تطبيق الشريعة بين الادعاء والحقيقة

تطبيق الشريعة في واقع الحياة هو المقصود الأعظم من إنزالها وتشريعها؛ فلم تنزل هذه الشريعة من عند مشرعها -تبارك وتعالى- لتكون فاكهة للعقول؛ أو رياضة للأذهان؛ أو تكثيرًا لتسويد الصحائف فحسب.

وإنما المقصود الأجلُّ من تشريعها لتكون مشعل هداية، وطريقًا للوصول إلى السعادة في الدنيا والآخرة؛ واستجابة لأمر الخالق جل وعلا.

ولقد كان من الحكم الربانية في بداية تشريعها أن نزلت متدرجة في أحكامها؛ متوالية في فروضها؛ فلم تنزل فجأة كاملة أو جملة واحدة؛ وذلك لتستعد النفوس لتقبلها؛ وتطمأن القلوب بالإيمان بها؛ لئلا تنفر من أحكامها وترتد على أعقابها، وخير مثال على ذلك التدرج الذي صاحب تحريم الخمر؛ كما روى الإمام أحمد وغيره بإسناد صحيح عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، قَالَ: اللهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شِفَاءً. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ﴾ [البقرة: 219]. قَالَ: فَدُعِيَ عُمَرُ، فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شِفَاءً. فَنَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ﴾ [النساء: 43]، فَكَانَ مُنَادِي رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا أَقَامَ الصَّلاةَ نَادَى: أَنْ لَا يَقْرَبَنَّ الصَّلاةَ سَكْرَانُ، فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شِفَاءً. فَنَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْمَائِدَةِ، فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَلَمَّا بَلَغَ ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنْتَهُونَ ﴾ [المائدة: 91] قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: انْتَهَيْنَا، انْتَهَيْنَا.

فنزلت الشريعة شيئًا فشيئًا، وحكمًا بعد حكم، وسلك الله بعباده مسلك التدريج مما سهل عليهم الالتزام بدينه، والاستجابة لأمره، والانقياد لشريعته وأحكامه، ولو نزل عليهم أول الأمر تحريم الخمر، والزنا، والربا، ونحوها، وتغليظ العقوبة على من يفعل ذلك؛ لأدى ذلك إلى النفور والإعراض، ولربما كان لبعضهم فتنة، وسببًا للكفر والردة.

قال الله تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ﴾ (الفرقان: 32-33).

فالله تعالى قادر على أن ينزل شرعه جملة واحدة، ويكلف به عباده دفعة واحدة، لكنها حكمة العليم الحكيم الذي خلق الإنسان، ويعلم حاله وما يُصلحه ويصلح له، يقول الله تعالى: ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ (الملك: 14).

وروى البخاري في صحيحه عن عائشة – رضي الله عنها – أنها قالت عن القرآن الكريم: ) إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصّل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام، نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنى أبدًا… (.

ولم يُقبض النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- إلا والشريعة قد كملت، والنعمة قد تمت؛ فلم يبق إلا التسليم لها والانقياد لأمرها؛ تبعًا لأمر مشرعها تبارك وتعالى.

وقد اجتهد علماء الإسلام منذ بداية عصر التدوين إلى تفصيل الشريعة الغراء؛ وما يتطلب تنزيل الأحكام على الأعيان من شروط وقيود وضوابط وموانع؛ وذلك باسترشاد الشريعة نفسها؛ فهم مع حرصهم على تطبيق الشريعة بين العباد؛ إلا أنهم قد أدركوا بثاقب نظرهم بأن تطبيقها مقترن بضوابطه، وشروطه، وحدوده، وانتفاء موانعه.

حيث إن الشريعة لم تشرع إلا لجلب المصالح للخلق، ودفع المضار عنهم؛ وكانت قاعدتها العامة: جلب المصالح وتكثيرها، ودفع المفاسد وتقليلها.

ولا يمكن التوصل إلى هذه القاعدة إلا للمتضلعين من العلم الشرعي الصحيح.

فكما أن الشريعة عند تشريعها نزلت متدرجة مراعية حال النفوس المؤمنة إبان نزولها؛ فكذلك تحتاج النفوس التي بَعُدت عن الشريعة وحياضها؛ وفرضت عليها القوانين الوضعية فرضًا إلى ترويضها لتطبيقها؛ والتدرج في إنزال كل حكم بما يناسبه.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «فَأَمَّا إذَا كَانَ الْـمَأْمُورُ وَالْـمَنْهِيُّ لَا يَتَقَيَّدُ بِالْـمُمْكِنِ: إمَّا لِجَهْلِهِ، وَإِمَّا لِظُلْمِهِ، وَلَا يُمْكِنُ إزَالَةُ جَهْلِهِ وَظُلْمِهِ، فَرُبَّمَا كَانَ الْأَصْلَحُ الْكَفَّ وَالْإِمْسَاكَ عَنْ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ… فَالْعَالِـمُ فِي الْبَيَانِ وَالْبَلَاغِ كَذَلِكَ؛ قَدْ يُؤَخِّرُ الْبَيَانَ وَالْبَلَاغَ لِأَشْيَاءَ إلَى وَقْتِ التَّمَكُّنِ، فَإِذَا حَصَلَ مَنْ يَقُومُ بِالدِّينِ مِنَ الْعُلَمَاءِ، أَوِ الْأُمَرَاءِ، أَوْ مَجْمُوعِهِمَا؛ كَانَ بَيَانُهُ لِـمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ شَيْئًا فَشَيْئًا بِمَنْزِلَةِ بَيَانِ الرَّسُولِ لِمَا بُعِثَ بِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرَّسُولَ لَا يُبَلِّغُ إلَّا مَا أَمْكَنَ عِلْمُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ وَلَـمْ تَأْتِ الشَّرِيعَةُ جُمْلَةً… فَكَذَلِكَ الْـمُجَدِّدُ لِدِينِهِ، وَالْـمُحْيِي لِسُنَّتِهِ لَا يُبَلِّغُ إلَّا مَا أَمْكَنَ عِلْمُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ… وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ إقْرَارِ الْـمُحَرَّمَاتِ وَتَرْكِ الْأَمْرِ بِالْوَاجِبَاتِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ وَالتَّحْرِيمَ مَشْرُوطٌ بِإِمْكَانِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَقَدْ فَرَضْنَا انْتِفَاءَ هَذَا الشَّرْطِ، فَتَدَبَّرْ هَذَا الْأَصْلَ فَإِنَّهُ نَافِعٌ».

وقد وقع للخليفة الراشد عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ؛ عندما تولى الخلافة حرج في تطبيق الأحكام الشرعية مباشرة على المظالم التي اقترفها من سبقوه، فما كان منه إلا أن تدرج في الإصلاحِ ولَـمْ يتعجلْ في التغييرِ، فدخلَ عليه ولدُهُ عبدُ الملِكِ، فَقَالَ لَهُ: «يَا أَبَتِ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَمْضِيَ لِـمَا تُرِيدُهُ مِنَ الْعَدْلِ؟ فَوَاللهِ! مَا كُنْتُ أُبَالِي لَوْ غَلَتْ بِي وَبِكَ الْقُدُورُ فِي ذَلِكَ». قَالَ: «يَا بُنَيَّ! إِني إِنَّمَا أُرَوِّضُ النَّاسَ رِيَاضَةَ الصَّعْبِ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُحْيِيَ الْأَمْرَ مِنَ الْعَدْلِ، فَأُؤَخِّرَ ذَلِكَ حَتَّى أخرجَ مَعَهُ طَمَعًا مِنْ طَمَعِ الدُّنْيَا، فَيَنْفِرُوا مِنْ هَذِهِ وَيَسْكُنُوا لِهَذِهِ».

أقول هذا عندما شاهدت -كما شاهد غيري- تلك الجماعات الإسلامية الغالية التي زعمت تطبيق الشريعة في الأماكن التي وطأتها أقدامها، ولم يستقر لها قرار بعد، حيث ظنوا أن دعوى تطبيق الشريعة هو مجرد إقامة حد على سارق، أو شارب خمر، أو هدم أماكن اللهو؛ وهذه الأمور وإن كانت حقًا في نفسها فهي ليست كل الشريعة التي جاء بها محمد -صلى الله عليه وسلم- من عند ربه.

وإنما الشريعة هي مجموعة من العقائد، والعبادات، والأخلاق، والآداب التي يتميز بها المجتمع المسلم عن غيره من المجتمعات.

فكما أن تطبيق الحدود الشرعية يعتبر من الشريعة، فكذلك تصحيح عقائدهم، وإقامة العدل بينهم، وتأمين معاشهم؛ والحفاظ على أمنهم، هو من أولويات الشريعة.

بل إن الحدود الشرعية التي تظنها تلك الجماعات هو المقصد من تطبيق الشريعة، قد وضعت لها الشريعة من القيود والاحتياطات والشروط ما لا يكاد ينطبق على أحد من مرتكبيها إلا بعد إقامة البينات الواضحة وضوح الشمس، التي لا يختلف عليها اثنان.

فالحاصل أن دعوى تطبيق الشريعة غير مقتصر على إقامة الحدود أو منع المنكرات؛ وإنما التطبيق الحقيقي هو جعل الشريعة مهيمنة على جميع شئون الحياة العقائدية، والعبادية، والأخلاقية، والاقتصادية، والتنموية؛ وبناء الحياة بناء شاملًا تحت حكم الشريعة وظلالها الوارف.

بقلم/ محمد بن عبد السلام الأنصاري

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: