ترانسفير الموتى أو جبّانة المنبوذين … بقلم سامي براهم

ترانسفير الموتى

 أو جبّانة المنبوذين

سامي براهم 

دعا الصّحفي زياد الهاني بصفته مستشارا على إحدى القنوات الفضائيّة إلى عدم إقامة صلاة الجنازة على المتورّطين في عمليّات الإرهاب و عدم دفنهم في مقابر المسلمين و اعتبر في تعليق له على صفحته في الشّبكة الاجتماعيّة تعقيبا على تصريحه في القناة الذي أثار جدلا أنّ  ( منع دفنهم   في مقابرنا والامتناع عن أداء صلاة الجنازة عليهم، رسالة قوية لهم ولوالديهم عسى يعود لهم رشدهم ” و ذلك قياسا على الفتوى المتعلّقة بالمتجنسين أيّام الاستعمار الفرنسي … ويقتضي هذا المنطق استتباعا أن يضاف لهذه المقبرة العنصريّة العازلة كلّ الذين أجرموا في حقّ الشعب التونسي فقتلوا و نهبوا و عذّبوا و اغتصبوا و وشوا وتآمروا … ستكون أكبر مقبرة في التاريخ … و سيكون أغرب ترانسفير نازي للموتى بعد وفاتهم … لا يهُمّ الشّاةَ سلخُها بعد ذبحها و لن يلحق الموتى شيء من جرّاء طريقة دفنهم و المكان المخصّص لهم لكن معاقبة الموتى بهذا الشّكل و نفيهم خارج مقابر المدينة هي معاقبة جماعيّة قاسية و ظالمة لذويهم من الأحياء عبر سياسة العزل و الوصم الاجتماعي التي ستنقلهم من وضع المواطنة إلى وضع المواطنة من درجة ثانية … وضعيّة دونيّة سيكون لها استتباعاتها الخطيرة في عزل فئة من المجتمع من خلال وصمهم بأهل الارهابيين و ذويهم تبعا عن تابع … و ربّما استتبع عزل الاموات و إجلاؤهم عن مقابر المسلمين  عزلا للأحياء من خلال إجلائهم من المدينة  إجلاء ماديّا مباشرا أي رفض سكنهم داخل المدينة أو إجلاء معنويا من خلال المعاملات الاجتماعيّة الإقصائيّة و العقابيّة التي تكرّس تدريجيّا فئة المنبوذين اجتماعيّا… و ليس بعيدا عن ذلك نموذج الحركيين  في السياق الجزائري إبان الاستعمار الفرنسي ” و الحركيون هم من انخرطوا في الجيش الاستعماري و قاتلوا ابناء وطنهم ”  و هو مشكل لا يزال متواصلا إلى اليوم  من خلال المعاقبة الجماعيّة لأبنائهم و أحفادهم و منعهم من زيارة الجزائر على أجيال متلاحقة … و نظرا لاختلاف السياقات بين الخيانة بالتجنيس أو بالنزعة الحركية … من الضروري مناقشة هذه الدّعوة الشاذّة لعدم دفن تونسيين في المقابر المدنيّة لارتكابهم جرائم مصنّفة ضمن قانون الارهاب المثير للجدل حقوقيا و قانونيا و سياسيّا … و طالما أنّ الإجراءات المتعلّقة بالوفاة و الجنازة و الدّفن مسألة مدنيّة ينظمها القانون المدني و لكنّها كذلك تتقاطع مع الاعتبارات الدّينيّة و الاخرويّة التي تنتظم ضمن الاحكام الفقهيّة و الكلاميّة ” نسبة إلى علم الكلام ” …

 و جواز دفن فئات من النّاس في مقابر المسلمين مسألة تناولها الفقهاء في سياقات مخصوصة تبدو استعادتها اليوم إعادة انتاج لمنظومة معياريّة وسيطة متقادمة تميّز بين الموتى من حيث الحقّ في التمتّع بالدّفن في مقابر المسلمين حيث يتمّ إقصاء فئات من المجتمع من هذا الحقّ باعتبار ما يمكن أن يصدر عنهم من أقوال و أفعال تصنّف ضمن دائرة الكفر … و لكن حتّى هذه المنظومة الوسيطة كانت أرحم بالخارجين عليها من أهل البغي و الحرابة حيث يقتلون حدّا لا كفرا و يدفنون في مقابر المسلمين …

 فالارهابيون ” الذين قاموا بأعمال تصنّف ضمن جرائم الارهاب حسب التكييف القانوني لقانون الإرهاب ” هم تبعا للتصوّر الفقهي الوسيط بغاة ( أهل بغي ) وليسوا كافرين و قياسهم على المتجنسين قياس مسقط … فوراء المتجنسين قوى استعماريّة غاصبة تريد اختراق النسيج الاجتماعي و فرض الهيمنة والالحاق و تدمير الهويّة الوطنيّة و مشكل التّجنيس سياسيّ في سياق المقاومة الوطنيّة ومعركة التّحرير ضدّ الاستعمار لذلك اضطربت فتاوى الفقهاء بين المرجعيتين والسجلين و الخلفيتين … و وراء الارهابيين جهل و تعصّب واستلاب فكري وهشاشة في الشخصيّة الأساسيّة و التكوين المعرفي و قابليّة للاستقطاب … ووراء ذلك كلّه فشل مناويل التنمية و التربية و التعليم و الثقافة و نمط الحكم و استقالة للنخب المعزولة عن الحراك المجتمعي المستقيلة عن واجب التنوير و التثقيف … وفشل في تحصين الشباب معرفيّا و عقائديّا وذهنيّا و نفسيّا و توفير المناعة و الحسّ النقدي لهم…

إنّ دعاوي العزل و الإقصاء و النبذ لن تساهم إلا في تغذية الإرهاب و توفير الشّروط الموضوعيّة لانتعاشه و تقويته خاصّة و أنّ كلّ جرائم الارهاب لم تمرّ بعد بمسار التّقاضي و الحقيقة لتبيّن من هي الجهات التي تقف وراء العمليات الارهابيّة …

إنّ هذه الدّعوات المتهافتة لبعض الإعلاميين الذين فتحت أمامهم منابر الإعلام بصفة مستشارين و خبراء و محلّلين و مختصّين تبيّن حجم الارتجال و الفوضى الذي يعاني منه الخطاب الاعلامي الذي انحرف عن رسالته الإعلاميّة ذات المعايير و الضوابط المهنيّة التي أصبحت محلّ اتفاق على مستوى دولي …

إنّ الدّعوة على وسيلة إعلام فضائيّ ذات نسبة مشاهدة مهمّة لإحداث مقابر تمييز بين الموتى هي خطوة خطيرة تهدف لتقسيم المواطنين و تمزيق النسيج الاجتماعي كما تزيد في عزلة هذا الإعلام و شيطنته من طرف العديد من المواطنين 

و عوض أن ندفن رؤوسنا في الرّمل و ندعو لإحداث مقابر جماعيّة عازلة لدفن الإرهابيين قصد إحداث رجّة الوعي كما يتوهّم صاحب الدّعوة  فلنؤسس مقبرة لوأد الفتن و الأحقاد و التعصّب و الأنانيّة و النفعيّة و خطاب الدعوة للتباغض و الكره بين المواطنين … و لنحم مجتمعنا من الاختراقات الفكريّة و الانحرافات السّلوكيّة و التشوّهات النفسيّة … من أجل بناء مجتمع التحاور و التعايش والتّعارف و القانون الفيصل بين الجميع … هكذا نقضي على الإرهاب و نعطّل الشّروط التي تنتجه.

 

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: