تركيا : من نجم الدين أربكان إلى رجب الطيب أردوغان بقلم : محمد ضيف الله

تركيا : من نجم الدين أربكان إلى رجب الطيب أردوغان
.
بقلم : محمد ضيف الله
.
لقد تحولت تركيا إلى حالة من التغريب وطمس كبير لمعالم الدين الإسلامي بعد انهيار الدولة العثمانية وقد بلغ الأمر أشده مع مصطفى كمال أتاتورك الذي تولدت لديه حساسية مفرطة تجاه الاسلام والإسلاميين حيث حذف كافة النصوص الدينية من الدستور التي تنص على أن الإسلام هو دين الدولة ونزع كلمة الله من اليمين الجمهوري.
.
وبقيت تركيا في علمانيتها تمنع الإسلام السياسي إلى أن جاء في عام 1970 زعيم الإسلام السياسي في تركيا نجم الدين أربكان وأسس حركة الرأي الوطني كأول تنظيم سياسي ذي هوية إسلامية تعرفه الدولة التركية الحديثة منذ زوال الخلافة عام 1924، وقد لقي رفضا وعزلا وحكما بحل هذا الحزب على اثر احداث 1971 العنيفة في تركيا، فأسس بعدها حزب السلامة الوطني عام 1972 الذي تمكن من خلاله في مرحلة أولى من الدخول في ائتلاف حكومي مع حزب الشعب الجمهوري العلماني ليكتسب من خلال ذلك الإعتراف ويحقق بعض المكاسب الهامة كالانفتاح على القضية الفلسطينية والانتصار لها ومنع الماسونية واحتفالاتها في تركيا.
.
تلك المكتسبات لزعيم الاسلام السياسي أربكت العلمانيين فقاموا بانقلاب عسكري بقيادة جنرال يدعى كنعان ايفرين في 1980 تلته عمليات اجتثاث وتعذيب وقتل وتهجير ونفي لأعداد كبيرة من أنصار الاسلام السياسي.
.
واصل نجم الدين أربكان رحلته ومعركته، حيث كلما حلوا حزبا يؤسس آخر إلى أن تمكن من الوصول إلى الحكم عام 1996 تحت راية “حزب الرفاه” بعد أن فاز بالأغلبية في انتخابات مكنته من أن يترأس حكومة ائتلافية مع حزب “الطريق القويم”، لكن وقع عليه انقلاب جديد سنة 1997 وابعد عن رئاسة الوزراء واقر المنقلبون قرارات عديدة معادية للإسلام نذكر منها منع الحجاب في الجامعات وغلق المدارس القرآنية وفصل الضباط الملتزمين دينيا وتم حل حزبه “الرفاه”، ومنع من ممارسة السياسة، لكنه لم يستسلم وأسس حزب الفضيلة الاسلامي وأشرف عليه سرا وقد كان فيه وقتها رجب طيب أردوغان والذي كان عمدة لمدينة “اسطنبول” وقد تم الحكم على هذا العمدة بالسجن بسبب قصيدة ذات نفس اسلامي كان القاها وقتئذ -وللإشارة فقد القاها أردوغان ماخرا امام حشود كبيرة من انصاره-. تم بعد ذلك ايضا تتبع هذا الحزب رحلته فانقسم إلى شقين شق اجتمع في حزب العدالة والتنمية واغلب هؤلاء من الجيل الجديد وكان من بينهم أردوغان وعبد الله غول ومجموعة أخرى التفوا في حزب السعادة واغلبهم من الجيل القديم.
.
في 2002 دخل العدالة والتنمية في الحكم كشريك وتقدمت السنوات وتركز في المشهد التركي وفاز برئاسة الجمهورية في 2007 ثم فاز بالأغلبية سنة 2011 وتوسعت انجازاته وازدادت شعبيته وتوسع انفتاحه على العالم خاصة بعد اعتراف الجميع بالدور الذي لعبه في التقدم بتركيا اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا.
.
آخر انتخابات تركية: الانتخابات التركية الأولى والثانية المبكرة وردود الأفعال:
الانتخابات الأولى وشماتة الأعداء:
.
خسر حزب “العدالة والتنمية” في الانتخابات الاولى التي جرت في 7 جوان 2015 الأغلبية البرلمانية ولم يتمكن من نسبة تخول له تشكيل الحكومة منفردا وقد توجه الى الاحزاب الاخرى فاتحا ذراعيه للائتلاف لكنه لم يجد الترحاب رغم عديد المحاولات والجلسات مما اضطر الاتراك الى خوض غمار انتخابات مبكرة.
.
وقد اعتبر اعداء العدالة والتنمية وزعيمه أردوغان تلك النتائج ضربة للعدالة والتنمية وصفعة كبيرة وعقابا من الاتراك له، وعبر هؤلاء الشامتون عن سعادتهم واحتفى الاعلام المصري المطبل المسبح باسم الانقلاب وانتشى واعتبره نهاية لأردوغان الذي ينعتونه بالسلطان الدكتاتور وداعم الإرهاب.
.
كذلك الامر بالنسبة لحكام الامارات وأصحاب النفس القومي واليساري في مختلف البلدان العربية كالذي عندنا في تونس والذين أقاموا الأفراح والسهرات على نخب تلك الهزيمة وحللوا وناقشوا وتنبؤوا بغرائزهم لا بعقولهم.
.
وحلم هؤلاء بأن الانتخابات المبكرة ستكون الضربة التي ستقصم ظهر أردوغان وحزبه ولن يكون لهم فيها شأن، لكن جرت الرياح بما لم تشته غرائز هؤلاء العدائيين الحاقدين، وفاز حزب العدالة والتنمية رغم حملات التشويه ورغم الرشاوي والأموال المشبوهة التي ضختها مصر والامارات والصهاينة للمعارضة التركية، واختار الشعب التركي حزب داوود أوغلوا وأردوغان من جديد.
.
الانتخابات الثانية المبكرة:
.
اكتسح العدالة والتنمية الانتخابات التركية وفاز بأغلبية مكنته من تشكيل حكومة بمفرده وقد صدم هذا الفوز المتحسسين من حزب أردوغان والذي اصطفت فيه الإمارات العربية إلى جانب مصر والنظام السوري ومؤيديه، وإسرائيل، وحزب الله اللبناني دون ان نغفل ما عندنا في تونس من يساريين وقوميين وعلمانيين.
.
صدمة الاعلام الشامت في العدالة والتنمية:
.
على عكس الانتخابات الاولى التي احتفى بها الاعلام بسياسييه ومحلليه وخبرائه الذين يأتي بهم انتقاء، وكانوا في قمة الانتشاء والزهو فقد صدموا هذه المرة، فقد فاز أردوغان “رافع شعار رابعة” الذي يمثل لهم عقدة نفسية وتصدر المشهد التركي بحزبه الذي يكرهون.
.
تجاهلت الصحافة المصرية والتونسية والإمارتية والسورية نتائج الانتخابات التركية وكأنها لم تسمع بها أصلا في بادئ الأمر واثثت منابرها بمواضيع أخرى في خطة مكشوفة تهدف الى الهاء الراي العام، فالصحافة المصرية مثلا ركزت اهتمامها كليا على خطاب “السيسي”. لكن أمام فرض الحدث نفسه على الاعلام العالمي اضطروا للخوض فيه فأمعنوا في التشويه، والتشكيك في فوز العدالة والتنمية وشددوا على وجود “تزوير” في العملية الانتخابية.
وظهر في الاعلام والسياسة والتحليل وخبراء وركبوا موجة من السفسطة المضحكة التي زادت في تعريتهم وفي يأس الناس منهم.
.
فمثلا الامارات العربية والتي تتزعم الانقلابات وتدعمها وتعض عليها “بالدولار” والتي يعلم الجميع دورها في مصر وسعييها في تونس -فقد اعترف السبسي بأنهم طلبوا منه سيناريو مصر في تونس- وأيضا سعيها الذي فشل في ليبيا مع اللواء المتقاعد “خليفة حفتر”.
.
هذه الدويلة شملتها الصدمة وتشاءمت من هذا الفوز والنجاح لحزب العدالة والتنمية، فهو عندها ذراع للإخوان المسلمين ومشروع من مشاريع الإسلام السياسي الذي تهاجمه ليلا نهارا وتتآمر عليه. ونذكر منهم المدعو ضاحي خلفان الذي اعتبر هذا الفوز كارثة على العرب بما أن أردوغان هو عامل من عوامل الإخلال بالأمن القومي العربي..

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: