تفسير الآية” وَمِنَ الجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا / مع د. زغلول النجار

تفسير الآية” وَمِنَ الجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا / مع د. زغلول النجار

 

قال تعالى:” وَمِنَ الجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ ” (‏‏فاطر‏:27).

هذه الآية الكريمة جاءت في نهاية الثلث الثاني من سورة فاطر‏,‏ وهي سورة مكية، استهلت بحمد الله ـ تعالى ـ فاطر السماوات والأرض‏ ـ‏ أي خالقهما على غير مثال سابق‏ ـ وجاعل الملائكة رسلاً إلى أنبيائه ورسله خاصة وإلى بقية عباده‏ بصفة عامة‏ .‏ والملائكة خلق متعددو الأجنحة‏ .واستعرضت السورة عدداً من صفات الله وأسمائه، ومنها‏ أنه ـ تعالى ـ الخالق‏,‏ الرازق‏,‏ القادر‏,‏ القدير‏,‏ العزيز‏,‏ الحكيم‏,‏ المنعم‏,‏ الحليم‏,‏ العليم‏,‏ الغفور‏,‏ البصير‏,‏ الشكور‏,‏ الخبير‏,‏ الواحد‏,‏ الأحد‏,‏ الفرد‏,‏ الصمد‏,‏ صاحب الرحمات الواسعة‏,‏ الذي يفتح للناس منها ما لا يمكن لأحد أن يغلقه‏,‏ ويغلق ما لا يمكن لأحد أن يفتحه ‏.
وتذكر السورة الكريمة الناس بنعم الله ـ تعالى ـ عليهم‏,‏ وتستنكر جحودهم لها‏,‏ وتثبِّت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مواجهة تكذيب الكافرين لنبوَّته بتقرير أن الرسل من قبل قد كُذِّبوا‏,‏ على الرغم من أنهم جاءوا أممهم بالمعجزات الواضحات، والوحي المُنزَّل بالهداية الربانية‏,‏ فأخذهم الله أخذاً شديداً ، عقاباً لهم على كفرهم‏,‏ وأن الأمور كلها مردها إلى الله ـ تعالى ـ فيجازي كلاً بما يستحق‏ .‏
وتؤكد سورة فاطر أن وعد الله حق‏,‏ وعليه فلا يجوز للخلق أن يغترُّوا بالدنيا فتلهيهم عن الاخرة‏,‏ ولا أن ينخدعوا بالشيطان ـ وهو عدو لهم ـ فيثنيهم عن اتباع الهداية الربانية‏,‏ ويمنيهم بالمغفرة مع الإغراق في معاصي الله‏,‏ ومن ثم فلابد من مقابلة الشيطان بالعداوة التي يستحقها‏؛‏ لأنه من خبثه وعداوته للإنسان يحرص على تزيين سوء عمله له حتى يراه حسناً، فيقوده بذلك إلى النار‏ .‏
وتؤكد السورة كذلك على أن العزة لله‏,‏ فمن أرادها فسوف يجدها في طاعة الله‏,‏ وأن الذين كفروا سوف يلقون عذاباً شديدا‏ًً,‏ وأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم من الله مغفرة وأجر كبير‏,‏ وأن الله ـ تعالى ـ يضل من يشاء ممن ارتضوا الضلال سبيلا‏ًً,‏ ويهدي من يشاء ممن اختاروا الهداية سبيلاً‏,‏ وتضرب السورة الامثال للناس من حياتهم‏,‏ وتوصي الرسول الخاتم ـ صلى الله عليه وسلم ـ ألا يحزن على مصير الضالين؛ لأن الله ـ تعالى ـ عليم بما يصنعون‏ .‏
وتحذر سورة فاطر من الشرك بالله‏,‏ وتؤكد عجز الشركاء المزعومين‏,‏ وحاجتهم‏‏ ـ بل وحاجة الخلق جميعاً ـ إلى الله ، وأنه سبحانه غني عن العالمين .‏ ومن قبيل التقريع تذكر المشركين بالله بأن شركاءهم لا يستطيعون خلق شيء في الأرض‏,‏ وليست لهم أدنى شراكة في السماوات‏,‏ وأنهم لم يتلقوا تفويضاً من الله ـ تعالى ـ بذلك‏,‏ وعلى الرغم من ادعائهم‏,‏ وقسمهم كذباً بالله أنهم إذا جاءهم نذير فسوف يكونون أهدى من غيرهم من الأمم‏,‏ فإنهم لما جاءهم النذير ازدادوا نفوراً من الحق‏,‏ وأن هؤلاء الظالمين لا يَعُدُ بعضهم بعضاً الا ظناً كاذبا‏ًً,‏ وقد استمرأوا الخروج على منهج الله استكباراً في الأرض‏,‏ ومكراً سيئاً بأهلها‏,‏ والمكر السيء لا يحيق الا بأهله‏,‏ ولم يعتبروا بما حدث للأمم السابقة عليهم‏,‏ والتي كانت قد سارعت بالكفر‏,‏ وعاجلهم الله ـ تعالى ـ بالعقاب على كفرهم، وقد كانوا أكثر قوة منهم‏,‏ وهي سنة من سنن الله التي لا تبديل لها‏,‏ ولا تغيير فيها‏ .‏
وتؤكد السورة الكريمة أن الله ـ تعالى ـ قادر على استبدال الخلائق بغيرهم‏.‏ وما أيسر ذلك عليه ـ سبحانه ـ‏,‏ وأن كل نفس مسئولة عن عملها‏,‏ وأنها لا تحمل وزر غيرها‏,‏ وأن الرسول الخاتم ـ صلى الله عليه وسلم ـ مطالب بإنذار الذين يخشون ربهم بالغيب فيعبدوه بما أمر‏,‏ وأن من يسعي إلى تزكية نفسه فإن فضل ذلك مردود عليه‏,‏ وأن مصائر الخلق جميعا إلى الله ـ تعالى ـ فيجازي كلا بما هو أهل له‏,‏ وأن الأضداد لا يستوون أبدا‏..,‏ وأن هذا النبي والرسول الخاتم قد أرسل بالحق الذي أرسل به الأنبياء والمرسلون من قبل لأن عدل الله ـ تعالى ـ يقتضي ألا يحاسب الخلائق بغير إنذار مسبق ‏.‏
وتمتدح السورة الكريمة الذين يتلون كتاب الله‏,‏ ويقيمون الصلاة‏,‏ وينفقون مما رزقهم الله سرا وعلانية رجاء رحمة الله الذي يوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله‏.‏
وتؤكد السورة في ختامها أن خطايا الناس كثيرة‏,‏ ولكن الله يؤخرهم إلى أجل مسمى‏، وهو ـ تعالى ـ البصير بهم ‏.‏
وبالإضافة إلى التأكيد في أكثر من موضع من سورة فاطر أن الله ـ تعالى ـ عليم بكل شيء‏,‏ ومحيط بكل شيء، فإن السورة تستشهد بعدد كبير من الآيات الكونية على صدق القضايا التي أوردتها‏,‏ ومن ذلك ‏:‏ تصريف الرياح‏,‏ وإرسال السحاب‏,‏ وإنزال المطر‏,‏ وإحياء موات الأرض‏,‏ وخلق البشر من تراب‏,‏ ثم من نطفة‏,‏ وجعل الزوجين منها‏,‏ واختلاط البحرين دون امتزاج كامل‏,‏ وإخراج بعض ما يؤكل وما يتزين به منهما‏,‏ وجري السفن فيهما‏,‏ وولوج كلٍ من الليل والنهار في الآخر، وتسخير كلٍ من الشمس والقمر‏,‏ واختلاف ألوان كلٍ من الثمار‏,‏ والجُدَد القاطعة لصخور الجبال‏,‏ والناس‏,‏ والدواب‏,‏ والأنعام‏,‏ والإمساك بالسماوات والأرض أن تزولا‏,‏ وبكل ما هو في ملك الله ـ تعالى ـ‏‏ وكل شيء ملكه، فهو ـ تعالى ـ رب كل شيء ومليكه‏,‏ وغيره لا يملك شيئا‏ًً,‏ وأن الذين يعلمون شيئاً من ذلك من عباد الله هم الذين يخشون ربهم بالغيب‏ .
وهذه الآيات الكونية تحتاج إلى مجلدات في دراستها‏,‏ وإظهار جوانب الاعجاز العلمي فيها‏,‏ إلى جانب ما تحمله من الدلالات المنطقية المقنعة على طلاقة القدرة إلالهية في إبداع الخلق‏,‏ ولذلك سوف أقتصر هنا على آية واحدة فقط منها، وهي آية اختلاف ألوان الجدد القاطعة لصخور الجبال‏ .
وقبل الدخول في ذلك لابد من استعراض الدلالات اللغوية لألفاظ الآية الكريمة، ولأقوال المفسرين فيها، ألا وهي قول الحق ـ تبارك وتعالى ـ : “‏ وَمِنَ الجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ ” . (‏‏فاطر‏:27) .
الدلالة اللغوية :
‏(1) (‏ الجبل‏)‏ في اللغة العربية ما ارتفع من الأرض إذا عظم وطال . والجبل‏:‏ هو الغليظ من كل شيء‏,‏ جمعه‏(‏ جبال‏)‏ و‏(‏ أجبال‏)‏ و‏(‏ أَجْبُل‏) .‏ ويقال‏:(‏ أَجْبَلَ‏)‏ المسافر‏,‏ و‏(‏تَجَبَّلَ‏)‏ و‏(‏ جَابَلَ‏)‏ أي صار إلى‏(‏ الجبل‏),‏ بمعنى وصل إليه أو دخله وسكن فيه‏ .‏
ويقال لكل من الحية والداهية‏(‏ ابنة الجبل‏)‏؛ لأن‏(‏ الجبل‏)‏ مأواها في الأولى‏,‏ ولأن الداهية تثقل كما يثقل الجبل في الثانية‏,‏ كما يقال لصدى الصوت‏(‏ ابن الجبل‏),‏ ويقال للقوة أو الصلابة في الأرض‏:(‏ الجبلة‏)‏ و‏(‏ الجبلة‏)‏ و‏(‏الجبلة‏)‏ و‏(‏الجبلة‏) .‏
كذلك يقال للأبدان‏:(‏ جبال‏),‏ ففلان‏(‏ مجبول‏)‏ أو‏(‏ خطير الجبال‏)‏ أي عظيم البدن تشبيها‏(‏ بالجبال‏)‏ . و‏(‏الجبل‏) :‏ ساحة البيت‏,‏ أو الكثير من أي شيء، يقال‏:(‏ تجبل‏)‏ ما عنده أي استنظفه‏,‏ ويقال‏:‏ حي‏(‏ جبل‏)‏ أي كثير الناس‏:‏ والجبل و‏(‏الجِبِلَّة‏)‏ الجماعة من الناس‏,‏ أو الكثير من كل شيء‏,‏ أو السنة المجدبة‏ .‏
و‏(‏الجبلة‏):‏ المادة السائلة بداخل الخلية الحية‏(‏ البروتوبلازم أو السيتوبلازم‏).‏ ويقال‏:(‏ جَبَلَه‏)‏ الله‏(‏ جَبْلاً‏)‏ أي خلقه وفطره على صفة من الصفات‏,‏ مثل قولك‏:(‏ جَبَلَه‏)‏ الله على الكرم أي فطره عليه .‏ و‏(‏ الجبلة‏)‏ و‏(‏ الجبلة‏)‏ الخلقة والطبيعة‏,‏ و‏(‏الجبلي‏)‏ هو الفطري من كل شيء‏ . و‏(‏الجبلة‏):‏ الأصل‏,‏ وأصله الوجه وما استقبلك منه ‏.‏
ويقال‏:(‏ جبل‏)‏ التراب‏(‏ جبلاً‏)‏ أي صب عليه الماء ودعكه حتى صار طينا‏.‏ و‏(‏ جبله‏)‏ أي قطعه قطعاً شتى‏,‏ و‏(‏أجبله‏)‏ أي وجده بخيلا‏ًً,‏ و‏(‏الجبل‏)‏ هو الممسك البخيل‏,‏و‏(‏ أجبل‏)‏ أي فشل وأخفق ‏.‏
‏(2)(‏ جُدَد‏):(‏ الجُدَّة‏)‏ في اللغة‏(‏ بالضم‏)‏ هي الطريقة أو العلامة الظاهرة، والجمع‏(‏ جدد‏)، والصفة‏(‏ مجدود‏) . والجدد هي الطرائق المختلفة الألوان‏,‏ قال الجوهري‏:‏ والجدة‏:‏ الخطة التي في ظهر الحمار تخالف لونه‏ .‏ قال ‏ـ‏ تعالى‏ ـ :‏ “‏ وَمِنَ الجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ” (فاطر:27)‏ ,‏ قيل في تفسيرها هي طرائق تخالف لون الجبل‏,(‏ والجادة‏)‏ معظم الطريق‏,‏ والجمع‏(‏ جوادّ‏)‏ بتشديد الدال‏,‏ و‏(‏جد‏)‏ الشيء‏(‏ يجد‏)(‏ جِدة‏)‏ بكسر الجيم فيهما أي صار جديداً ، و‏(‏الجديد‏)‏ جمعه‏(‏ جدد‏) .‏ و‏(‏الجِد‏)‏ هو الاجتهاد في الأمر‏,‏ تقول منه‏(‏ جَدَّ‏)(‏ يجِدُّ‏)‏، و‏(‏يجد‏)‏ و‏(‏أجد‏)‏ في الأمر أي اجتهد فيه ‏.‏
و‏(‏الجِد‏)‏ بالكسر ضد الهزل تقول منه‏:(‏ جد‏)(‏ يجد‏)‏ و‏(‏يجد‏)‏ في الأمر أي أخذه على محمل‏(‏ الجد‏) .‏ و‏(‏أجد‏)‏ تأتي بمعنى عظم‏,‏ وقوله‏ ـ تعالى ـ :‏ ” وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَخَّذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً ” (‏ الجن‏:3)‏ أي عظمة ربنا‏ .‏
و‏(‏الجد‏):‏ الحظ والبخت والثراء والجمع‏(‏ الجدود‏),‏ والصفة‏(‏ المجدود‏)‏ أي المحظوظ أو الثري‏,‏ و‏(‏الجِد‏)‏ أيضاً هو أبو الأب‏,‏ وأبو الأم‏,‏ وهو كذلك قطع الأرض المستوية ‏.‏
و‏(‏الجديد‏)‏ هو كل ما أحدث إنشاؤه‏,‏ و‏(‏الجديدان‏)‏ و‏(‏الأجدان‏)‏ هما الليل والنهار‏,‏ ولذلك قيل‏:‏ و‏(‏جد‏)‏ الشيء أي قطعه .
‏(3)(‏ غرابيب‏):‏ هي جمع‏(‏ غربيب‏)،‏ ومعناه شديد السواد، أو المشبه بالغراب في السواد‏,‏ وفي قول الحق‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ :‏ ” غَرَابِيبُ سُودٌ” (فاطر:27) نجد أن لفظة‏(‏ سود‏)‏ بدل من‏(‏ غرابيب‏)‏ ؛ لأن توكيد الألوان لا يتقدم‏,‏ فيقال‏:‏ أحمر قاني، ولا يقال قاني أحمر‏,‏ وكلمة‏(‏ غربيب‏)‏ قد تكون مستمدة من اسم‏(‏ الغراب‏)‏ لسواده‏,‏ كما قد تكون مستمدة من‏(‏ الغربة‏)‏ و‏(‏الاغتراب‏),‏ أو من‏(‏ التغريب‏),‏ أو من‏(‏ الغرب‏)‏ و‏(‏المغرب‏)‏ لغيبة كلٍ من ضوء الشمس ونور النهار فيه‏,‏ ويعبر عن شدة السواد إذا قيل أسود غربيب‏.‏ وهو السائد‏,‏ كما قد يقال‏ :‏ غربيب أسود، وهو قليل ‏.‏
من أقوال المفسرين:
في تفسير قوله‏ ـ تعالى‏ ـ : ‏” أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ . وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ” ‏(‏فاطر‏:28,27)‏ :
ذكر ابن كثير ـ يرحمه الله ـ‏ ما نصه‏:‏ يقول ـ تعالى ـ منبهاً على كمال قدرته في خلقه الأشياء المتنوعة المختلفة من الشيء الواحد‏,‏ وهو الماء الذي ينزله من السماء‏ ،‏ يخرج به ثمرات مختلفاً ألوانها، كما هو الشاهد من تنوع ألوانها وطعومها وروائحها‏,‏ كما قال ـ تعالى في ـ الآية الأخرى‏ : ” يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ” (الرعد4),‏ وقوله ـ تبارك وتعالى ـ ‏: “‏ وَمِنَ الجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا ” أي وخلق الجبال كذلك مختلفة الألوان كما هو المشاهد أيضاً من بيض وحمر‏,‏ وفي بعضها طرائق ـ وهي الجدد جمع جدة ـ مختلفة الألوان أيضاً .‏ قال ابن عباس‏:‏ الجدد الطرائق‏,‏ ومنها غرابيب سود‏ .‏ قال عكرمة‏:‏ الغرابيب الجبال الطوال السود‏,‏ وقال ابن جرير‏:‏ والعرب إذا وصفوا الأسود بكثرة السواد‏,‏ قالوا‏ :‏ أسود غربيب‏,‏ ولهذا قال بعض المفسرين في هذه الآية‏:‏ هذا من المقدم والمؤخر في ـ قوله تعالى‏ ـ : ” ‏وَغَرَابِيبُ سُودٌ‏ ” أي سود غرابيب‏,‏ وفيما قاله نظر ” ‏..‏ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ ” (المؤمنون:14) ,‏ ولهذا قال ـ تعالى ـ بعد هذا : “‏ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ ‏”‏ أي إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به‏؛‏ لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير أتم والعلم به أكمل‏,‏ كانت الخشية له أعظم وأكثر‏ . (انتهى قول المفسر)
وذكر صاحبا تفسير الجلالين‏ ـ‏ جزاهما الله خيراً ـ ما نصه‏: …”‏ وَمِنَ الجِبَالِ جُدَدٌ “‏ جمع جدة‏,‏ أي طريق في الجبل وغيره‏ . ” مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا ‏”‏ بالشدة والضعف‏ . ” ‏وَغَرَابِيبُ سُودٌ “‏ عطف على جدد ـ أي صخور شديدة السواد‏ ـ يقال كثيراً ‏:‏ أسود غربيب‏,‏ وقليلا‏:‏ غربيب أسود . (انتهى قول المفسر)
وذكر صاحب الظلال‏ ـ رحمه الله رحمة واسعة‏ ـ‏ ما نصه‏:…‏ وينتقل من ألوان الثمار إلى ألوان الجبال نقلة عجيبة في ظاهرها‏,‏ ولكنها من ناحية دراسة الألوان تبدو طبيعية‏،‏ ففي ألوان الصخور شبه عجيب بألوان الثمار وتنوعها وتعددها‏,‏ بل إن فيها أحياناً مايكون على شكل بعض الثمار وحجمها كذلك حتى لا تكاد تفرق من الثمار صغيرها وكبيرها‏ . ‏” وَمِنَ الجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا “‏ .
والجدد الطرائق والشعاب،‏ وهنا لفتة في النص صادقة‏,‏ فالجدد البيض مختلف ألوانها فيما بينها‏،‏ والجدد الحمر مختلف ألوانها فيما بينها‏، مختلف في درجة اللون والتظليل والألوان الأخرى المتداخلة فيه‏,‏ وهناك جدد غرابيب سود‏,‏ حالكة شديدة السواد ‏.‏واللفتة إلى ألوان الصخور وتعددها وتنوعها داخل اللون الواحد‏,‏ بعد ذكرها إلى جانب ألوان الثمار تهز القلب هزا‏ًً,‏ وتوقظ فيه حاسة الذوق الجمالي العالي .‏ هذا الكتاب الكوني الجميل الصفحات العجيب التكوين والتلوين‏,‏ يفتحه القرآن ويقلب صفحاته، ويقول‏ :‏ إن العلماء الذين يتلونه ويدركونه ويتدبرونه هم الذين يخشون الله ‏. (انتهى قول المفسر)
وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن ـ‏ رحم الله كاتبه رحمة واسعة ـ مانصه‏: “‏ وَمِنَ الجِبَالِ جُدَدٌ‏ ” أي ذوو طرائق وخطوط تخالف لون الجبل‏:‏ بيض وحمر وسود‏ ، جمع جدة‏,‏ وهي الطريقة في السماء والجبل‏,‏ وأصلها الخطة التي في ظهر الحمار تخالف لونه . ” مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا ‏”‏ أي أصنافها بالشدة والضعف‏ . ” وَغَرَابِيبُ سُودٌ‏ “‏ جمع غربيب‏,‏ وهو الذي أبعد في السواد وأغرب فيه ‏.‏ و” سُودٌ” بدل من غرابيب، وهي معطوفة على ” بِيضٌ ‏”,‏ وقيل‏:‏ معطوفة على “‏ جُدَدٌ‏ ” ـ‏ أي ومن الجبال مخطط ذو جدد‏ ـ‏ ومنها ماهو على لون واحد، وهو السواد الشديد‏,‏ والمراد‏:‏ أنها مختلفة الألوان كثيراً .‏ (انتهى قول المفسر)
وجاء في المنتخب في تفسير القرآن الكريم ما نصه‏ : …‏ ومن الجبال جبال ذوو طرائق وخطوط بيض، وحمر مختلفة بالشدة والضعف‏ … (انتهى قول المفسر)‏
وجاء في صفوة التفاسير ما نصه ‏: “‏ وَمِنَ الجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا ” أي وخلق الجبال كذلك فيها الطرائق المختلفة الألوان ـ وإن كان الجميع حَجَراً أو تراباً ـ فمن الجبال جدد ـ أي طرائق ـ مختلفة الألوان‏,‏ بيض مختلفة البياض‏,‏ وحمر مختلفة في حمرتها . ” ‏وَغَرَابِيبُ سُودٌ‏ “‏ ـ أي وجبال سود غرابيب أي شديدة السواد‏ ـ قال ابن جزي‏:‏ قدم الوصف الأبلغ، وكان حقه أن يتأخر‏,‏ وذلك لقصر التأكيد، وكثيراً ما يأتي مثل هذا في كلام العرب‏,‏ والغرض بيان قدرته ـ تعالى‏ ـ‏ فليس اختلاف الألوان قاصراً على الفواكة والثمار، بل إن في طبقات الأرض وفي الجبال الصلبة ماهو أيضاً مختلف الألوان‏,‏ حتى لتجد الجبل الواحد ذا الوان عجيبة‏ .‏ (انتهى قول المفسر)

الجبال في القرآن الكريم :
وردت اللفظة‏(‏ جبل‏)‏ بصيغة المفرد والجمع في القرآن الكريم‏39‏ مرة‏,‏منها‏6‏ مرات بصيغة المفرد‏,33‏ مرة بصيغة الجمع‏),‏ وجاءت الإشارة إلى الجبال بتعبير‏(‏ الرواسي‏)‏ في تسع آيات أخرى‏,‏ ويمكن تصنيف هذه الإشارات القرآنية‏(‏ الثماني والأربعين‏)‏ للجبال إلى المجموعات التالي ‏:‏
‏(1)‏ آيات تشير إلى شكل أرضي مرتفع ارتفاعاً ملحوظاً‏ (‏ البقرة‏:260),( هود‏:43) .‏
‏(2)‏ آيات تشير بطريقة رمزية إلى ضخامة الكتلة الجبلية، أو تدل على ارتفاعها‏,‏ وطبيعتها الصلبة الهائلة ‏:‏
‏( الرعد‏:31),(‏ ابراهيم‏:46),(‏ الإسراء‏:37),(‏ مريم‏:90),(‏ الأحزاب‏:72),(‏ الحشر‏:21) .‏
‏(3)‏ آيات تذكر كلمة جبال في مقام التشبيه ‏(‏هود‏:42),(‏ النور‏:43) .‏
‏(4)‏ آيات تشير إلى جبال ذات أهمية تاريخية كجبال ثمود‏(‏ الأعراف‏:74),(‏ الحجر‏:82),(‏ الشعراء‏:149) .‏
‏(5)‏ آيات تشير إلى الجبال التي شهدت بعض المعجزات كجبال نبي الله ابراهيم‏,‏ ونبي الله موسى ـ عليهما السلام ـ ‏(‏ البقرة‏:260),(‏ الأعراف‏:171,143)‏ .
‏(6)‏ آيات تشير إلى استخدام كلٍ من الإنسان والحيوان للجبال كملجأ‏ (‏ النحل‏:81,68)‏، وكمصادر للمياه الجارية‏ (‏ الرعد‏:3),(‏ النحل‏15),(‏ النمل‏:61),(‏ المرسلات‏:27) .‏
‏(7)‏ مجموعة من الآيات تدور حول المفهوم العلمي للجبال في القرآن الكريم، منها آية واحدة تصف الجبال بأنها أوتاد إشارة إلى أن أغلبها مدفون في الأرض‏,‏ وأن أقلها ظاهر فوق سطح الأرض‏,‏ وأن وظيفها التثبيت‏ (‏ النبأ‏:7),‏ وآيات أخرى تشير إلى دور الجبال في تثبيت الأرض ‏( الرعد‏:3),(‏ الحجر‏:19),(‏ النحل‏:15),(‏ الأنبياء‏:31),(‏ النمل‏:61),(‏ لقمان‏:10),(‏ فصلت‏:10),(‏ ق‏:7),(‏ المرسلات‏:27),(‏ النازعات‏:32),‏ و‏(‏الغاشية‏:19) .‏
وهناك فئة أخرى من الآيات الكريمة في هذه المجموعة تشير إلى وجود جدد مختلفة الألوان بالجبال‏ (‏ فاطر‏:27),‏ أو إلى أن الجبال تتبع حركة الأرض في دورانها حول محورها‏(‏ النمل‏:88) .‏
‏(8)‏ آيات تشير إلى الجبال بوصفها من الخلق المُسبِّح لله ‏(‏ الأنبياء‏:79),(‏ الحج‏:18),(‏ ص‏:18).‏
‏(9)‏ آيات تصف مصير الجبال في الآخرة ‏(‏ الكهف‏:47),(‏ طه‏:105),(‏ الطور‏:10),(‏ الواقعة‏:5),(‏ الحاقة‏:14),(‏ المعارج‏:9),(‏ المزمل‏:14),(‏ المرسلات‏:10),(‏ النبأ‏:20),(‏ التكوير‏:3),(‏ القارعة‏:5) .‏
الجبال في علوم الأرض :
يعرف الجبل بأنه كتلة من الأرض ترتفع بارزة فوق ما يحيطها من اليابسة بشكل واضح‏,‏ وتحيط بها حواف شديدة الانحدار ‏.‏ ويطلق مصطلح الجبل عادة على الارتفاعات التي تزيد عن ستمائة متر فوق مستوى سطح البحر‏,‏ وإن كان هذا الارتفاع ليس محدداً؛لأنه أمر نسبي يعتمد على تضاريس الأرض المحيطة‏,‏ ففي منطقة سهلة التضاريس قد يكون نصف هذا الارتفاع مناسباًللوصف بالجبل‏ . وتوجد الجبال عادة متصلة في أطواف‏,‏ أومنظومات‏,‏ أو سلاسل جبلية طويلة‏,‏ ولكنها قد تكون أحياناً على هيئة مرتفعات فردية معزولة‏ .‏وتتوزع الجبال عادة على سطح الأرض في أحزمة طولية موازية لحواف القارات إما في الاتجاه شمال ـ جنوب أو في الاتجاه شرق ـ غرب‏,‏ أو بانحرافات قليلة عن هذين الاتجاهين‏,‏ ومن ذلك تم الاستنتاج الصحيح بأن تكون هذه الأحزمة الجبلية مرتبط بتحرك ألواح الغلاف الصخري للأرض، وبخطوط التصادم بين تلك الألواح، خاصة عندما يهبط اللوح الصخري المكون لقاع المحيط تحت اللوح الصخري الحامل للقارة المقابلة‏,‏ فتتغضن وتتجعد الرسوبيات المتجمعة في الحوض العميق الناتج عن تحرك قاع المحيط تحت اللوح الصخري الحامل للقارة‏,‏ وتكشط بالتدريج لتضاف إلى حواف تلك القارة‏,‏ كما تضاف إليها كل الصخور النارية والمتحولة الناتجة عن الانصهار الجزئي للوح الصخري الهابط تحت القارة‏,‏ وعن إزاحة كتل من الصهارة من نطاق الضعف الأرضي عند هبوط قاع المحيط فيه‏,‏ وتشمل طفوحاً بركانية، وهيئات كثيرة للمتداخلات النارية‏,‏ وللصخور المتحولة‏ .‏
ومن هذا الخليط من الصخور الرسوبية والنارية والمتحولة تتكون الأطواف والمنظومات والسلاسل الجبلية‏‏ على هيئة أجزاء سميكة جداً من الغلاف الصخري للأرض‏,‏ تنتصب شامخة فوق مستوى سطح البحر‏,‏ وتمتد بأضعاف ارتفاعها إلى داخل الأرض لتطفو في نطاق الضعف الأرضي ‏(‏ وهو نطاق لدن‏,‏ شبه منصهر‏,‏ عالي الكثافة واللزوجة‏)‏ ، تحكمها في ذلك قوانين الطفو، كما تحكم جبال الجليد الطافية فوق مياه المحيطات‏,‏ وعملية الطفو هذه هي التي تساعد الجبال ـ بتقدير من الله تعالى ـ على أن تبقى منتصبة فوق سطح الأرض‏,‏ وفي حالة من التوازن التضاغطي المعجز مع محيطها‏,‏ وفي ذلك يقول الحق ـ تبارك وتعالى ـ‏ :‏ ” أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ . وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ . وَإِلَى الجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ . وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ” ‏(‏الغاشية‏:17‏ ـ‏20) .
وتصل حركة ألواح الغلاف الصخري إلى نهايتها عندما يتحرك أحد هذه الألواح الحامل لقارة من القارات في اتجاه اللوح الصخري الحامل لقارة مقابلة‏,‏ دافعاً أمامه قاع المحيط الفاصل بين القارتين حتى يدفنه بالكامل تحت القارة المقابلة‏‏ بعد سحب كل الرسوبيات المتجمعة فوق هذا القاع وتكديسها مع ما يصاحبها من صخور نارية ومتحولة فوق حافة القارة الراكبة‏,‏ وتصطدم القارتان اصطداماً عنيفاً يؤدي إلى تكون أعلى السلاسل الجبلية مثل جبال الهيمالايا‏ .‏
وتتكون الجبال من خليط من الصخور الرسوبية والنارية والمتحولة شديدة الطي والتكسر ‏.‏

الجدد الصخرية في علوم الأرض :
بدأت قشرة الأرض بتبلور الصهير الصخري الذي نتج عن ارتطام أعداد كبيرة من النيازك الحديدية ،والحديدية الصخرية، والصخرية بمادتها الأولية‏,‏ وبتبلور هذا الصهير الصخري نشأت الصخور النارية الصخور الأولية التي تشكل اليوم حوالي‏95%‏ من مجموع صخور قشرة الأرض‏ .‏
وبتعرض الصخور النارية لعوامل التعرية المختلفة من التجوية‏,‏ والنقل‏,‏ والتحات‏ ـ التآكل‏ ـ‏ بعواملها المتعدد‏ة (‏ من الرياح‏,‏ والمياه الجارية‏,‏ والمجالد‏,‏ والكائنات الحية‏,‏ وفعل الجاذبية الأرضية‏)‏ تفتتت تلك الصخور الأولية وتحللت كيميائياً‏,‏ ونقل هذا الفتات الصخري ليرسب في كلٍ من منخفضات اليابسة والبحار والمحيطات لينكبس ويتماسك ويتصلب على هيئة الصخور الرسوبية، والتي تكون اليوم غطاءاً رقيقاً ينتشر فوق مساحات شاسعة من الأرض على هيئة الصخور الرسوبية التي تشكل حوالي‏5%‏ فقط من مجموع صخور القشرة الأرضية‏ .‏
وبتعرض كلٍ من الصخور النارية والرسوبية لعوامل التحول من الضغط‏,‏ أو الحرارة‏,‏ أو لكليهما معاً‏,‏ تحولت تلك الصخور إلى ما يعرف باسم الصخور المتحولة التي تكون اليوم نسبة ضئيلة جداً من مجموع صخور القشرة الأرضية ‏.‏ وبتعرض الصخور المتحولة لمزيد من الحرارة تنصهر متحولة إلى صهارة صخرية تعاود دورتها المعروفة باسم دورة الصخور ‏.‏
وقد تنقطع هذه الدورة عند أية مرحلة من مراحلها‏,‏ أو تتجاوزها إلى المرحلة التالية ، مثل تحول الصخور النارية مباشرة إلى الصهير الصخري عبر الصخور المتحولة أو متجاوزة لمرحلتها‏,‏ أو دخول أيٍ من الصخور الرسوبية والمتحولة في دورة تعرية جديدة دون الوصول إلى مرحلة الصخور النارية‏ .‏
وعندما تندفع الصهارة الصخرية في القشرة الأرضية من نطاق الضعف الأرضي‏,‏ فإنها إما أن تندفع إلى سطح الأرض على هيئة الثورات البركانية‏,‏ مكونة الطفوح البركانية‏,‏ وإما أن تتداخل في أعماق القشرة الأرضية حتى تتبلور وتجمد على هيئة المتداخلات النارية التي قد ترفعها الحركات الأرضية إلى سطح الأرض، ومنها الحركات البانية للجبال‏,‏ فتعريها عوامل التعرية، وتكشفها للناظرين بعد ملايين السنين‏ .‏
والمتداخلات النارية تأخذ أشكالاً وأحجاماً متعددة، منها المتداخلات المستوية‏(‏ اللوحية الشكل‏)‏، ومنها الكتلية‏,‏ ومنها المتوافق مع الصخور المتداخل فيها‏,‏ ومنها غير المتوافق‏,‏ والأول يتداخل متوازياً مع بنيات الصخور المضيفة ، مثل مستويات التطبق في الصخور الرسوبية‏,‏ والثاني يتداخل في الصخور قاطعاً لبنياتها‏ .‏
ومن المتداخلات المستوية الجدد، وتتكون باندفاع الصهارة إلى داخل الشقوق والفواصل ومستويات التطبق وغيرها‏,‏ ومنها الجدد القاطعة إذا كانت رأسية أو مائلة‏,‏ والجدد الموازية ـ‏ المتوافقة‏ ـ‏ وهي أفقية أو مائلة وموازية لمستويات التطبق‏,‏ وغير ذلك من البنيات الأساسية للصخر المضيف‏،‏ ومن المتداخلات النارية غير المتوافقة بقايا غرف الصهير العملاقة‏(‏ الباثوليثات‏)‏ ، والتي تعتبر أضخم المتداخلات النارية حجماً، إذ تمتد لآلاف الكيلو مترات وتكون قلوب الجبال‏,‏ وتتكون غالباً من الصخور الجرانيتية الدايوريتية‏ .
ومن المتداخلات النارية الكتلية المتوافقة أجسام عدسية الشكل تعرف باسم اللاكوليثات، سطحها العلوي محدب إلى أعلى‏,‏ وسطحها السفلي أفقي تقريباً، مما يعكس اتجاه اندفاع الصهير من أسفل إلى أعلى‏ .‏
المعجزة العلمية في سبق القرآن الكريم بالاشارة إلى ألوان الجدد باللون الأبيض والأحمر والأسود
يقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ في محكم كتابه‏ :‏ ” وَمِنَ الجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ ” ( فاطر‏:27) .
والآية الكريمة تشير إلى أن الجدد هي الخطط أو الطرائق المختلفة الألوان في الجبال، والتي تخالف ألوانها ألوان الجبال‏,‏ وعلى ذلك فهي ليست الجبال‏,‏ والعلوم المكتسبة تؤكد على أن المتداخلات النارية في صخور الجبال تتكون بعد الصخور المضيفة لها بفترات متطاولة قد تقدر أحياناً بملايين السنين ‏.‏كذلك أثبتت دراسات علم الصخور أن العامل الرئيسي في تصنيف الصخور النارية هو تركيبها الكيميائي والمعدني، والذي ينعكس انعكاساً واضحاً على ألوانها‏,‏ وتقسم الصخور النارية على أساس من تركيبها الكيميائي والمعدني إلى المجموعات الرئيسية الثلاث التالية ‏:‏
‏(1)‏ صخور حامضية وفوق حامضية :
وتشمل عائلة الجرانيت التي تتكون أساساً من معادن المرو‏(‏ الأبيض‏)‏، والفلسبار البوتاسي‏(‏ المقارب إلى الحمرة‏)‏، والبايوتايت‏(‏ الذي يتراوح بين اللونين الأصفر والبني المائل إلى الحمرة أو العسلي‏)‏ .
‏(2)‏ صخور متوسطة :
وتشمل عائلة الدايورايت التي تتكون أساساً من قليل من المرو ومعادن البلاجيوكليز الكلسي والصودي والأمفيبول، والتي تتراوح ألوانها بين الأبيض والأحمر والرمادي ‏.‏
‏(3)‏ صخور قاعدية وفوق قاعدية :
وتشمل عائلتي الجابرو والبريدوتايت، وتتميز بالألوان الداكنة التي تميل إلى السواد، لوفرة معادن كلٍ من الحديد والمغنيسيوم فيها ، مثل معادن البيروكسين، والأوليفين والبلاجيوكليز الكلسي‏ .‏
ومن ذلك يتضح بجلاء أن الجدد التي تتداخل في صخور الجبال هي في الأصل من الصخور النارية‏,‏ وأن أفضل تصنيف لتلك الصخور هو التصنيف القائم على أساس من تركيبها الكيميائي والمعدني، والذي ينعكس على ألوانها على النحو التالي ‏:‏
‏(1)‏ صخور تتراوح ألوانها بين اللونين الأبيض والأحمر :
وهي الصخور الحامضية وفوق الحامضية، وتشمل عائلة الصخور الجرانيتية‏ (‏ الرايولايت ـ الجرانيت‏) .‏
‏(2)‏ صخور تتراوح ألوانها بين اللونين الأبيض والأحمر من جهة والألوان الداكنة من جهة أخرى‏ :‏
ولذا يغلب عليها الألوان الرمادية‏,‏ وهي الصخور الموصوفة بالوسطية ‏(‏ بين الصخور الحامضية وفوق الحامضية من جهة‏,‏ والصخور القاعدية وفوق القاعدية من جهة أخرى‏)‏، وتضم عائلة الصخور الدايورايتية‏(‏ الانديزايت ـ ديورايت‏),‏ وتقع تحت الوصف القرآني‏:‏ “مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا ‏..‏”
‏(3)‏ صخور تميل ألوانها إلى الدكنة حتى السواد :
وهي الصخور القاعدية وفوق القاعدية‏,‏ وتشمل عائلتي الجابرو‏ (‏ البازلت ـ الجابرو‏)‏ والبريدوتايت .‏
وهذا التصنيف لم يصل إليه العلماء إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين بعد مجاهدة استغرقت آلاف العلماء‏,‏ وآلاف الساعات من البحث المضني‏,‏ وسبق القرآن الكريم بالإشارة إليه في هذه الأية الكريمة بهذه الدقة البالغة التي تجمع الجدد البيضاء والحمراء في جهة‏,‏ تعبيراً عن الصنف الأول من الصخور النارية ‏ ـ ‏عائلة الجرانيت ـ‏ ثم تضيف هذه الإضافة المعجزة مختلف ألوانها لتعبر عن كل مراحل الانتقال في هذه المجموعة الحامضية وفوق الحامضية‏,‏ ومنها إلى الصخور ذات التركيب الوسطي‏ ـ‏ مجموعة الصخور الدايوريتية ـ‏ وتخص المجموعة القاعدية وفوق القاعدية بهذا الوصف المبهر وغرابيب سود‏ ـ مجموعة صخور الجابرو والبريدوتايت‏ .‏
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ‏:‏ لو لم يكن هذا القرآن الكريم هو كلام الله الخالق‏,‏ ولو لم يكن هذا النبي الخاتم والرسول الخاتم موصولاً بوحي السماء، فمن أين له بهذه المعلومات العلمية الدقيقة التي لم يكن لأحد في زمن الوحي، ولا لقرون متطاولة من بعده أدنى علم بها ؟ .
وهنا أيضا يتضح جانب من الجوانب العديدة لحكمة الإشارة في كتاب الله الخاتم إلى عدد من حقائق الكون وظواهره‏,‏ لتكون هذه الإشارات شاهدة لله الخالق بطلاقة القدرة فيما أبدع‏,‏ وبطلاقتها على ما سوف يقوم به من إفناء ما قد أبدع‏,‏ وإعادة خلقه من جديد‏,‏ ولتكون دعوة للمسلمين خاصة‏,‏ وللناس كافة‏,‏ إلى دراسة كون الله‏,‏ للتعرف على شيء من صفات هذا الخالق العظيم الجدير بالخضوع له وحده بالطاعة والعبادة‏,‏ والتقديس‏,‏ والحمد‏,‏ والتسبيح ـ بغير شريك، ولا شبيه، ولا منازع‏ ـ‏ وتكون دعوة للكفار والمشركين في هذا العصر ـ عصر العلوم والتقنيات الذي نعيشه ـ وحجة بالغة عليهم أن يسلموا بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق‏,‏ ويشهدوا بنبوة هذا النبي الخاتم والرسول الخاتم ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي وصفه ربه ـ تبارك وتعالى ـ بقوله :
” وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى . إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى . عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى ” ‏ (‏ النجم‏:3‏ ـ‏5)‏ .
فالحمد لله أولاً وآخراً‏,‏ وأفضل الصلاة وأزكى التسليم على خاتم أنبياء الله ورسله‏,‏ وعلى جميع آله وصحبه‏,‏ ومن تبع ملته‏,‏ وأحيا سنته‏,‏ ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏ .‏

موقع الدكتور زغلول النجار

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: