rrr

تركيا وروسيا ومستقبل الشرق الإسلامي.. مقال مهنى الحبيل: مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول

تركيا وروسيا ومستقبل الشرق الإسلامي.. مقال مهنى الحبيل: مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول

لم يكن التصعيد الإعلامي الروسي على دول التحالف الداعم للثورة السورية مرتبطا بإسقاط المقاتلة الروسية التي كانت في مهمة قتالية علنية، سحقت فيها عددا من التركمان السوريين، بعد أن أبادت وجرحت آلافا من أشقائهم العرب السوريين، واخترقت خلال العملية الحدود التركية أكثر من مرة، كما أظهرت أجهزة الرصد المحايدة.

فتبني البرافدا الصحيفة الروسية العريقة في العهد السوفياتي الشيوعي -التي عادت بقوة في العهد القيصري للرئيس بوتين- أهمية استهدافالرياض وأنقرة والدوحة، في المخطط الدولي لمواجهة الإرهاب، كان له خط متصاعد سابق في أروقة السياسة والإعلام الروسي، حتى مع الزيارات المتبادلة واستمرارها.

وسواء اتجهت الأزمة للاحتواء أو التصعيد، لن تترك موسكو الانتقام والرد غير المعلن، ومنه قصف قوافل الإغاثة داخل سوريا عبر الطيران الروسي وتدميرها وقتل طواقمها، مع حريق هائل في طريق إعزاز السورية.

ولم يجهل الأتراك هذا السيناريو، لكن ما بعد صفعة بوتين التي أغاظته كثيرا، فإن التسوية السياسية المرحلية هي مطلب ظرفي في مرحلة حسّاسة من الصراع الخطير الذي بدأ يبرز إستراتيجيا مع موسكو في سوريا ومجمل الشرق الإسلامي.

وقديما كانت حرب الإمام شامل الداغستاني الذي قاد مقاومة شرعية وطنية بكل المعايير العالمية والإنسانية ضد روسيا القيصرية، هي إحدى أهم المحاولات الكبرى لإعاقة التوسع والتوحش الروسي، ولكن أحبطت مقاومته من خلال تسويات دولية وحصار.

وتحول هذا الاحتلال للقوقاز، بعد الثورة البلشفية وقبلها، إلى عمليات إبادة نازية غير مسبوقة، هجّرت المسلمين التتر والقوقازيين من أراضيهم إلى سيبيريا، ليستشهد مئات الآلاف منهم، لتحقيق أطماع الروس بالتصفية الديمغرافية للمناطق المحتلة.

فتاريخ الأطماع الروسية قديم، لكن العهد السوفياتي الأخير، ونشر رقعة المد الشيوعي الذي يُخفي تحته أطماعا اقتصادية وسياسية، والذي اختتم بتورط موسكو في حرب غزو أفغانستان، عاصر أكثر من مدرسة، أبرزها البيريسترويكا للرئيس غورباتشوف، والتي ضَمِنت تفكيك الاتحاد السوفياتي والقبول بقواعد لعبة جديدة، سمحت لروسيا الاتحادية بالبقاء كدولة مركزية مؤثرة، وهو ما كان ذكاء من غورباتشوف، لكن البيريسترويكا الهادئة يتم اليوم استبدالها بالبوتينية الهائجة.

فالأهم من إسقاط الطائرة، كان حجم ما كشفت عنه العملية، من توجه مركزي لنظام الرئيس بوتين للتورط الواسع في سوريا، وتحقيق مناطق تصفية ديمغرافية لمصلحة النظام، كما أن القصف الشرس على مناطق الجيش السوري الحر والمدنيين في مناطق الثورة، يُظهر هنا حدود هذا المخطط، وقد جاء متزامنا مع زيارة تاريخية لبوتين لطهران، أكدت على اندماج المحور الروسي الإيراني.

واستفادت موسكو من تفجيرات باريس وتحول الموقف الفرنسي ليتحدّ مع بقية أوروبا في دعم بقاء الأسد كأولوية، والثورة بذاتها مرفوضة من المجتمع الدولي الجديد، إذا كانت ستُلغي استبداد الأقليات الذي يخدم تل أبيب.

وقد يكون هناك خلاف في التفاصيل، كما في الفَرق في التعبير عن هذا الهدف، عبر التأكيد على أن داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) هي الأولية، وليس النظام، والجميع يعرف أن النظام هو من خلق بيئة داعش، كما خلقت أميركا بيئتها في العراق، وإن وُجدت ترسانة غلو مذهبي سهلت زراعتها في الوسط السني.

والأخطر من ذلك، أن المشروع الروسي الذي يتقدم بتفويض من الغرب، وشراكة مع إيران، تُظهر تصريحات باحثيه الكبار وتلميحات مسؤوليه تصورا أبعد للشراكة مع إيران، حيث تسعى البوتينية من جديد لوجود مختلف في الخليج عبر هذا التحالف، وأخطره التلاعب بملف الأقليات المذهبية وتعزيز التوتر معها من جديد.

لقد أدى التأخر في تنفيذ المنطقة الآمنة للشعب السوري، ومنع تعزيز المعارضة بأسلحة نوعية مضادة للطائرات، إثر التهديد الأميركي لحلفاء الثورة، إلى تفاقم الوضع بصورة كبيرة، والتأخر ثانية سيجعل كلفة المعالجة أكبر بكثير، وتتجاوز سوريا واليمن.

ولذلك فإن وقف حسابات المحاور الغربية سواء موسكو وحليفها الإقليمي، أو واشنطن وحلفاؤها الغربيون وتل أبيب، يستدعي مباشرة سريعة للأولويات الثلاث: المنطقة الآمنة، والتسليح النوعي، وإعلان المشروع السياسي الانتقالي في مؤتمر الرياض القادم للمعارضة.

يستدعي الأمر بالضرورة نقل التحالف التركي السعودي من الموقف السياسي إلى غرفة العمليات الإستراتيجية العليا، وتفعيل خطوطها، ولن تستطيع البوتينية الجامحة هزيمة الثوار حين يُرتب هذا الدعم، لكن من المهم أيضا عدم إعطائها فرصة لزيادة المذابح فوق مذابحها ومذابح طغاة إيران وأسدها الحقير.

كل هذا لا يعني عدم حاجة أنقرة الضرورية للعمل على تحييد هذا الجموح الروسي، فهذه خطة طوارئ لا يُتعاطى معها بالعاطفة ولا الاحتفالات الشعبية، ولكن بحسن إدارة المواجهة، وتفكيك توترها، ثم هناك مساحة كبيرة لمواجهة غطرسة موسكو ببرامج مختلفة، فتركيا اليوم تحت حصار شرس ولا يوجد ظهير صلب، وموقف الناتو لا يمكن الاعتماد عليه، كما أن رسائل الغرب جاءت مواربة هشة.

ولدى حزب العدالة والتنمية ترسانة من صناعة تفكيك الأزمات، وهو يباشرها الآن مع ملاحظة أن الديمقراطية في تركيا التي ثبت رهانها في الفاتح من نوفمبر/تشرين الثاني لم تصل إلى مستوى الالتزام الوطني الدفاعي والأمني في بعض أوساط المعارضة، حين تدهم الدولة تحديات كبيرة كأزمة بوتين، وهو ما يعزز ضرورة تحويل هذا الهجوم الروسي عن مساره دون تقديم تنازلات مبدئية له.

كما أن أي انسحاب من دعم الميدان السوري سيضر كثيرا ليس بالشعب السوري فحسب، بل بواقع الأمن القومي لدول الشرق الكبرى، وخاصة السعودية وتركيا، وتضامنهما اليوم هو في ذاته قاعدة أمن قومي، على أساس توزيع المسؤوليات بينهما في ملفي سوريا واليمن، فتتولى إحداهما ملفها المباشر وتدعم الثانية الأخرى دعما مركزيا بشراكة قطرية، وهو أمرٌ واسع يمكن تنسيقه. ولكن المهم هو المبدأ والصمود في مواجهة الاندماج الروسي الإيراني المدعوم غربيا وإسرائيليا.

إن لعبة الغرب لاستنفاد جموح روسيا الجديدة بحرب مع الشرق الإسلامي هي أيضا مضرة بكل العمق الإسلامي الشرقي، وإنما تضبط المواجهة من خلال مصالح الشرق الإسلامي وأمنه القومي الجمعي، ويُحسن التخطيط لمواجهة الدب الروسي الغاضب، والمتحمس ليكون حليفا لعمامة ولي الفقيه، لعلها تسقيه مباشرة ومناصفة من نفط الخليج.

إن التوسل للغرب وانتظار حلوله لن يثمر شيئا، وهذا لا يعني القطيعة معه ولا نبذ التواصل الدبلوماسي، لكن المقصد أن تكون قوة الشرق الإسلامي في موضع الفعل فيما يخص ملفاته، لا ردود الأفعال. فانتظار هذه المحاور بات يعني قرب تغيير خرائط المنطقة، وخسارة وجود لا حدود، وأول وقف للمشروع تنكيسه في سوريا، وإقامة البديل الوطني مباشرة في دمشق، حينها ستشرق شمس السلام للشرق.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: