تساؤلات تاريخية لا بد منها / بقلم عمر خليفة راشد

تساؤلات تاريخية لا بد منها / بقلم عمر خليفة راشد

 

(الرسائل البحرينية في المسألة الشيعية (81))

التاريخ علم شريف.. ظلمناه حتى كدنا نجعل ضره أقرب من نفعه!!
ممارسات خاطئة في تعاملنا مع علم التاريخ من قِبَل كثير من مثقفينا: القراءة الناقصة والمقتطعة والتي تنتج عنها آراء خاطئة ومنحرفة.. الهوس السياسي المسبق الذي ينتج عنه عدم التدقيق فيما نقرأ.. عدم التمييز بين ما هو ثابت وما هو أوهام وخرافات..
كل هذه الآفات نتج عنها إلحاق الظلم بعدد من كبار رموز الإسلام، وعلى رأسهم سيدنا أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه.
في هذا المقال، نقف وقفات نطرح من خلالها تساؤلات، نراها مشروعة وضرورية، حول طريقة تعاملنا، منذ قرون، مع بعض أحداث التاريخ الإسلامي، وخاصة الفترة الممتدة من حادثة استشهاد سيدنا الإمام عثمان بن عفان رضي الله عنه، إلى ما بعد حادثة استشهاد سيدنا الإمام الحسين بن علي رضي الله عنه. هذه التساؤلات نوجهها –حصرا- إلى ذوي القربى، من بعض مثقفي أهل السنة والجماعة، أما المجوس فلا شأن لنا بهم في هذا المقام.
(1) لماذا التركيز على مسألة تولية عثمان رضي الله عنه لبعض أقاربه، وتجاهل تولية علي رضي الله عنه أيضا لبعض أقاربه، منهم أبناء عمه العباس: عبد الله وعبيد الله وقثم ومعبد، وربيبه محمد بن أبي بكر؟!
(2) لماذا يتم التركيز على الأخبار التي تتحدث عن ندم أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها على خروجها إلى البصرة، ولا يتكلم أحد عن ندم سيدنا الإمام علي بن أبي طالب على خوضه معارك الجمل وصفين؟!
يروي الحسن بن علي عن أبيه -رضي الله عنهما- في معركة الجمل: “لقد رأيته حين اشتد القتال يلوذ بي ويقول: يا حسن لوددت أني مت قبل هذا بعشرين حجة”. (رواه ابن أبي شيبة في المصنف بإسناد صحيح).
وعن قيس بن عبّاد قال: قال علي رضي الله عنه لابنه الحسن يوم الجمل: “يا حسن ليت أباك مات من عشرين سنة”، فقال له الحسن: “يا أبت قد كنت أنهاك عن هذا”، قال: “يا بني لم أر الأمر يبلغ هذا”. (السنة لعبد الله بن أحمد بن حنبل بسند صحيح، وابن كثير في البداية والنهاية، والحاكم في المستدرك، وابن عبد البر في الاستيعاب).
(3)لماذا يُعتبر معاوية رضي الله عنه أول من ولّى ابنه من بعده – وهو فعل لا نرى فيه مخالفة شرعية- مع أن عليا هو أول من فعل ذلك؟!
دخل حريث بن عبد الله على عليّ فقال: “يا أمير المؤمنين إن فقدناك ولا نفقدك، فنبايع الحسن؟”، قال: “ما آمركم ولا أنهاكم أنتم أبصر”. (الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: مرسل إسناده حسن).
(4) عند الحديث عن معركة صفين، يتم التركيز على حديث “عمار تقتله الفئة الباغية”، وذلك لإثبات بغي معاوية ومعسكره.. ولكن لماذا يتم تجاهل حقيقة تاريخية ثابتة هي أن جيش علي كان يعشش فيه البغاة الحقيقيون: قتلة عثمان، وهم بالمئات (عددهم يتراوح بين 1200-2400 حسب اختلاف الروايات)؟! لا شك أن السبب الحقيقي وراء كل هذه الفتن هم قتلة عثمان، فهم البغاة الحقيقيون، الذين بفعلتهم الشنيعة بقتل عثمان تسببوا في كل ما جرى من مآسٍ بعد ذلك في الجمل وصفين.
(5) دائما ما يُثار السؤال الكبير: لماذا لم يُقِم يزيد بن معاوية الحدّ على قتلة الحسين، ولا يُثار أبدا السؤال الكبير الآخر: لماذا لم يُقٍم علي بن أبي طالب الحدّ على قاتل الزبير بن العوام رضي الله عنه؟!
عندما جاء المجرم ابن جرموز برأس الزبير، قال علي: “بشر قاتل ابن صفية بالنار”. (ابن حجر في فتح الباري بإسناد صحيح، أبو نعيم في حلية الأولياء). قال هذه المقولة لقاتل الزبير ولم يقم عليه الحدّ.. لماذا؟ لأن عليا تعامل مع هذه المسألة كراسب من رواسب المعركة، معركة الجمل، والتي نتج عنها العديد ممن قُتِل، والعديد ممن قَتَل، وهي نتيجة حتمية لأي معركة.. كذلك تعامل يزيد مع رواسب معركة كربلاء، مع فارق أن الزبير –لا شك- أفضل من الحسين.
(6) تشويه منهجي ظالم مورس ضد يزيد بن معاوية رحمه الله، ورويت روايات باطلة كثيرة لإثبات مجونه وخلاعته! بالمقابل: جرى التغطية على الروايات المعتبرة الدالة على عكس ذلك، من ضمنها شهادات لبعض كبار الصحابة، وسادة أهل البيت رحمهم الله، وعلى رأسهم محمد بن علي بن أبي طالب (ابن الحنفية)، شقيق الحسين، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ابن عم الحسين.. لماذا؟!
“لما جاء ابن عمر إلى عبد الله بن مطيع، حينما نزعوا بيعة يزيد بن معاوية قال ابن مطيع: اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة. فقال: إني لم آتك لأجلس، أتيتك لأحدثك حديثا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من خلع يدا في طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية”. (صحيح مسلم).
و”حينما وثب الناس وخلعوا يزيد مشى ابن مطيع إلى ابن الحنفية، فأرادوه على خلع يزيد فأبى، فقال ابن مطيع: إنه ليشرب الخمر، ويترك الصلاة، ويتعدى حكم الكتاب، قال: ما رأيت منه ما تذكر، وقد أقمت عنده فرأيته مواظبا للصلاة، متحريا للخير، يسأل عن الفقه”. (الذهبي في تاريخ الإسلام بإسناد حسن).
(7) لماذا هذا التركيز الشديد والتمجيد الكبير لـ (ثورة الحسين)، مع تجاهل أو شبه تجاهل لـ (صلح الحسن)؟!
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحسن رضي الله عنه: (إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ). (صحيح البخاري).
نستنتج من هذه الحديث –من ضمن أمور كثيرة- ما يلي: أن فعل الحسن بصلحه مع معاوية استحق عليه لقب (السيادة)، وهذه الصفة ما استحقها الحسن رضي الله عنه لو كان سلّم الأمور إلى شخص سيء كما تصور بعض الروايات الباطلة، ولما استحق الحسن هذا المديح الكبير من جده عليه الصلاة والسلام لو كان فعله هذا أدى إلى ترسيخ الانحراف في الدولة الإسلامية كما يحاول بعض المهووسين بالسياسة تصويره.
(8) لماذا يُنتقد معاوية بن أبي سفيان لاتخاذه دمشق مقرا للحكم وليس المدينة، مع أن أول من فعل ذلك هو علي بن أبي طالب عندما نقل مقر الحكم من المدينة إلى الكوفة؟!
(9) يكثر القيل والقال وتوجيه الاتهام تلو الاتهام إلى معاوية ومعسكره فقط دون المعسكر الآخر.. مع أن احتمال حدوث أخطاء وارد من كل الأطراف، خاصة زمن الفتن والقلاقل، ولا عصمة لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذا كنا نتفهم عدم معاقبة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه للمجرمين من قتلة عثمان والسماح لهم بالدخول في جيشه! .. إلاّ أننا نتساءل:
أولا: كيف كان سيعاقبهم لاحقا وقد صرح هو بنفسه أن هؤلاء القتلة يسيطرون على معسكره؟! عندما قال: “كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم؟!”. (ابن الأثير في الكامل في التاريخ).
ثانيا: بغض النظر عن مسألة عدم القدرة على محاسبة البغاة، لماذا عيّن بعض رؤوسهم ولاة على الأقاليم؟! هل كان مضطرا لذلك أيضا؟! فمن الثابت تاريخيا أن عليا عيّن على التوالي كل من محمد بن حذيفة ومحمد بن أبي بكر ومالك بن الأشتر ولاة على مصر، وهم ممن شارك في الفتنة وألّب على الخليفة المظلوم عثمان بن عفان رضي الله عنه.
(10) لماذا يصر كثير من أهل السنة على ذكر عبارة (عليه السلام) بعد ذكر عليّ رضي الله عنه دون سائر الصحابة، بالرغم من إجماع أهل السنة على أفضلية الخلفاء الثلاثة عليه؟! وأيضا لماذا الإصرار على تخصيص عبارة (كرّم الله وجهه) في حق علي وحده؟! مع ملاحظة أن السبب الذي يذكر لتخصيصه بهذه العبارة سبب متهافت جدا، وهو أنه رضوان الله عليه لم يسجد لصنم قط! إن عدم سجود علي لصنم قط تحصيل حاصل، لأنه أسلم وهو ابن ثمان أو عشر سنوات، وقد تربى في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ طفولته. ولكن الفضيلة هنا هي لأبي بكر رضي الله عنه، الذي أسلم وهو ابن 38 سنة ولم يسجد لصنم قط.
(11) لماذا أصر ويصر مؤرخونا ومفكرونا قديما وحديثا على تسمية (محمد بن علي بن أبي طالب) رحمه الله بـ (محمد بن الحنفية)؟! ما السبب في تجريد هذا التابعي الجليل من شرف النسبة إلى علي. هل السبب هو إبراز أفضلية الحسن والحسين عليه! وهما أفضل منه قطعا.. ولكن أليس في هذا الفعل ظلم بيّن لهذا التابعي الشريف!
(12) وأخيرا، لماذا يتم التركيز دائما على قصة (وامعتصماه)، عندما أنقذ الخليفة العباسي المعتصم الأسيرة المسلمة التي استنجدت به في عمورية، ويتم تجاهل قصة (واحجّاجاه)، عندما أنقذ الوالي الأموي الحجّاج بن يوسف الثقفي الأسيرة المسلمة التي استنجدت به عندما خطفها القراصنة على ساحل الهند؟!
إذا قيل: لأن الحجّاج كان ظالما، نقول: وكان المعتصم منحرفا فكريا، ويعتنق الاعتزال، وقتل وعذب علماء المسلمين.. وإذا قيل: قصة (واحجّجاه) غير ثابتة تاريخيا، نقول: وكذلك قصة (وامعتصماه)!
من أبرز الإشكالات التي التصقت بكتابة التاريخ:
– عندما يكون المؤرخ سُنيّا ثقة، والمروي عنه شيعي كذاب!
– أو عندما يُكتب التاريخ بأيد سنية، وبعاطفة شيعية!
ومن أراد مزيدا من التفصيل حول هذه الإشكالات فليراجع مقالات المفكر العراقي الدكتور طه حامد الدليمي في موقع (القادسية).

موقع القادسية

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: