب سامي باللّعج

ما بال القشلة الهولاميّة الّتي تجرّدت لجزيرة الأحلام ، قد صارت أداة مطواعة في أيادي كبرى شركات التّنقيب على ثرواتنا المنهوبة ؟ و ما بال حكومتنا المنبثقة عن ثقتنا الإقتراعيّة قد أضحت فقاعات طفوليّة أمام أفواه القوى العالميّة النّفطيّة الشّافطة لسيادتنا الوطنيّة ؟

كانت الوعود قد قطعت إلى شباب الجزيرة الحالمين ، من قبل “باتروفاك” : ذاك التنّين المراوغ لـتطلّعات أصحاب الشّهائد المساكين ، و كانت حكومة معتولة من حمار وطنيّ شاهدة على وعد الزّور المنقوع في المطاولة و المبرّأ ، حينها ، من المقاومة ! فـتـهـيّـأ لأهالي “قرقنة” تنعّمهم بإنصاف محتشم لكلّ الّذين أفنوا شبابهم من أجل تحصيل العلم و نوال شهائد جامعيّة ظاهرها رفاء و نعمة و باطنها توجّس و ترقّب طويل محكوم بالنّسيان ! لكنّ مخاتلات سليلة المصادرات السّياديّة ، أبت إلاّ أن تفرقع هدوء ملجأ “حنّبعل”،بالحنث في كلّ الوعود الّتي قدّمتها زمن الإستكانة الأمميّة أمام هبّة تونسيّة غابرة ! و عوضا أن تعضّ الحكومة اللاّحقة لتلكم السّابقة ، بالنّواجذ ، على مكتسبات جيل ترائى له التنعّم بريع ثورة موهومة ، إذا بنا نتفاجأ في خزي المخدوع بالتحام العربة الّتي فوّضناها بالإنتخاب ، مع قاطرة الجرّ العالميّة ، و ذلك عبر سكك الحديد الموصلة مباشرة إلى مصالح الشّركات النّفطيّة المتنفّذة كمحطّات قارّة تستلب إرادتنا الوطنيّة و سيادتنا المدنيّة .

و كم بدا الإنزال المبيّت في الأرخبيل العائم على الثّروات ، مستجيبا لكلّ تلك الإملاءات الّتي اتّخذت شكل إقامة عامّة جديدة خلناها قد اندحرت من بعد تسويقات حالمة باستقلال أوهى من بيت العنكبوت ! و كم سقط في أيدي كلّ العاشقين لكرامة تونسيّة منشودة ! صعقنا لمّا نفذ أراكنة الأمم بين ظفر الحكم و لحم الشّعب التّونسيّ ، و كانت دهشتنا أشبه بالإغماءة المتعمّدة الّتي يتحرّاها أيّ جسم يجد ذاته مهدّدة بالإنقراض ، لذلك التزمت جلّ الأطراف الغيورة والمتابعة لهذا التّدهور الشّنيع ، الصّمت المؤقّت ، من أجل استجماع البقيّة الباقية من أنفاس المقاومة المشروعة و النّضال السّلميّ المحتوم. لكن و للأسف الشّديد كان رعاة المهزلة بأرخبيل الأحلام المصادرة قد فهموا على وجه الخطأ هذه الهدنة السّامقة في الحسّ الحضاريّ و ظنّوا أنّ انصهارهم الكلّيّ مع “باتروفاك” سيمكّنهم من صيد سمين و سيخوّل لهم التحوّز على حصصهم المعتادة من مغارات “ملّيتة القديمة ” الّتي تطفح نفطا و غازات و أشياء أخرى ..

و ما أشبه اتّفاقيّات الأمس “النّوفمبريّ” مع الرّموز العالميّة للإستغلال النّفطيّ في بلادنا التّونسيّة ، بنفس المعاهدات الحاليّة ..و ما أشدّ تماهي الأولى مع الأخيرة ، من حيث زخم الوساطات المعلومة و رهـق المناولات المذمومة ! و خلال هذه الصّفقات المشبوهة و التّائهة عن خزينتنا العامّة ، و لكنّها العارفة بالمسالك المؤدّية إلى جيوب أصحاب السّعادات و أرصدة السّاهرين على مصالح الشّركات النّفطيّة – يتيه الوعي التّونسيّ المكدود بين تهديد مثيلات “باتروفاك” بالجلاء الفوريّ و الوعيد المعهود لحكومة ما انفكّت تتخبّط في وحل الممارسات العتيقة لسابقاتها العريقة ! لكنّ السّؤال المفصليّ يبقى ناخسا لإدراكنا التّونسيّ الجماعيّ : فما سبب امتناع “باتروفاك” عن الإلتزام بتهديداتها المتكرّرة في الهروب من أرخبيل الأحلام الضّائعة ؟ إن لم يكن إدراك ضمنيّ و مسبق بالطّاقات الكامنة في هذه الجزيرة ! أفلم يكن الأجدر بهذه الشّركة البتروليّة العملاقة أن تلتزم بشروط تسويفاتها لأهالي “قرقنة” ، عوضا عن استئجار ترسانتنا الأمنيّة الجمهوريّة لتضرب بها طموحات شباب أكدّته المظالم و عطّلته البطالة النّاخرة لطموحاتهم كسوس نخل منقعر ؟ أليس الأولى أن ثوجّه “باتروفاك” المصاريف الجمّة المخصّصة للقوّات المتدخلّة ، إلى جيوب شباب “قرقنة” المفلسة ؟ ناهيك عن اضطلاع هذه الشّركة البريطانيّة بنفقات إقامة هذه القوّات في نزل الجزيرة الشّاغرة و ما يترتّب عنها من التزامات جمّة بالإطعام الفاخر و بالشّحن المسترسل للجوّلاات و الهواتف النقّالة ، و ما عداها من تمويلات غير محدودة بالوقود و غيرها من مستلزمات تقنيّة لإخماد الهبّات الجماهيريّة ؟ لكنّ “باتروفاك” و هي إحدى أوجه مصادرة سيادتنا الوطنيّة و عوضا عن صرف هذه المقدرات الماليّة المهولة في مجالاتها المستحقّة لفائدة الّذين قطعت لهم العهود و أعطيت لهم المواثيق من أبناء “قرقنة” المهمّشين ، نراها تقحم انتصابها الإستعماريّ المقنّع داخل بوتقة الأزمة المفتعلة بين حاكم مسلوب الإرادة و محكوم منزوع الكرامة ! فهذه الشّركة المهجّنة بفعل اتّفاقيّات منظومة مخلوعة بهبّة شعبيّة عارمة ، و أخرى مودوعة للإلتزام بالأمر الواقع ، لا تكتفي بإخلاف الوعد جهارا ، بل إنّها تتسبّب في أزمة نوعيّة بين أطراف البلد الواحد ، و قد تأتي هذه البلابل على مابقي من الأخضر من شبح الرّبيع الهارب من أمام خريف تونس الجاثم على قلوب الكلّ بسحنته الهمجيّة القمعيّة و الموحية بتلكم الملامح الإستبداديّة الّتي خلنا انقبارها ذات فرار مشهود لــذنب أفعى ، لا زال رأسها يجول و يصول خلال ردهات وقتنا التّونسيّ المتعب.

سامي بللّعج

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: